المجلس الانتقالي الجنوبي.. ميزان القوى وحصن السيادة الاستراتيج
في ظل واقع جيوسياسي شديد التعقيد، استطاع المجلس الانتقالي الجنوبي أن يجتاز مرحلة “إثبات الوجود” ليدخل مرحلة “فرض الإرادة”، محققاً سلسلة من النجاحات البنيوية التي نقلت القضية الجنوبية من الهامش إلى مركز القرار.
المتأمل في مسار المجلس يدرك أن ما تحقق ليس مجرد مكاسب عابرة، بل هو إعادة صياغة كاملة لموازين القوى في المنطقة.
تمثل القوات المسلحة الجنوبية، تحت مظلة المجلس، النجاح الأبرز في مكافحة الإرهاب وتثبيت الأمن. وقد نجح المجلس في تحويل المقاومة الشعبية إلى مؤسسة عسكرية احترافية، استطاعت تطهير مساحات واسعة من بؤر التنظيمات الإرهابية (داعش والقاعدة) في “سهام الشرق” و”سهام الجنوب”.
كما نجحت القوات الجنوبية في تأمين الممرات الملاحية الدولية وحماية العمق الجنوبي من التمدد الحوثي، مما جعل من الجيش الجنوبي “شريكاً دولياً” موثوقاً في حفظ الأمن القومي.
على الصعيد الدبلوماسي، حقق المجلس خرقاً تاريخياً بانتزاع تمثيل الجنوب في مشاورات الحل النهائي. ولم يعد الجنوب “ملفاً ملحقاً”، بل طرفاً رئيساً يمتلك رؤية سياسية متكاملة.
ونجح المجلس في نقل صوت الشعب إلى أروقة الأمم المتحدة وصناع القرار العالمي، محولاً التفويض الشعبي إلى “شرعية دولية” تعترف بالانتقالي كحامل سياسي وحيد لا يمكن تجاوزه في أي تسوية شاملة.
ورغم حروب الخدمات وحصار الموارد، أرسى المجلس قواعد “الإدارة الذاتية” والمؤسسية عبر هيئاته التنفيذية وميثاق الوطني الجنوبي الذي وحّد المكونات تحت راية واحدة. هذا النضج الإداري أثبت قدرة الجنوبيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأرسل رسالة للعالم بأن “دولة الجنوب” ليست مجرد حلم، بل هي واقع مؤسسي ينتظر اللحظة السياسية المواتية.
ومع تفاقم المحاولات البائسة للنيل من هذا الكيان عبر أدوات “التفريخ” السياسي أو إثارة النعرات المناطقية، إلا أن كل هذه الرهانات محكوم عليها بالفشل الذريع. فالجبهة الجنوبية اليوم ليست مجرد تحالف سياسي، بل هي “عقيدة وطنية” متجذرة في وعي المواطن الجنوبي الذي أدرك أن إضعاف المجلس هو إضعاف لقضيته الوجودية.
وأي محاولة للالتفاف على المجلس الانتقالي أو إعادة هندسة المشهد الجنوبي بوجوه “هجينة” ستصطدم بحقيقة صلبة: الجنوب اليوم يمتلك مخالب وأنياباً سياسية وعسكرية. وسيبقى المجلس هو العنوان الراسخ لاستعادة الدولة، والضمانة الحقيقية التي لن تنكسر أمام عواصف التآمر، فمن يستمد شرعيته من دماء الشهداء وتفويض الميادين، لا تهزه رياح الغرف المغلقة.





