لقد أدى التوقف عن العمل وظيفته في التعبير عن الرفض وكشف مواطن الخلل، وفرض تعديلات ومكتسبات جعلت النص النافذ أفضل بشكل نسبي من صيغته الأولى، غير أن الوسيلة الإحتجاجية لا تستمد مشروعيتها من بدايتها فقط بل من إستمرار تناسبها مع أهدافها وآثارها. فالتوقف المفتوح بعد نشر القانون قد ينتقل وبشكل تدريجي من ورقة ضغط إلى عامل إستنزاف للمحامين، وإضرار بالمتقاضين وتراكم للملفات وإضعاف للتعاطف المجتمعي، بما يجعل المهنة تدفع كلفة أكبر من الجهة التي تتوجه إليها بالإحتجاج. كما أنه ليست الحكمة في خوض معركة طويلة بأداة واحدة، بل في الحفاظ على القوة المهنية إلى حين توافر اللحظة التي يمكن فيها تحقيق تعديل حقيقي.
لذلك يبدو إستئناف العمل وحسب نظرتنا الإستشرافية الدقيقة، الأقرب إلى حسن التدبير منه إلى التراجع، فهو لا يعني التسليم بكل أحكام القانون66/23 وإنما الإنتقال من إحتجاج شامل مكلف إلى مقاومة قانونية ومؤسساتية أكثر دقة وإستدامة، مع العمل على توثيق إختلالات التطبيق وتوحيد التأويل المهني والطعن في القرارات التي تمس الحقوق كلما توافرت شروطه وإعداد مقترحات تعديل محكمة وفتح حوار مؤسساتي محدد الأهداف والآجال، فضلا على اللجوء عند الضرورة إلى وقفات رمزية ومقاطعات جزئية ومدروسة لا تمس القضايا الإستعجالية وحقوق المعتقلين وآجال المتقاضين. فالقانون وإن أصبح نافذا فهو ليس بالقدر التشريعي الأبدي، إذ يظل قابلا للتعديل كما تظل نصوصه وقرارات تطبيقه خاضعة للرقابة القضائية وفق الآليات المتاحة.
إن القوة الحقيقية للمحاماة اليوم ليست في إطالة التوقف حتى الإنهاك، ولا في العودة الصامتة وكأن شيئا لم يكن، بل في إستئناف العمل مع إعادة بناء إستراتيجية الإحتجاج على أساس المعرفة والوحدة والتدرج وحسن التوقيت. فحين تتغير ساحة الصراع يصبح تغيير الوسيلة علامة رزانة لا ضعف، والمحاماة التي تحافظ على منتسبيها وتحمي حقوق المتقاضين، وتحول ملاحظاتها إلى ملفات قانونية وإقتراحات تشريعية دقيقة، تكون أقدر على تعديل القانون من محاماة أنهكها الغياب وأفقدها الإستنزاف قدرتها على التأثير.
ختاما، سيعود المحامون الى المحاكم ولكن ليست كسابقاتها بل عودة من أجل مرحلة جديدة وحاسمة. عودة ينبغي ألا تكون نهاية للنضال ولا إستمرار آلي للتوقف، بل بداية إنتقال ذكي من رد الفعل إلى صناعة المبادرة ومن الإحتجاج المستنزف إلى قوة تفاوضية هادئةومتماسكة ومسؤولة لمحاماة حرة ومستقلة.





