... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
93445 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7558 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 3 ثواني

المدينة حزينة

العالم
النهار العربي
2026/04/04 - 03:07 501 مشاهدة

تخرج الصدمة من كلِ زاوية، ويصدحُ الصراخ من بين الأنقاض وعلى جوانب مكان الانفجار، بينما المارّون على الرصيف يتوقفون لمعرفة ما جرى، ورؤيتهم للحدث الذي نجوا منه لا تسعفهم في إدراك ما حصل، إلى أن ينظروا إلى هواتفهم فتتعاقب "الفلاشات" التي تحدثهم عما جرى.

 

من "الفلاشات" ما يُقارب مضمونها الحقيقة، ومنها ترويج لسردية المعنيين بالعدوان. إنها جانب من مأساة بيروت اليومية، في النهار وفي الليل سيان. أما الجانب الآخر من حياة المدينة الحزينة، فقد تحوَّل رأساً على عقب، ومنذ ما يقارب الشهر دخلت حياتها في تنازُعٍ واضطراب، يُشبه بعضه ما كان يحصل قبل ما يزيد عن 40 عاماً (على ما يذكر معاصرو تلك الحقبة)، بينما فرض التطور السيبراني والتقني أنماطاً تخريبية حديثة على بعضه الآخر.

"في شي؟"

وتعود الحياة إلى طبيعتها بعد الغارة المعادية، وتعود الأسئلة والتحليلات، بين المارة الذين لا يعرفون بعضهم، وبين الزملاء في أماكن العمل، حتى أن الدركي الواقف شهماً على الإشارة المُعطلة؛ يسألك: في شي؟ شو صاير؟ وتكاد الدراجات النارية المُتفلِّتة أن تمرُّ من بين أقدامه لو كانت الأقدام أطول بقليلٍ مما هي عليه. وبينما أنت في حضرة مشاهد غريبة - مُعتادة، يشدُّك شجار بين متسابقين على الطريق إلى مشهدٍ آخر، ترى بين لكنة المتشاجرين المختلفة فحيحُ وعيد، وإنذاراتُ شؤمٍ مؤجلةٍ التنفيذ إلى ما بعد انتهاء الحرب – العدوان، وتتخايل مع ذلك مشهداً آخر لم يتبلور بعد، أو أنه قد لا يتبلور على ما يرغب المُهدِّدون.

الكُل يسألك عما سيحصل، وأنت تسأل الكل عما حصل. العدو في دارك وفي السماء مُتفلِّتٌ من كل القيود، والقتل عنده تقطيع وقت وجبة الحراسة من دون ملّل، أما الأشلاء والدماء والخراب، فتفاصيل لا تستحق الوقوف عندها. والصديق والجار، جارَ عليك وجار عليَّ، ورماك في الجبِّ بين الذئاب، وما "أرحم الذئاب يا أبي". يستحضرون الأهداف إلى الشوارع المُكتظَّة وإلى الحارات البائسة وإلى الأزقة، وينتظرون مصيراً قاتماً من عدوٍ مجرمٍ غاشم في كل لحظةٍ وهم بين أحضان الأمهات، أو إلى جانب الأطفال المندهشين من مشهديةٍ لم يروا مثلها حتى في لعبة السوبرمان الافتراضية.

 

طفلة نازحة في أحد المخيمات المقامة في بيروت (أ ف ب)


أرصفة الشوارع المُخصصة لاحتضان أقدام المشاة، ها هي تحتضنُ الأحبة، وينام عليها المعذبون والمشردون النازحون، وتفترشها الحصائر والوسادات المجعلكة، وتغطي بعضها شوادرٌ عتيقة تكاد أن تُشبه الخيم، وليست خيم، وتجري من تحتها أنهار مياه الأمطار التي لم يتوقف تدفقها طوال شهر آذار/ مارس، في كرمٍ طبيعي قلَّ نظيره، لكن العشب كان قد احترق، والأشجار يبست حزناً على هجرة أهلها، وأصبح المطرُ ويلاً وعبئاً ثقيلاً، بدل أن يكونَ خيراً وفلاحاً.

بيروت "مدينة العالم" قصةٌ لا قدرة للكلمات على كتابتها بمفاصلها كاملة. حَضنت التجارب، وكنكنت على الكتاب وعلى التاريخ خوفاً من ضياع، وحفظت المعالم التي نجت من هول حفلات التدمير البشرية المُتعاقبة، وتلاقحت فيها الأفكار والخمائر، وانجمعت فيها النيران واللآليء في وكارةٍ واحة، وعصرت حياتها العِبر المتناقضة التي لا يتخيلها السَحَرة؛ تُقدِّم العشاء لروادها - المعروفين منهم والغرباء - على العتمة، ولا تهرب عند انطلاق صفارات الإنذار من دون أن تدفع الفاتورة.

 

تشعُر بيروت كأنها محمية من آلهةٍ مرّوا، ومن آلهٍةٍ لم يولدوا بعد. تساعد الدولة على إنتاج الحِكمة والصبر والمعونة، بينما الدولة المنكوبة مصدومة من الجفاف العاطفي الذي يُصيب الأقربين من المتحاربين بما يوازي صلافة الأعداء أحياناً. وهؤلاء الذين لا يتورعون عن تقديم دمائهم من أجل "الخط" الذي يؤمنون به، يبخلون بالحديث ولو بكلمةٍ واحدة مع المسؤولين، وعن المستقبل، كأنما إفشاء السرّ عندهم أغلى من الدماء.

 

المدينة حزينة... والشوارع حزينة... والأبنية حزينة... واليماماتُ حزينة... والجامعات حزينة ... والمدارس حزينة، بينما المشاعرُ دفينة، والعيون تدمع من شدَّة الألم. لا تستحق بيروت هذا العذاب، وما ذنب لبنان في منازلات صراع الأمم؟ أما إسرائيل التي تتخبَّطُ في كبوة مشاريعها الانفلاشية الخبيثة، وتئنُّ خوفاً من "التنّين" الذي سيقتلها يوماً انتصاراً لدماء الأطفال، فتنكبُّ على عروسة البحر، وتفرغُِّ حقدها على مينا الحبايب والشطّ اللي دايب وزهرة الياقوت.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤