تدخل العلاقات بين المغرب وإسبانيا مرحلة دقيقة تختبر فيها الشراكة الاستراتيجية قدرتها على الصمود أمام تناقضات الواقع السياسي والأمني في غرب المتوسط. فمدريد تحتاج إلى الرباط في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغطا داخليا متزايدا يجعل من المغرب والهجرة وسبتة ومليلية موضوعا للتجاذب السياسي.
وتجسدت هذه المفارقة بأوضح صورة في أزمة سبتة الأخيرة، التي شهدت محاولة عبور جماعية واسعة في 30 يوليوز، وأوقعت عشرات الضحايا، قبل أن تستعيد السلطات الإسبانية السيطرة على الوضع. وقد اضطرّت مدريد إلى تعبئة موارد الدولة وتعزيز الحضور الأمني والعسكري، فيما أكد بيدرو سانشيز في الوقت نفسه استمرار التعاون مع المغرب في إدارة ملف الهجرة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما ارتفع الضغط على الحدود الإسبانية، ازدادت حاجة مدريد إلى التعاون مع الرباط؛ وكلما تصاعدت أزمة الهجرة، ارتفع توظيفها في الصراع السياسي الداخلي الإسباني.
فحكومة سانشيز تتحرك بين ضرورة الحفاظ على الشراكة مع المغرب وبين ضغط المعارضة واليمين المتشدد، الذي جعل من الهجرة وأمن الحدود أداة سياسية مباشرة. وقد طالب زعيم حزب فوكس، سانتياغو أباسكال، عقب أزمة سبتة بعسكرة دائمة للحدود وهاجم سياسة الحكومة تجاه المغرب.
وفي المقابل، فإن الدولة الإسبانية بمؤسساتها الأمنية والعسكرية لا تستطيع التعامل مع المغرب بمنطق الصدام المفتوح؛ فالحرس المدني يحتاج إلى التنسيق الحدودي، وأجهزة الأمن والاستخبارات معنية بمخاطر الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة.
وهذا يكشف طبيعة العلاقة الحقيقية: تعاون استراتيجي وتنافس جيوسياسي في آن واحد.
أما سبتة ومليلية، فهما تمثلان أكثر نقاط الاحتكاك حساسية. فهما حدود أوروبية مباشرة مع إفريقيا، وفي الوقت ذاته ملف سيادي لا يزال حاضرا في الحسابات المغربية والإسبانية. ولذلك فإن أي أزمة هجرة تتحول بسرعة إلى أزمة أمنية وسياسية وجيوسياسية، كما حدث مجدداً في سبتة.
لكن المفارقة الأكبر أن هذه الأزمات لا تلغي الشراكة؛ بل تكشف مدى عمقها. فالمغرب أصبح جزءاً من معادلة الأمن الحدودي الإسباني، وإسبانيا أصبحت شريكاً أوروبياً رئيسياً للمغرب. والاعتماد المتبادل في التجارة والطاقة والاستثمار والأمن يجعل القطيعة مكلفة للطرفين.
في المقابل، فإن صعود اليمين المتشدد والاستقطاب السياسي الإسباني يفرضان على الرباط قراءة مدريد باعتبارها منظومة مؤسساتية متعددة المراكز، لا حكومة واحدة فقط: حكومة وبرلمان وأحزاب ومؤسسة ملكية وأجهزة أمنية وعسكرية ومصالح اقتصادية وسلطات محلية.
ومن هنا، فإن الرهان المغربي لا ينبغي أن يكون على حكومة سانشيز وحدها، ولا على ظرف سياسي عابر، وإنما على ترسيخ علاقة دولة بدولة، تقوم على المصالح المتبادلة والندية والوضوح، وتمنع تحويل ملفات الهجرة والحدود إلى أدوات ابتزاز أو تعبئة انتخابية.
في المحصلة، تكشف التطورات الحالية أن المغرب وإسبانيا لا يعيشان مرحلة اختفاء الخلافات، وإنما مرحلة إدارة الخلافات داخل شبكة متنامية من المصالح الاستراتيجية.
وهذا هو جوهر التحول الجيوسياسي: مدريد قد تختلف مع الرباط، وقد تتنافس معها، وقد تواجه ضغوطا داخلية بسببها؛ لكنها في الوقت نفسه تحتاج إليها في أمن حدودها واستقرار محيطها المتوسطي والإفريقي.
لذلك فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد: هل تحتاج إسبانيا إلى المغرب؟
بل أصبح: كيف ستدير إسبانيا اعتمادها المتزايد على المغرب في ظل صعود اليمين، وأزمة الهجرة، وحساسية سبتة ومليلية، والتحولات المتسارعة في المتوسط؟
وهنا تحديدا تتسع قيمة المغرب الجيوسياسية: كلما ازدادت أزمات المتوسط تعقيدا، ازدادت أهمية الرباط باعتبارها شريكا لا يمكن تجاوزه، لا في مدريد فقط، وإنما في الحسابات الأمنية والاستراتيجية الأوروبية أيضا.
The post المغرب وإسبانيا.. شراكة استراتيجية تحت ضغط التناقضات الجيوسياسية appeared first on أنا الخبر - Analkhabar.

