المعايطة يعدّ دراسة نقدية شاملة لمشروع قانون الادارة المحلية: يعيد تكريس هيمنة الحكومة المركزية #عاجل
•أعدّ رئيس بلدية الكرك الكبرى السابق، المهندس محمد عبدالحميد المعايطة، دراسة نقدية حول مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، متضمّنا العديد من الملاحظات والانتقادات، فيما خلُصت الدراسة إلى أن المشروع...
•وبحسب الدراسة التي أعدّها المهندس المعايطة، فإن أبرز المآخذ على المشروع تتمثل في إفراغ المجالس المحلية من دورها الحقيقي في إدارة الشأن المحلي، عبر نقل جزء كبير من الصلاحيات التنفيذية والإدارية والمالي...
•كما انتقدت الدراسة استمرار النهج التشريعي غير المستقر الذي رافق الإدارة المحلية خلال العقدين الماضيين، مشيرة إلى أن كثرة القوانين والتعديلات والأنظمة أضعفت العمل البلدي وأربكت المؤسسات المحلية، بدلاً...
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
أعدّ رئيس بلدية الكرك الكبرى السابق، المهندس محمد عبدالحميد المعايطة، دراسة نقدية حول مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026، متضمّنا العديد من الملاحظات والانتقادات، فيما خلُصت الدراسة إلى أن المشروع بصيغته الحالية يمثل تراجعاً عن فلسفة اللامركزية والإدارة المحلية التي كفلها الدستور الأردني، ويعيد تكريس هيمنة الحكومة المركزية على حساب المجالس البلدية المنتخبة.
وبحسب الدراسة التي أعدّها المهندس المعايطة، فإن أبرز المآخذ على المشروع تتمثل في إفراغ المجالس المحلية من دورها الحقيقي في إدارة الشأن المحلي، عبر نقل جزء كبير من الصلاحيات التنفيذية والإدارية والمالية إلى المدير التنفيذي وربطها بوزارة الإدارة المحلية، بما يجعل المجالس المنتخبة مسؤولة أمام المواطنين عن قرارات لا تملك أدوات تنفيذها.
كما انتقدت الدراسة استمرار النهج التشريعي غير المستقر الذي رافق الإدارة المحلية خلال العقدين الماضيين، مشيرة إلى أن كثرة القوانين والتعديلات والأنظمة أضعفت العمل البلدي وأربكت المؤسسات المحلية، بدلاً من تطويرها وتمكينها.
ولفتت الدراسة إلى التوسع في حل المجالس البلدية المنتخبة واستبدالها بلجان معينة، معتبرة أن ذلك أضعف الثقة بالانتخابات المحلية وأفقد البلديات الاستقرار الإداري والسياسي اللازم لتنفيذ برامجها.
وتناولت الدراسة جملة من الأسباب التي أسهمت في تراجع البلديات، من بينها تغوّل الحكومة المركزية على صلاحياتها، وضعف النظام الانتخابي، وتراجع الثقة الشعبية بالمجالس المحلية، إلى جانب إضعاف الاستقلال المالي للبلديات وتأخر تحويل مستحقاتها القانونية، ما حدّ من قدرتها على تنفيذ المشاريع والخدمات.
وأكدت الدراسة أن الإصلاح الحقيقي للإدارة المحلية لا يتحقق بإعادة إنتاج المركزية بصياغات قانونية جديدة، بل عبر تحصين المجالس المنتخبة، وتوسيع صلاحياتها، وضمان استقلالها المالي والإداري، بما ينسجم مع أحكام الدستور ويعزز المشاركة الشعبية والتنمية المحلية.وتاليا نصّ الدراسة:
دراسة نقدية في مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026
في ضوء الدستور الأردني ومبادئ اللامركزية والإدارة المحلية
إعداد: رئيس بلدية الكرك الكبرى السابق، المهندس محمد عبدالحميد المعايطة -
لا تتقدم الدول الحديثة بكثرة القوانين، وإنما باستقرارها وجودتها واحترامها للفلسفة الدستورية التي تقوم عليها. فالقانون ليس غاية بذاته، بل وسيلة لتنظيم المجتمع وتحقيق التنمية وتعزيز المشاركة الشعبية وحماية الحقوق والحريات.
وتعد الإدارة المحلية إحدى أهم ركائز الدولة الحديثة، لأنها تجسد مبدأ مشاركة المواطنين في إدارة شؤونهم المحلية، وتخفف من مركزية القرار، وتزيد من كفاءة الخدمات، وتحقق رقابة المجتمع على مؤسساته المنتخبة. ولهذا أصبحت اللامركزية معياراً أساسياً لقياس تطور الأنظمة السياسية والإدارية في معظم دول العالم.
أما في الأردن، فقد شهد نظام الإدارة المحلية خلال العقدين الأخيرين تراجعاً واضحاً، رغم كثرة التعديلات التشريعية التي كان يفترض أن تقود إلى الإصلاح. فبدلاً من توسيع صلاحيات المجالس المنتخبة، اتجه التشريع تدريجياً إلى تركيز السلطات بيد الحكومة المركزية، حتى أصبح مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 يمثل، في كثير من مواده، تراجعاً عن فلسفة اللامركزية التي أكدها الدستور الأردني.
ولا تكمن المشكلة في الأشخاص الذين تولوا إدارة البلديات أو الوزارة، بل في النهج التشريعي والإداري الذي جعل الإدارة المحلية أقرب إلى وحدات تنفيذية تابعة للوزارة منها إلى هيئات محلية مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، كما نص مشروع القانون نفسه في تعريف البلدية، وكما يقتضيه مفهوم الإدارة المحلية في الفكر الدستوري والإداري.
ومن هنا تأتي هذه الدراسة لتقديم قراءة نقدية لمشروع القانون، تستند إلى الدستور الأردني، وإلى التجربة العملية للإدارة المحلية خلال العقود الماضية، بهدف بيان مواطن الخلل، واقتراح المعالجات التي تعيد للمجالس المحلية دورها الحقيقي في إدارة الشأن المحلي.
الفصل الأولمقدمة عن واقع البلديات منذ عام ٢٠٠١
أولاً: السيولة التشريعيةتقوم الإدارة المحلية الناجحة على الاستقرار التشريعي، لأن المؤسسات تحتاج إلى تراكم الخبرة وبناء الممارسة العملية، بينما يؤدي التغيير المستمر للقوانين إلى اضطراب الإدارة وإرباك العاملين فيها وإضعاف الثقة بالمؤسسات.ومنذ صدور قانون البلديات رقم (29) لسنة 1955 وحتى عام 2001، بقي القانون يحكم العمل البلدي لما يقارب ستة وأربعين عاماً، ولم تطرأ عليه إلا تعديلات محدودة لم تمس بنيته الأساسية. وقد أسهم هذا الاستقرار في تكوين تقاليد إدارية راسخة داخل البلديات.إلا أن المشهد تغير بصورة جذرية بعد عام 2001، إذ شهدت البلديات خمسة قوانين متعاقبة خلال فترة قصيرة نسبياً، فضلاً عن عشرات الأنظمة والتعليمات التنفيذية التي كانت تتغير بصورة متكررة، حتى أصبح العمل البلدي يتحرك وفق اجتهادات الوزراء المتعاقبين أكثر من استناده إلى سياسة تشريعية وطنية مستقرة.ولا يعكس هذا الواقع حيوية تشريعية، وإنما يدل على غياب رؤية استراتيجية طويلة المدى، إذ إن القانون أصبح يتغير بتغير الوزير أو الحكومة، وهو ما أضعف استقرار المؤسسات البلدية وأفقدها القدرة على التخطيط بعيد المدى.واللافت أن فترة عدم الاستقرار التشريعي هي نفسها الفترة التي شهدت التراجع الأكبر في أداء البلديات، بما يؤكد وجود علاقة وثيقة بين كثرة التعديلات وبين ضعف الإدارة المحلية.
ثانياً: التوسع في حل المجالس البلديةمن المبادئ المستقرة في الأنظمة الديمقراطية أن المجالس المنتخبة تستمد شرعيتها من الإرادة الشعبية، ولا يجوز إنهاء ولايتها إلا في أضيق الحدود.وخلال الفترة الممتدة من عام 1955 حتى عام 2001، لم تُحل المجالس البلدية إلا مرتين، وكانت لكل حالة أسباب استثنائية واضحة، تمثلت في إعادة هيكلة البلديات ودمجها. والأهم من ذلك أن الحكومات في حينها احترمت الإرادة الشعبية، فأعادت رؤساء البلديات المنتخبين لرئاسة لجان البلديات خلال الفترة الانتقالية، بما حافظ على الحد الأدنى من الشرعية الديمقراطية.أما بعد عام 2001، فقد أصبح حل المجالس البلدية ممارسة متكررة، حتى إن البلديات بقيت خلال نحو أربعٍ وعشرين سنة تحت إدارة لجان معينة لما يزيد على اثني عشر عاماً، وهي مدة تقارب مدة عمل المجالس المنتخبة نفسها.وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تحميل المجالس المنتخبة مسؤولية تراجع البلديات، بينما أدارت اللجان المعينة البلديات لما يقارب نصف هذه المدة؟إن تكرار الحلول الإدارية أدى إلى إضعاف ثقة المواطنين بالانتخابات، وأفقد المجالس البلدية الاستقرار اللازم لتنفيذ برامجها، كما رسخ تبعية البلديات للحكومة المركزية بدلاً من ترسيخ استقلالها.ولهذا فإن من الضروري أن ينص القانون صراحة على تحصين المجالس البلدية من الحل الإداري، وألا يكون إنهاء ولاية أي مجلس منتخب إلا بحكم قضائي، أو في حالات استثنائية محددة تمس النظام الدستوري أو الوحدة الوطنية، حفاظاً على الإرادة الشعبية واحتراماً لمبادئ الدولة الدستورية
الفصل الثانيالأساس الدستوري للإدارة المحلية ومواطن مخالفة مشروع القانون للدستوريُعد الدستور المرجعية العليا التي يجب أن تخضع لها جميع القوانين، فلا يملك المشرع العادي، مهما اتسعت سلطته التقديرية، أن يفرغ النصوص الدستورية من مضمونها أو ينتقص من الغاية التي وضعت من أجلها. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم مشروع قانون الإدارة المحلية لا يكون بالنظر إلى صياغة مواده فحسب، وإنما بمدى انسجامها مع أحكام الدستور وروحه.
أولاً: مدلول المادة (121) من الدستورتنص المادة (121) من الدستور الأردني على أن:"الشؤون البلدية والمجالس المحلية تُدار بواسطة مجالس بلدية أو محلية وفق قوانين خاصة.”ورغم إيجاز هذا النص، إلا أنه يحمل دلالات دستورية واضحة، أهمها:1. أن الأصل في إدارة الشأن المحلي أن تكون بيد المجالس البلدية والمحلية، وليس بيد السلطة التنفيذية.2. أن كلمة "تُدار” لم ترد عبثاً، وإنما تعني منح المجالس سلطة الإدارة الفعلية، بما تتضمنه من التخطيط واتخاذ القرار والتنفيذ والمتابعة والرقابة.3. أن عبارة "وفق قوانين خاصة” لا تمنح المشرع سلطة إلغاء الإدارة المحلية أو تجريدها من مضمونها، وإنما تخوله تنظيم كيفية ممارستها فقط.وبذلك فإن سلطة المشرع هي سلطة تنظيم، وليست سلطة إلغاء أو تعطيل.
ثانياً: مفهوم الإدارة في الفقه الإدارياستقر الفقه الإداري على أن الإدارة لا تعني مجرد إبداء الرأي أو رسم السياسات العامة، وإنما تشمل أربع وظائف رئيسية:* وضع الخطط والسياسات.* اتخاذ القرار.* تنفيذ القرارات.* الرقابة على التنفيذ.ولا يتحقق مفهوم الإدارة إذا انتزع القانون معظم هذه الصلاحيات أو إحداها وأعطاها لجهة أخرى.وعندما تصبح المجالس المنتخبة مجرد هيئات استشارية، بينما تنتقل السلطة التنفيذية والمالية والإدارية إلى موظف يعين أو يخضع لسلطة الوزارة، فإن الإدارة تكون قد انتقلت عملياً من المجالس المنتخبة إلى الحكومة المركزية، مهما بقيت النصوص تتحدث عن اللامركزية.
ثالثاً: كيف أفرغ مشروع القانون المادة (121) من مضمونها؟عند قراءة مشروع القانون كوحدة متكاملة، يتبين أنه منح المجالس البلدية صفة تقرير السياسات والرقابة العامة، لكنه في المقابل منح الإدارة اليومية والمالية والإدارية للمدير التنفيذي، وربط كثيراً من صلاحياته بالوزارة، سواء في التعيين أو الإشراف أو إنهاء الخدمة، وهو ما يخلق تبعية مزدوجة بين المجلس المنتخب والوزارة.وبذلك يصبح المجلس مسؤولاً أمام المواطنين عن قرارات لا يملك أدوات تنفيذها، بينما يمتلك المدير التنفيذي وسائل التنفيذ دون أن يكون منتخباً من المواطنين.وهذا يخل بمبدأ المسؤولية السياسية والإدارية، إذ لا يجوز دستورياً مساءلة جهة عن صلاحيات لا تملكها.
رابعاً: استقلال البلدية بين النص والواقعتنص المادة الثانية من مشروع القانون على أن البلدية:"مؤسسة أهلية ذات نفع عام تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري.”وهذا النص يمثل مبدأً تشريعياً سليماً، لكنه يصطدم عند التطبيق ببقية مواد المشروع.فالاستقلال المالي يفقد مضمونه إذا بقيت أهم الموارد المالية خاضعة لقرارات الحكومة، أو إذا لم تُحوَّل مستحقات البلديات في مواعيدها، أو إذا بقي توزيع الموارد مرهوناً بقرارات السلطة التنفيذية.كما أن الاستقلال الإداري لا يتحقق إذا كانت الوزارة تملك سلطات واسعة في تعيين كبار الموظفين أو عزلهم، أو في التدخل المباشر في القرارات التنفيذية، أو في حل المجالس واستبدالها بلجان معينة.فالاستقلال لا يقاس بالألفاظ، وإنما بمدى امتلاك المؤسسة أدوات إدارة شؤونها بنفسها.
خامساً: الوصاية المشروعة أم الهيمنة الإدارية؟الأصل في علاقة الحكومة المركزية بالبلديات هو الرقابة وليس الإدارة.فالرقابة الإدارية والمالية والفنية أمر مشروع، لأنها تحمي المال العام وتضمن حسن تطبيق القانون.أما الوصاية التي تمتد إلى إدارة التفاصيل اليومية، والتدخل في التعيينات، وحل المجالس، وإدارة الموارد، واعتماد القرارات التنفيذية، فإنها تتجاوز الرقابة إلى الهيمنة الإدارية، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية التي يقوم عليها الدستور.ولهذا فإن إعادة رسم العلاقة بين وزارة الإدارة المحلية والبلديات ينبغي أن تقوم على قاعدة واضحة:الوزارة تراقب، والبلديات تدير.فإذا أصبحت الوزارة هي التي تدير، فقدت البلديات سبب وجودها، وتحولت الانتخابات المحلية إلى إجراء شكلي لا يحقق الغاية الدستورية من وجود المجالس المنتخبة.
سادساً: أثر المركزية على التنمية المحليةإن التجارب المقارنة تثبت أن التنمية المستدامة لا تتحقق بزيادة المركزية، وإنما بتوسيع صلاحيات المجتمعات المحلية، وتمكينها من اتخاذ القرار وإدارة مواردها، لأن أبناء المحافظة أو المدينة هم الأقدر على تحديد أولوياتها.أما عندما تنتقل معظم الصلاحيات إلى المركز، فإن القرار يصبح أبطأ، وتضعف المساءلة، وتتراجع المبادرات المحلية، ويتحول المجلس البلدي إلى وسيط بين المواطنين والوزارة بدلاً من أن يكون سلطة محلية تدير شؤون مجتمعها.ومن هنا فإن أي مشروع قانون يعزز المركزية، ولو تحت عناوين تنظيمية أو إدارية، يبتعد عن فلسفة المادة (121) من الدستور، ويقيد التطور الطبيعي للإدارة المحلية.
الفصل الثالث
الاسباب الحقيقية لتراجع البلديات في الأردن منذ عام 2001إن تقييم أي مشروع قانون لا يكتمل بمعزل عن دراسة الواقع الذي جاء لمعالجته، لأن التشريع الناجح هو الذي يعالج أسباب الخلل، لا أن يعيد إنتاجها في قالب قانوني جديد.ومن خلال دراسة التجربة البلدية الأردنية خلال العقدين الماضيين، يتبين أن تراجع البلديات لم يكن نتيجة ضعف المجالس المنتخبة وحدها، كما يُشاع، وإنما كان حصيلة مجموعة من السياسات التشريعية والإدارية والمالية والانتخابية التي تراكمت منذ عام 2001 وأدت إلى إضعاف الإدارة المحلية بصورة تدريجية.
أولاً: عدم الاستقرار التشريعييمثل الاستقرار التشريعي شرطاً أساسياً لنجاح المؤسسات العامة، إذ يتيح بناء الخبرة المؤسسية، واستقرار الاجتهاد الإداري، ووضع الخطط طويلة الأجل.غير أن البلديات الأردنية شهدت منذ عام 2001 تعديلات متلاحقة على القوانين والأنظمة، حتى أصبح القانون يتغير بصورة تكاد تواكب تغير الحكومات والوزراء، وهو ما أوجد حالة من الارتباك الإداري، وأفقد البلديات القدرة على بناء سياسات مستقرة.ولا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق التنمية وهي تعمل في ظل قواعد قانونية تتغير بصورة مستمرة.
ثانياً: الإفراط في حل المجالس المنتخبةتقوم الديمقراطية المحلية على احترام إرادة الناخبين طوال مدة الولاية الانتخابية.لكن التجربة الأردنية بعد عام 2001 اتجهت نحو حل المجالس البلدية بصورة متكررة، حتى أصبحت اللجان المعينة تدير البلديات لمدة تقارب مدة إدارة المجالس المنتخبة نفسها.ومن ثم، فإن تحميل المجالس المنتخبة وحدها مسؤولية التراجع يتعارض مع الواقع العملي، لأن الإدارة الفعلية للبلديات خلال سنوات طويلة كانت بيد لجان معينة من قبل الحكومة.بل إن كثرة الحلول أوجدت حالة من عدم الاستقرار الإداري، إذ أصبح كل مجلس يبدأ عمله وهو يدرك أن بقاءه مرهون بقرار إداري أكثر منه بإرادة الناخبين.
ثالثاً: تغول الحكومة المركزية على صلاحيات البلدياتشهدت السنوات الأخيرة انتقالاً تدريجياً لصلاحيات واسعة من المجالس البلدية إلى وزارة الإدارة المحلية.ولم يقتصر ذلك على الرقابة المالية أو الفنية، بل امتد إلى شؤون الاستثمار، والتعيينات، والقرارات الإدارية، حتى أصبحت البلديات تمارس اختصاصاتها تحت رقابة لصيقة تكاد تصل إلى الوصاية الإدارية الكاملة.وهذا الاتجاه يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية، التي تقوم على منح السلطات المحلية حرية إدارة شؤونها ضمن إطار الرقابة القانونية.
رابعاً: ضعف النظام الانتخابيمن أهم التحولات التي أثرت في نوعية القيادات البلدية الانتقال من نظام القوائم إلى نظام الصوت الواحد.فقد كانت البلديات، قبل عام 2003، تعتمد نظام القوائم الانتخابية، وهو نظام يشجع تشكيل فرق عمل متجانسة، ويستقطب الشخصيات العامة وأصحاب الخبرة والبرامج، ويعزز العمل السياسي والمؤسسي.أما نظام الصوت الواحد، فقد عزز النزعات الفردية والعشائرية والجهوية، وأضعف العمل الجماعي داخل المجالس، وأصبح النجاح الانتخابي يعتمد في كثير من الأحيان على الاعتبارات الاجتماعية أكثر من اعتماده على البرامج والكفاءة.ومن ثم، فإن إصلاح الإدارة المحلية يبدأ بإصلاح النظام الانتخابي، لأن جودة المؤسسة ترتبط ارتباطاً مباشراً بجودة آلية اختيار أعضائها.
خامساً: تراجع ثقة المواطنين بالانتخاباتتعتمد الإدارة المحلية على المشاركة الشعبية.غير أن المشاركة لا تزدهر إلا إذا اقتنع المواطن بأن صوته مؤثر، وأن نتائج الانتخابات تعبر عن إرادته الحقيقية.وقد أدى تراجع الثقة بنزاهة الانتخابات ( التدخل الحكومي والتزوير)، إلى جانب ضعف صلاحيات المجالس، إلى انخفاض مستويات المشاركة الشعبية، وتراجع التفاعل المجتمعي مع العمل البلدي ، وتدني نسبة الاقتراع في الانتخابات.وهذا الواقع لا يضر بالمجالس وحدها، بل يضعف شرعية الإدارة المحلية بأكملها.
سادساً: إضعاف الاستقلال المالي للبلدياتلا يمكن الحديث عن إدارة محلية مستقلة دون استقلال مالي حقيقي.فالبلديات تعتمد بصورة كبيرة على حصتها من الرسوم والعوائد التي يقررها القانون، وفي مقدمتها عوائد المحروقات.إلا أن الواقع العملي يشير إلى أن البلديات لم تعد تحصل على كامل النسب المقررة قانوناً، كما أن بعض الإيرادات كانت تتأخر في التحويل، الأمر الذي أثر بصورة مباشرة في قدرتها على تنفيذ مشاريعها وخططها الخدمية.وعندما تفقد البلدية استقلالها المالي، تصبح عاجزة عن ممارسة استقلالها الإداري، لأن القرار المالي هو أساس القرار التنفيذي.
سابعاً: تضخم مجالس الخدمات المشتركةأنشئت مجالس الخدمات المشتركة لتكون إطاراً تعاونياً بين البلديات، وكانت في بداياتها تُدار من رؤساء البلديات أنفسهم، وبأعداد محدودة من الموظفين، الأمر الذي مكّنها من أداء دورها بكفاءة.إلا أن التعديلات اللاحقة، ولا سيما منذ عام 1994، غيرت فلسفة هذه المجالس، فأصبح للوزارة دور مباشر في تشكيلها وإدارتها، وتزايدت أعداد العاملين فيها بصورة كبيرة، حتى تحولت من أداة للتنسيق بين البلديات إلى جهاز إداري ضخم يستنزف الموارد
الفصل الرابع
الدراسة التحليلية لمواد مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026
إذا كانت الفصول السابقة قد تناولت الإطار الدستوري والأسباب العامة لتراجع الإدارة المحلية وواقعها ، فإن هذا الفصل ينتقل إلى دراسة نصوص مشروع القانون ذاتها، لبيان مدى اتساقها مع المبادئ الدستورية، ومع فلسفة الإدارة المحلية، ومع متطلبات الإدارة الحديثة.يتضمن مشروع القانون عدداً كبيراً من النصوص التي تحيل تفاصيل التنفيذ إلى أنظمة تصدر لاحقاً، حتى إن ما يقارب نصف مواده ينتهي بعبارة: "وفق نظام يصدر لهذه الغاية.”ورغم أن الإحالة إلى الأنظمة أمر مألوف في التشريع، فإن الإفراط فيها يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين:الأولى، نقل السلطة التشريعية الفعلية من البرلمان إلى السلطة التنفيذية.والثانية، إبقاء الحقوق والاختصاصات معطلة إلى حين صدور الأنظمة، وهو ما قد يستغرق سنوات أو لا يتحقق أصلاً.كما أن المشروع يتضمن عدداً من المفاهيم الحديثة، مثل الحوكمة، والشراكة، والتنمية الحضرية، والفضاءات الحضرية، إلا أن نجاح هذه المفاهيم لا يتحقق بمجرد النص عليها، وإنما بتوفير بيئة تشريعية وإدارية قادرة على تطبيقها.وليس المقصود من هذه الدراسة نقد النصوص لمجرد النقد، وإنما بيان أثرها العملي على استقلال البلديات وكفاءة الإدارة المحلية.
أولاً: المادة (2)تعريف البلديةعرفت المادة الثانية البلدية بأنها:"مؤسسة أهلية ذات نفع عام تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري.”وهذا التعريف من حيث المبدأ يتفق مع المفهوم الحديث للإدارة المحلية، لأنه يقرر ثلاثة مبادئ أساسية:* الشخصية الاعتبارية المستقلة.* الاستقلال المالي.* الاستقلال الإداري.غير أن المشكلة لا تكمن في النص، وإنما في بقية مواد المشروع.فالقانون يجب أن يكون وحدة متكاملة، ولا يكفي أن يقرر مبدأ في مادة، ثم يسلبه في عشرات المواد الأخرى.فإذا كانت الوزارة هي صاحبة القرار النهائي في تعيين المدير التنفيذي، أو إنهاء خدماته، أو إدارة جانب كبير من العمل التنفيذي، أو حل المجالس، فإن الاستقلال الإداري يصبح استقلالاً شكلياً لا أكثر.وكذلك إذا بقيت الموارد المالية الرئيسية خاضعة لسلطة الحكومة المركزية أو لتقديرها، فإن الاستقلال المالي يصبح مجرد وصف قانوني لا ينعكس على الواقع.التوصيةينبغي أن تقرن المادة الثانية بنص عام يؤكد أن جميع أحكام القانون تفسر بما يحقق الاستقلال المالي والإداري للبلديات، وألا يجوز التوسع في تفسير صلاحيات الوزارة بما ينتقص من هذا الاستقلال.
ثانياً: المادة (6)اللجان المحلية للتنظيمأعاد المشروع تنظيم اللجان المحلية المختصة بشؤون التنظيم، إلا أنه أغفل وجود مستوى إداري أعلى داخل البلدية لمراجعة قرارات هذه اللجان.وقد أثبتت التجربة العملية في القوانين السابقة أهمية وجود لجنة لوائية برئاسة رئيس البلدية، تتولى مراجعة مخرجات اللجان المحلية قبل إحالتها إلى مجلس التنظيم الأعلى، وذلك للأسباب الآتية:1. توحيد الاجتهادات التنظيمية داخل البلدية.2. معالجة الأخطاء الفنية قبل انتقالها إلى المراحل الأعلى.3. تسريع إنجاز معاملات المواطنين.4. تخفيف العبء عن مجلس التنظيم الأعلى.كما أن وجود لجنة وسيطة يحقق رقابة داخلية مؤسسية دون تعطيل سير المعاملات.التوصيةإعادة النص على اللجنة اللوائية برئاسة رئيس البلدية، باعتبارها مرحلة تنظيمية ضرورية أثبتت نجاحها في التشريعات السابقة.
ثالثاً: المادة (8)صلاحيات رئيس البلديةتمثل هذه المادة حجر الزاوية في بناء السلطة التنفيذية داخل البلدية، لأنها تحدد موقع رئيس البلدية في الهيكل الإداري.ورغم أن المشروع منح الرئيس عدداً من الصلاحيات، إلا أنها لا تزال أقل من المستوى الذي ينسجم مع كونه منتخباً مباشرة من المواطنين.ومن أبرز الملاحظات:أولاًلم تمنح المادة رئيس البلدية الدور الحاسم في اختيار المدير التنفيذي، أو تقييم أدائه، أو اقتراح إنهاء خدماته.وهذا يضعف العلاقة الطبيعية بين القيادة السياسية المنتخبة والإدارة التنفيذية.ثانياًينبغي منح رئيس البلدية صلاحية تفويض بعض الصلاحيات المالية ضمن حدود مالية محددة، بما يحقق سرعة الإنجاز ويمنع تراكم المعاملات.ثالثاًاشترط المشروع موافقة الوزير على سفر رئيس البلدية للمشاركة في المؤتمرات والدورات الخارجية.وهذا الشرط لا ينسجم مع استقلال البلدية، ويجعل رئيس البلدية المنتخب في موقع أدنى من رؤساء كثير من المؤسسات العامة المستقلة.ويمكن الاكتفاء بإشعار الوزارة أو موافقة المجلس البلدي، مع النص على عدم تحميل صندوق البلدية أي نفقات غير مبررة.التوصيةإعادة صياغة المادة بحيث يصبح رئيس البلدية الرئيس الفعلي للإدارة المحلية، مع الحفاظ على الرقابة القانونية للوزارة دون التدخل في التفاصيل التنفيذية.
رابعاً: المادة (10)استحدث المشروع حكماً يحمل المواطنين نسبة (50%) من تكلفة إنشاء الجدران الاستنادية في بعض الحالات.ويثير هذا النص عدة ملاحظات:أولاً، إن الجدران الاستنادية ليست دائماً لمصلحة مالك العقار وحده، وإنما قد تكون جزءاً من البنية التحتية العامة أو من عناصر السلامة المرورية وحماية الطرق والممتلكات.ثانياً، تحميل المواطن نصف التكلفة دون وضع معايير دقيقة قد يفتح الباب لاجتهادات مختلفة بين البلديات.ثالثاً، يتعارض هذا الاتجاه مع التوجه المعلن بتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين.التوصيةإعادة النظر في هذا الحكم، وقصر مساهمة المواطن على الحالات التي يكون فيها إنشاء الجدار لتحقيق منفعة خاصة مباشرة، مع تحمل البلدية التكلفة عندما يكون المشروع لتحقيق المصلحة العامة.
خامساً: المادة (13)الإعفاءات والتسهيلات الممنوحة للبلدياتجاءت المادة (13) لتنظم الإعفاءات والتسهيلات المقررة للبلديات، إلا أنها أغفلت النص صراحة على إعفاء البلديات من الرسوم الجمركية المفروضة على الآليات والمعدات والأجهزة التي تستوردها لتنفيذ مشاريعها.وهذا الإغفال لا ينسجم مع الطبيعة القانونية للبلدية باعتبارها مؤسسة عامة غير هادفة للربح، تعمل لتحقيق المنفعة العامة، فكل مبلغ تتحمله البلدية رسوماً أو ضرائب ينعكس في النهاية على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.كما أن البلديات تعتمد بصورة رئيسية على شراء الآليات الثقيلة ومعدات النظافة والإنارة والآليات الهندسية ، وهي أدوات مخصصة لخدمة المجتمع، وليس لتحقيق أرباح تجارية.لذلك فإن إخضاع هذه المعدات للرسوم الجمركية يؤدي إلى زيادة كلفة المشاريع البلدية، واستنزاف الموارد المالية المحدودة أصلاً.التوصيةإضافة نص صريح يقضي بإعفاء البلديات من الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على الآليات والمعدات والأجهزة والمواد التي تستوردها أو تشتريها لتنفيذ مهامها ومشاريعها العامة.وهذا الإعفاء ليس امتيازاً للبلدية، وإنما هو دعم مباشر للمواطن الذي يتلقى الخدمة.
سادساً: المادة (16)تشكيل اللجان المحليةتشكل اللجان المحلية العمود الفقري للعمل التنظيمي داخل البلديات، لأنها تتولى دراسة طلبات التنظيم والبناء والإفراز وغيرها من المسائل الفنية.إلا أن المشروع أغفل عدداً من الجوانب العملية المهمة التي أثبتت التجربة ضرورتها.أولاًيجب أن يكون مدير المنطقة ومسّاح المنطقة عضوين أصيلين في هذه اللجان.فالواقع العملي يثبت أن هذين الموظفين هما الأكثر معرفة بالواقع الميداني، وهما اللذان يعدان معظم الملفات الفنية ويشرفان على تنفيذ قرارات اللجان، وبالتالي فإن استبعادهما يضعف كفاءة القرار التنظيمي.ثانياًينبغي أن تكون تسمية أعضاء اللجان وأمناء سرها من اختصاص المجلس البلدي، باعتباره الجهة المنتخبة والمسؤولة عن حسن سير العمل داخل البلدية.أما منح هذه الصلاحية لجهات أخرى، فإنه ينتقص من سلطة المجلس على الجهاز الإداري.ثالثاًترسل قرارات اللجان إلى رئيس البلدية والمدير التنفيذي للاطلاع، لكن حق الاعتراض يجب أن يكون لرئيس البلدية وحده، لأنه المسؤول المنتخب أمام المواطنين عن السياسة التنظيمية للبلدية.أما المدير التنفيذي، فدوره يقتصر على التنفيذ والمتابعة، وليس مراجعة القرارات السياسية أو التنظيمية للمجلس.التوصيةإعادة تنظيم المادة بما يعزز الرقابة المؤسسية للمجلس البلدي، ويضمن تمثيل الكفاءات الفنية داخل اللجان.
سابعاً: المادة (17)يعد البند الثالث من هذه المادة من أكثر مواد المشروع حساسية، لأنها تمنح المدير التنفيذي صلاحيات واسعة تمس جوهر السلطة التنفيذية داخل البلدية.البند (٣)منح هذا البند المدير التنفيذي صلاحيات الحاكم الإداري في تحصيل الأموال العامة.وهذا النص يثير إشكالاً مؤسسياً، لأن رئيس البلدية هو الممثل القانوني للبلدية، وهو المسؤول أمام المجلس والمواطنين عن إدارة المال العام.ومن ثم فإن إسناد هذه الصلاحية إلى المدير التنفيذي يضعف مركز رئيس البلدية، ويؤدي إلى ازدواجية في ممارسة السلطة.لذلك فإن منح هذه الصلاحية لرئيس البلدية أكثر انسجاماً مع مبادئ الإدارة المحلية.الفقرة (ب) من البند (٤)أجازت الفقرة اتخاذ إجراءات تنفيذية معينة من قبل الوزير لتنفيذ احكام قضائيةوهذا النص يثير ملاحظتين جوهريتين:ألاولى، أن تنفيذ الأحكام القضائية تنظمه قوانين متخصصة، ولا يجوز منح الإدارة سلطات قد تمس اختصاص السلطة القضائية.والثانية ، أن الوزارة لا تملك سلطة رئاسية على البلديات، لأن البلدية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري، وبالتالي فإن أي نص يكرس هذه السلطة الرئاسية يتعارض مع المادة الثانية من مشروع القانون، ومع المادة (121) من الدستور.التوصيةإعادة صياغة المادة بما يحافظ على مبدأ الفصل بين السلطات، ويعيد الاختصاصات ذات الطبيعة السيادية أو التمثيلية إلى رئيس البلدية.
ثامناً: المادة (18)المدير التنفيذيتعد هذه المادة من أخطر مواد مشروع القانون، لأنها تحدد مركز المدير التنفيذي، الذي يمثل رأس الجهاز الإداري في البلدية.ولا خلاف على أهمية الفصل بين العمل السياسي للمجلس المنتخب والعمل الإداري اليومي، فهذا من المبادئ الحديثة في الإدارة العامة.لكن نجاح هذا النموذج يتوقف على جهة ارتباط المدير التنفيذي.فإذا أصبح المدير التنفيذي مرتبطاً بالوزارة أكثر من ارتباطه بالمجلس البلدي، فإن السلطة التنفيذية الحقيقية ستنتقل من المجلس المنتخب إلى موظف يخضع عملياً للسلطة المركزية.وهذا يؤدي إلى ثلاث نتائج خطيرة:• إضعاف دور المجلس البلدي.• ازدواجية القيادة داخل البلدية.• كثرة النزاعات بين الرئيس المنتخب والمدير التنفيذي.ومن ثم فإن الحل لا يكون بإلغاء منصب المدير التنفيذي، وإنما بضمان أن يكون تعيينه وتقييمه وإنهاء خدماته من اختصاص المجلس البلدي، مع بقاء الوزارة جهة رقابة على استيفاء شروط التعيين وسلامة الإجراءات.وبذلك يتحقق التوازن بين الكفاءة الإدارية والاستقلال المحلي، دون الإخلال بالرقابة الحكومية.
تاسعاً: المادة (22)عوائد المحروقاتتعد هذه المادة من أهم مواد القانون، لأنها تتعلق بالمورد المالي الرئيس للبلديات.وقد أبقى المشروع على النص المتعلق باقتطاع نسبة (50%) من الرسوم والضرائب والبدلات المستوفاة على المشتقات النفطية لصالح البلديات، واضاف لها بدائل اخرى.إلا أن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أثبتت أن المشكلة ليست في النص القانوني، وإنما في التطبيق.فالبلديات لم يكن يصلها في كثير من الأحيان ما يزيد عن ٥٠٪ من مستحقاتها المخصصة بموجب القانون ، كما كانت التحويلات تتأخر لأشهر طويلة، الأمر الذي أثر في قدرتها على تنفيذ مشاريعها وسداد التزاماتها.ومن هنا، فإن أي إصلاح مالي حقيقي لا يقتصر على تحديد النسبة، وإنما يجب أن يتضمن التزاماً قانونياً صريحاً بتحويل هذه الأموال كاملة وفي مواعيد محددة.التوصيةالإبقاء على النص الحالي، مع إضافة حكم يلزم الحكومة بتحويل مستحقات البلديات كاملة وشهرية ، وعدم جواز تأخيرها أو استخدامها لأي غاية أخرى ، وازالة جملة وحسب ما يقرره مجلس الوزراء، لان ورود هذه الجملة سوف يفتح الأبواب للاجتهاد في هذا المادة الهامة.
عاشراً: المادة (24)الموارد المالية وآلية توزيعهاتمثل هذه المادة الإطار العملي لتوزيع الموارد المالية بين البلديات، ولذلك فإنها تحتاج إلى مزيد من الضبط التشريعي.البند الأولينبغي إلزام الحكومة بتحويل الرسوم التي تستوفيها لحساب البلديات بصورة شهرية، لأن تأخير هذه التحويلات يؤدي إلى تعطيل المشاريع وتأخير دفع مستحقات المقاولين، وهو ما شهدته البلديات في فترات متعددة.البند الثانيأدخل المشروع معايير مثل «التميز في أداء المهام» و«جوائز البلديات» ضمن أسس توزيع الموارد.ورغم أهمية تشجيع التميز، فإن هذه المعايير تتسم بقدر كبير من التقدير الشخصي، وقد تفتح الباب أمام التفاوت في توزيع الموارد أو المحاباة، بينما الأصل أن تقوم معايير التوزيع على أسس موضوعية، مثل عدد السكان، والمساحة، ومستوى التنمية، وحجم الأعباء الخدمية، والبعد عن العاصمة.البند الثالثينبغي أن يحدد القانون بصورة واضحة النسب المخصصة لوزارة الإدارة المحلية ولمجالس الخدمات المشتركة، حتى لا يتم استهلاك جزء كبير من موارد البلديات في النفقات الإدارية للوزارة على حساب الخدمات والتنمية.
الحادي عشر: المادة (28)التحالف بين البلدياتأجاز المشروع إنشاء تحالفات بين البلديات بهدف تنفيذ مشاريع مشتركة وتعزيز التعاون فيما بينها، وهي فكرة متقدمة من الناحية النظرية، إذ تمكن البلديات من توحيد مواردها وتنفيذ مشاريع إقليمية يصعب على كل بلدية إنجازها منفردة.إلا أن التجربة العملية تدعو إلى التوقف عند هذه المادة؛ فقد تضمن قانون الإدارة المحلية منذ عام 2014 نصاً مماثلاً يجيز إقامة هذه التحالفات، ومع ذلك لم يصدر النظام التنفيذي اللازم، ولم يتم تفعيل هذا الخيار، كما رفضت الوزارة في مناسبات متعددة طلبات لإنشاء تحالفات بلدية.وعليه، فإن إعادة النص ذاته دون معالجة أسباب عدم تطبيقه تجعل المادة أقرب إلى إعلان نوايا منها إلى حكم قانوني قابل للتنفيذ.التوصيةينبغي أن يتضمن القانون حكماً يلزم مجلس الوزراء بإصدار النظام التنفيذي خلال مدة محددة لا تتجاوز ستة أشهر من نفاذ القانون، مع اعتبار طلب التحالف مقبولاً حكماً إذا لم يصدر قرار مسبب خلال مدة زمنية محددة.
الثاني عشر: المواد (28) إلى(35)الحوكمة والتنمية الحضرية واللجان والشراكةتتضمن هذه المواد مصطلحات حديثة، مثل:* الحوكمة.* التنمية الحضرية.* التخطيط الحضري.* الاستدامة.* الشراكة مع القطاع الخاص.* لجان الأحياء.* الوحدات الرقابية المشتركة.ولا خلاف على أهمية هذه المفاهيم، فهي أصبحت جزءاً من التشريعات الحديثة في الإدارة المحلية.غير أن نجاحها لا يتحقق بمجرد إدراجها في القانون، وإنما بتوفير البيئة المؤسسية والإدارية والمالية اللازمة لتطبيقها.وقد أثبتت التجربة العملية أن كثيراً من هذه العناوين ورد في قوانين سابقة، لكنها بقيت حبراً على ورق، بسبب تعقيد الإجراءات، وضعف الإرادة التنفيذية، واستمرار المركزية الإدارية.ومن ثم، فإن الخشية تكمن في أن تتحول هذه المواد إلى نصوص إنشائية تضفي مظهراً حداثياً على القانون، دون أن تحدث أثراً عملياً في واقع الإدارة المحلية.التوصيةينبغي أن يقرن كل مبدأ من هذه المبادئ بخطة تنفيذية، ومؤشرات أداء، والتزام زمني، حتى تصبح هذه النصوص قابلة للتطبيق والقياس، لا مجرد شعارات تشريعية.
الثالث عشر: المادة (36)حل المجالس البلديةتعد هذه المادة من أخطر مواد المشروع، لأنها تتعلق بحق المواطنين في استمرار المجالس التي اختاروها بإرادتهم الحرة.إن الأصل في النظام الديمقراطي أن الولاية الشعبية لا تنتهي إلا بانتهاء مدتها، أو بحكم قضائي، أو في حالات استثنائية يحددها الدستور أو القانون على سبيل الحصر.إلا أن التجربة الأردنية خلال العقود الأخيرة أظهرت توسعاً ملحوظاً في استخدام سلطة حل المجالس البلدية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الاستقرار المؤسسي، وتقليص ثقة المواطنين بالانتخابات، وترسيخ الاعتقاد بأن بقاء المجلس مرهون بإرادة السلطة التنفيذية أكثر من ارتباطه بإرادة الناخبين.ومن ثم، فإن الإبقاء على سلطة الحل الإداري بالصورة الواردة في المشروع يتعارض مع فلسفة اللامركزية، ويجعل المجالس المنتخبة في حالة عدم استقرار دائم.التوصيةإعادة صياغة المادة بحيث يصبح حل المجالس البلدية محصوراً في حالتين فقط:1. صدور حكم قضائي قطعي يقضي بحل المجلس.2. ارتكاب المجلس أفعالاً تمس النظام الدستوري أو الوحدة الوطنية، وفق إجراءات قضائية تكفل حق الدفاع.أما في غير ذلك، فيجب احترام الإرادة الشعبية حتى نهاية مدة المجلس.
المواد (37–43)مجالس المحافظاتتشكل المواد (37–43) من مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 نقطة الارتكاز في تنظيم مجالس المحافظات، وهي المواد التي كان يفترض أن تعالج أوجه القصور التي رافقت تجربة اللامركزية منذ إنشائها عام 2017، وأن تنقل هذه المجالس من مرحلة التجربة إلى مرحلة المؤسسة الدستورية الفاعلة. إلا أن قراءة هذه المواد تكشف أن المشروع لم ينجح في تحقيق هذا الهدف، بل أعاد إنتاج الإشكاليات ذاتها التي أضعفت التجربة خلال السنوات الماضية.إن الفكرة التي قامت عليها مجالس المحافظات كانت تمثل أحد أهم مشاريع الإصلاح الإداري في الأردن، لأنها استهدفت نقل جزء من القرار التنموي من الحكومة المركزية إلى المحافظات، وتمكين المواطنين من المشاركة في تحديد أولوياتهم التنموية من خلال ممثلين منتخبين. غير أن التطبيق العملي، ثم مشروع القانون الجديد، أبقيا هذه المجالس ضمن دائرة النفوذ المركزي، دون أن تمتلك أدوات الإدارة الحقيقية، وقد تبين من خلال التجربة السابقة ما يلي:أولاً: غياب الشخصية المؤسسية الحقيقيةرغم استمرار المشروع في تنظيم مجالس المحافظات، إلا أنه لم يمنحها المقومات الأساسية لأي مؤسسة عامة مستقلة، فلا تزال تعتمد مالياً وإدارياً على الحكومة المركزية، ولا تمتلك موازنة مستقلة تدور فيها الأرصدة السنوية، ولا جهازاً إدارياً يخضع لإشرافها المباشر.وبذلك بقيت المجالس أقرب إلى لجان استشارية منها إلى هيئات حكم محلي، في حين أن فلسفة اللامركزية تقوم على وجود وحدات محلية تمتلك أدوات اتخاذ القرار والتنفيذ مع خضوعها للرقابة القانونية فقط.ثانياً: استمرار المركزية الإداريةالمشروع أبقى معظم السلطات التنفيذية والرقابية بيد وزارة الإدارة المحلية، الأمر الذي جعل مجلس المحافظة يفتقر إلى أي ولاية فعلية على المؤسسات المحلية داخل المحافظة.فالمجلس يناقش الخطط، ويقترح الأولويات، ويقر بعض البرامج، لكنه لا يملك سلطة الإشراف المباشر على الجهات التي تنفذ هذه الخطط، وهو ما يؤدي عملياً إلى انفصال القرار عن التنفيذ، ويحول دون مساءلة الجهة المنفذة أمام ممثلي المواطنين.إن الإدارة الرشيدة تقتضي أن تكون الجهة التي تقر الخطط التنموية هي ذاتها التي تتابع تنفيذها وتقيم أداء الجهات المنفذة.ثالثاً: غياب التكامل بين البلديات ومجالس المحافظاتأحد أبرز أوجه القصور في المشروع أنه أبقى البلديات ومجالس المحافظات يعملان في مسارين منفصلين.فالبلديات مسؤولة عن الخدمات المحلية، بينما يتولى مجلس المحافظة مناقشة المشاريع التنموية، دون وجود هيكل مؤسسي يربط الطرفين بصورة تضمن وحدة القرار التنموي داخل المحافظة.وكان الأولى بالمشروع أن يجعل مجلس المحافظة المظلة التنسيقية العليا لجميع البلديات الواقعة ضمن المحافظة، بحيث تصبح المشاريع المشتركة، والتخطيط الإقليمي، وتوزيع الموارد، من اختصاص المجلس، بدلاً من استمرار التداخل والازدواجية بين المؤسسات المختلفة.رابعاً: استمرار هيمنة الوزارة على الشأن المحلياللامركزية لا تتحقق بمجرد انتخاب أعضاء مجلس المحافظة، وإنما تتحقق عندما تنتقل صلاحيات الإدارة المحلية من الوزارة إلى المجالس المنتخبة.إلا أن المشروع حافظ على فلسفة الوصاية الإدارية التي تسيطر فيها الوزارة على معظم مفاصل الإدارة المحلية، الأمر الذي يجعل مجالس المحافظات تابعة للوزارة أكثر من كونها ممثلة للإرادة الشعبية.وهذا يتعارض مع جوهر المادة (121) من الدستور، التي تقوم على إدارة الشؤون المحلية بواسطة مجالس محلية، وليس بواسطة الوزارة.خامساً: ضرورة نقل الاختصاصات إلى مجلس المحافظةإن نجاح تجربة اللامركزية يتطلب إعادة توزيع الصلاحيات بصورة واضحة، بحيث تصبح مجالس المحافظات صاحبة الاختصاص في الإشراف على العمل البلدي داخل المحافظة، ومتابعة تنفيذ المشاريع التنموية، وتقييم أداء المؤسسات المحلية، بينما يقتصر دور الوزارة على وضع السياسات العامة والرقابة القانونية والفنية.كما أن استمرار تبعية مديريات الوزارة في المحافظات للوزارة المركزية يفرغ وجود مجلس المحافظة من مضمونه، لأن الجهاز التنفيذي يبقى مرتبطاً بالسلطة المركزية وليس بالمجلس المنتخب.سادساً: إصلاح مجالس الخدمات المشتركةمن أهم الإصلاحات التي ينبغي أن يتضمنها القانون نقل الإشراف على مجالس الخدمات المشتركة من وزارة الإدارة المحلية إلى مجالس المحافظات.فمجالس الخدمات المشتركة تعمل داخل نطاق المحافظة، وتقدم خدمات مشتركة لجميع البلديات، ومن الطبيعي أن تكون خاضعة للمجلس المنتخب الذي يمثل جميع مناطق المحافظة، لا للوزارة.كما أن هذا النقل يحد من التوسع في التعيينات المركزية، ويعيد هذه المجالس إلى دورها الأصلي بوصفها أداة للتعاون بين البلديات، وليس أداة للإدارة المركزية.سابعاً: انتخاب رئيس مجلس المحافظة مباشرةإن انتخاب رئيس المجلس من بين الأعضاء يضعف الاستقرار الإداري ويجعل الرئاسة رهينة للتحالفات الداخلية.أما الانتخاب المباشر من المواطنين فيمنح الرئيس شرعية شعبية مستقلة، ويعزز مساءلته أمام الناخبين، ويمنحه القدرة على قيادة العمل التنموي طوال مدة المجلس.وقد أخذت بهذا الأسلوب تجارب عديدة في الإدارة المحلية المقارنة، لما يحققه من استقرار ووضوح في المسؤولية السياسية.ثامناً: التمويل والاستقلال الماليلا يمكن لأي مجلس منتخب أن ينجح دون موارد مالية مستقلة.لذلك ينبغي منح مجالس المحافظات موازنات مستقلة، والسماح بترحيل الفوائض المالية بين السنوات، وعدم إعادة أرصدتها إلى الخزينة العامة في نهاية السنة المالية.كما يقترح تخصيص نسبة من أرباح الشركات الكبرى التي تستثمر الموارد الطبيعية داخل المحافظة لصالح مجلس المحافظة، باعتبار أن التنمية المحلية ينبغي أن تستفيد مباشرة من الموارد الموجودة ضمن حدودهاالمادة (48)مجالس الخدمات المشتركةتمثل المادة (48) إحدى أهم مواد مشروع قانون الإدارة المحلية، لأنها تنظم مجالس الخدمات المشتركة، وهي المؤسسات التي أنشئت أصلاً لتقديم الخدمات التي تعجز البلديات منفردة عن تنفيذها، مثل إدارة النفايات، والمسالخ، ومشاغل الآليات الثقيلة، والمشاريع المشتركة بين البلديات. ومن ثم فإن حسن تنظيم هذه المجالس ينعكس مباشرة على كفاءة الإدارة المحلية في المملكة.إلا أن مشروع القانون، شأنه شأن التشريعات التي سبقته منذ عام 1994، لم يعالج الخلل البنيوي الذي أصاب هذه المجالس، بل أبقى على فلسفة المركزية الإدارية، وأتاح استمرار تدخل وزارة الإدارة المحلية في تشكيلها وإدارتها، الأمر الذي أفقدها وظيفتها الأصلية بوصفها إطاراً للتعاون بين البلديات، ولا بد من الإشارة إلى ما يلي :أولاً: الانحراف عن الغاية التي أنشئت من أجلها المجالسأنشئت مجالس الخدمات المشتركة بموجب نظام رقم (23) لسنة 1980، وكانت تتكون من رؤساء البلديات في المحافظة برئاسة رئيس بلدية مركز المحافظة، وكانت تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون الطوعي بين البلديات، إذ كان أصحاب القرار فيها هم أنفسهم المستفيدين من خدماتها.وقد أثبتت تلك التجربة كفاءة واضحة، نظراً لارتباط القرار بمصالح البلديات الفعلية، وانخفاض النفقات الإدارية، وعدم وجود تضخم وظيفي داخل هذه المجالس.لكن هذا النموذج تغير جذرياً بعد تعديل التشريعات عام 1994، حين انتقلت سلطة تعيين رئيس المجلس إلى الوزير، وأصبحت المجالس أكثر ارتباطاً بالإدارة المركزية من ارتباطها بالبلديات، وهو ما انعكس سلباً على استقلالها وكفاءتها.ثانياً: مجالس الخدمات تحولت إلى أداة للتوظيف لا للتنميةأخطر ما شهدته هذه المجالس خلال العقود الثلاثة الماضية هو تحولها إلى وسيلة للتوسع في التعيينات الحكومية، بعيداً عن الحاجة الفعلية للعمل.وقد ترتب على ذلك تضخم كبير في أعداد الموظفين، حتى تجاوز عدد المعينين فيها ستة آلاف موظف منذ عام 1994، الأمر الذي حمل البلديات أعباء مالية ضخمة، وأضعف قدرة هذه المجالس على أداء رسالتها الأساسية في تقديم الخدمات المشتركة.ومن ثم فإن المشكلة ليست في وجود مجالس الخدمات المشتركة، وإنما في طريقة إدارتها، وفي ابتعادها عن فلسفة الإدارة المحلية التي تقوم على إدارة الشأن المحلي من قبل ممثلي المجتمع المحلي.ثالثاً: مخالفة فلسفة اللامركزيةيقوم مشروع القانون على التوسع في دور الوزارة داخل هذه المجالس، سواء في تشكيلها أو في تعيين رؤسائها، وهو ما يتعارض مع مفهوم اللامركزية الذي يقوم على نقل السلطة من المركز إلى الوحدات المحلية.فلا يعقل أن تكون المجالس التي تقدم خدمات للبلديات خاضعة لإدارة السلطة المركزية، بينما البلديات نفسها هي صاحبة المصلحة المباشرة في تلك الخدمات.كما أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى ازدواجية في المسؤولية؛ فالبلديات تتحمل نتائج الخدمات أمام المواطنين، بينما القرار الفعلي يبقى بيد جهة أخرى.رابعاً: مخالفة مفهوم الشأن المحليإن الخدمات التي تقدمها هذه المجالس تدخل بصورة مباشرة ضمن مفهوم "الشأن المحلي” الذي أشارت إليه المادة (121) من الدستور، وبالتالي فإن الأصل أن تكون إدارتها بيد المجالس المحلية المنتخبة، لا بيد السلطة التنفيذية المركزية.وعليه فإن استمرار تبعية هذه المجالس للوزارة يمثل توسعاً في الوصاية الإدارية لا تبرره مقتضيات الرقابة أو الإشراف.خامساً: العلاقة مع مجالس المحافظاتإذا كان المشروع قد خصص المواد (37–43) لتنظيم مجالس المحافظات، فمن المنطقي أن يجعل مجالس الخدمات المشتركة جزءاً من منظومة الإدارة المحلية داخل المحافظة.ولذلك فإن الأنسب تشريعياً وإدارياً أن تخضع مجالس الخدمات المشتركة لإشراف مجلس المحافظة، باعتباره الجهة المنتخبة التي تمثل جميع بلديات المحافظة، وبذلك يتحقق التكامل بين التخطيط التنموي وتنفيذ الخدمات المشتركة.سادساً: الصياغة المقترحةيُقترح إعادة تنظيم المادة (48) بما يحقق المبادئ الآتية:* أن يتكون مجلس الخدمات المشتركة من رؤساء البلديات المعنية فقط.* أن يكون رئيس المجلس رئيس بلدية مركز المحافظة، أو أن ينتخبه أعضاء المجلس من بينهم، دون أي تدخل من الوزير.* إلغاء صلاحية الوزير في تعيين رئيس المجلس أو أي من أعضائه.* نقل الإشراف الإداري على مجالس الخدمات المشتركة إلى مجلس المحافظة، مع بقاء رقابة الوزارة في حدود الرقابة القانونية والمالية والفنية.* منع استخدام هذه المجالس كوسيلة للتوسع في التعيينات، وربط أي تعيين باحتياجات الخدمة الفعلية.
المواد (49–62)الانتخابات والعضوية وشروط الترشح وإنهاء العضويةتعد المواد (49–62) من مشروع قانون الإدارة المحلية من أهم مواد القانون، لأنها تنظم العملية الديمقراطية ذاتها، وتحدد من يحق له الوصول إلى المجالس المحلية ومجالس المحافظات، وكيفية انتخابهم واستمرار عضويتهم وإنهائها. ولذلك فإن نجاح أو فشل الإدارة المحلية يبدأ من هذه المواد قبل أن يبدأ من أي صلاحيات أو هياكل إدارية أخرى.وعند قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يستفد بصورة كافية من التجربة الأردنية خلال العقود الماضية، بل أبقى على عدد من الإشكاليات التي كانت سبباً مباشراً في تراجع الأداء البلدي والمحلي وضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة.أولاً: استمرار نظام الانتخاب الذي أضعف التمثيل الشعبي المحليمنذ تأسيس البلديات الأردنية وحتى مطلع الألفية الجديدة كانت الانتخابات تعتمد بصورة أو بأخرى على نظام القوائم، وهو نظام ساهم في وصول شخصيات ذات حضور اجتماعي وسياسي وثقافي واسع، وكان يشجع العمل الجماعي وتقديم البرامج الانتخابية.أما التحول إلى الأنظمة الفردية والصيغ المشتقة من الصوت الواحد فقد أدى إلى نتائج سلبية عديدة، أبرزها:* تعزيز العصبية العشائرية والجهوية.* تراجع البرامج الانتخابية أمام الاعتبارات الشخصية.* ضعف العمل المؤسسي داخل المجالس.* زيادة الانقسامات داخل المجالس المنتخبة.* تراجع مشاركة النخب السياسية والفكرية في الانتخابات.ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي للإدارة المحلية يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار لنظام القوائم الانتخابية بوصفه النظام الأكثر قدرة على إنتاج مجالس متجانسة وقادرة على العمل الجماعي.ثانياً: اشتراط المؤهل العلمي للمرشحينتتضمن المواد الخاصة بالترشح بعض الشروط المتعلقة بالمؤهل العلمي لبعض المواقع.وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل الشهادة الجامعية معيار للكفاءة التمثيلية؟إن التجربة السياسية والإدارية الأردنية والعالمية تثبت أن القيادة والتمثيل الشعبي لا يرتبطان بالضرورة بالشهادات الأكاديمية، بل بالقدرة على تمثيل المواطنين وفهم احتياجاتهم واتخاذ القرار.فالعضوية في المجالس المحلية ليست وظيفة فنية أو تخصصية، وإنما وظيفة تمثيلية ورقابية وسياسية بالدرجة الأولى.ولهذا فإن ربط بعض المناصب التمثيلية بالمؤهل الأكاديمي قد يؤدي إلى حرمان المجتمع من شخصيات قيادية مؤثرة تمتلك خبرة عملية واسعة وإن لم تحمل شهادة جامعية.ثالثاً: تأجيل الانتخاباتمن المبادئ الأساسية في الأنظمة الديمقراطية أن تكون الانتخابات دورية ومنتظمة ومحددة المواعيد.وأظهرت التجربة الأردنية خلال العقود الماضية أن تأجيل الانتخابات أو حل المجالس بصورة متكررة أدى إلى إضعاف ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية.لذلك ينبغي أن ينص القانون بصورة واضحة على أن تأجيل الانتخابات لا يكون إلا في حالات استثنائية قاهرة تمس سلامة الدولة أو الأمن الوطني أو الكوارث العامة، وأن يكون ذلك بقرار قانوني مسبب ومحدد المدة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحيات التأجيل فإنه يضعف الاستقرار المؤسسي ويجعل المجالس المنتخبة عرضة للاعتبارات السياسية المتغيرة.رابعاً: إشكالية بقاء الموظف العام في وظيفته بعد فوزهمن أكثر النصوص إثارة للجدل في هذه المواد السماح للموظف العام الذي يفوز في الانتخابات بالبقاء على رأس عمله الوظيفي أثناء عضويته في المجلس المنتخب.وهذا النص يثير عدة إشكالات جوهرية:1- تعارض المصالحالموظف العام يخضع إدارياً لرئيسه في الوظيفة، بينما يفترض أن يكون مستقلاً في ممارسته لمهامه التمثيلية داخل المجلس.وبالتالي فإن بقاءه في وظيفته يجعله عرضة للتأثير الوظيفي عند اتخاذ القرارات داخل المجلس.2- المساس باستقلال المجالسقد يؤدي وجود عدد من الموظفين العموميين داخل المجالس إلى نقل تأثير السلطة التنفيذية إلى المؤسسات المنتخبة بصورة غير مباشرة، وهو ما يتعارض مع فلسفة اللامركزية.3- الإخلال بمبدأ الحياد الوظيفيالأصل في الموظف العام أن يبقى محايداً سياسياً وإدارياً أثناء أداء وظيفته، أما الجمع بين الوظيفة العامة والعضوية المنتخبة فقد يضعه في موقع يصعب معه المحافظة على هذا الحياد.4- تعزيز جاذبية الوظيفة العامةفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تخفيف الاعتماد الاجتماعي على الوظيفة الحكومية، فإن منح الموظف العام هذا الامتياز يضيف ميزة جديدة للوظيفة العامة على حساب بقية المواطنين.خامساً: صلاحية الوزير بعزل رؤساء البلديات والأعضاءتعد هذه النقطة من أخطر ما ورد في هذه المواد.فمنح الوزير صلاحية عزل رئيس البلدية أو أعضاء المجلس من خلال لجنة مشكلة من موظفي الوزارة يمثل توسعاً كبيراً في سلطة الإدارة المركزية على المجالس المنتخبة.وتكمن الخطورة في أن هذه الصلاحية:* تمس الإرادة الشعبية التي أوصلت المجلس إلى موقعه.* تضعف استقلال المجالس المحلية.* تمنح الوزارة سلطة شبه قضائية دون وجود الضمانات القضائية اللازمة.* قد تتحول إلى وسيلة ضغط على المجالس المنتخبة عند الاختلاف مع الوزارة.وفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة فإن إنهاء عضوية المنتخبين أو عزلهم يكون غالباً بقرار قضائي أو من خلال إجراءات قانونية مستقلة توفر ضمانات العدالة والحياد.ولذلك فإن منح الوزير هذه السلطة يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.سادساً: غياب الضمانات الكافية لحماية الإرادة الشعبيةرغم أن المشروع ينظم الانتخابات والعضوية بصورة تفصيلية، إلا أنه لا يقدم ضمانات كافية لحماية المجالس المنتخبة من التدخلات الإدارية اللاحقة.فالمجالس لا تكتسب قيمتها من عملية الانتخاب فقط، بل من قدرتها على ممارسة صلاحياتها بحرية طوال مدة ولايتها القانونية.ولهذا فإن أي نصوص تسمح بالحل أو العزل أو التعطيل بقرارات إدارية واسعة تفرغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي.لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لهذه المواد يقتضي:* اعتماد نظام القوائم الانتخابية.* عدم اشتراط الشهادة الجامعية للمواقع التمثيلية.* تحصين الانتخابات من التأجيل إلا في الظروف الاستثنائية.* إلزام الموظف العام الفائز بالتفرغ أو الاستقالة من وظيفته.* قصر عزل رؤساء البلديات والأعضاء على القضاء أو هيئة قضائية مستقلة.* تعزيز استقلال المجالس المنتخبة بوصفها تجسيداً للإرادة الشعبية المحلية.وبذلك تصبح الانتخابات المحلية وسيلة لإنتاج قيادات مجتمعية حقيقية قادرة على قيادة التنمية المحلية، لا مجرد عملية إجرائية تبقى نتائجها خاضعة لهيمنة الإدارة المركزية
المواد (63–65)حل المجالس، وتشكيل اللجان، والرقابة والتفتيشتختتم المواد (63–65) مشروع قانون الإدارة المحلية، إلا أنها تعد من أخطر مواده من الناحية الدستورية والإدارية، لأنها تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في حل المجالس المنتخبة، وتشكيل اللجان البديلة، وتوسيع نطاق الرقابة والتفتيش على البلديات، بما يعيد تكريس المركزية الإدارية التي كان يفترض أن يعالجها القانون.ومن خلال قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يكتف بالإبقاء على الوصاية الإدارية التقليدية، بل اتجه إلى تعزيزها، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.أولاً: العودة إلى سياسة اللجان المعينةشهدت البلديات الأردنية خلال السنوات الماضية ظاهرة أصبحت تكاد تكون قاعدة لا استثناء، وهي حل المجالس البلدية المنتخبة وتعيين لجان مؤقتة لإدارة البلديات لفترات طويلة.وقد أثبتت التجربة العملية أن استمرار اللجان المعينة لم يؤد إلى تحسين الأداء البلدي، بل تزامن مع المرحلة التي شهدت أكبر تراجع في الإدارة المحلية، سواء من حيث الاستثمار أو الخدمات أو الاستقلال الإداري.ومع ذلك، فإن المشروع ما يزال يمنح الحكومة القدرة على إعادة إنتاج هذه الحالة من خلال النصوص المتعلقة بحل المجالس وتشكيل اللجان، دون وضع قيود صارمة تكفل حماية الإرادة الشعبية.وهذا النهج يتعارض مع جوهر النظام الديمقراطي، لأن الأصل هو استمرار المجلس المنتخب حتى انتهاء مدته القانونية، ولا يجوز استبداله بلجنة معينة إلا في أضيق الحدود.ثانياً: تعيين اللجان يفتح باب المحاباة والترضياتمن أخطر النتائج العملية لهذه المواد أنها تفتح المجال أمام تعيين أعضاء اللجان وفق اعتبارات لا ترتبط دائماً بالكفاءة أو التمثيل الحقيقي للمجتمع المحلي.وقد أظهرت التجربة الأردنية أن بعض اللجان المعينة كانت محل انتقاد واسع بسبب غياب المعايير الموضوعية في اختيار أعضائها، الأمر الذي أوجد انطباعاً عاماً بأن هذه اللجان قد تتحول إلى وسيلة للمحاباة أو الترضيات الإدارية والسياسية، بدلاً من أن تكون استثناءً تفرضه الضرورة.ولهذا فإن بقاء هذه السلطة دون ضوابط دقيقة يضعف ثقة المواطنين بالإدارة المحلية وبالعملية الديمقراطية نفسها.ثالثاً: مخالفة فلسفة المادة (121) من الدستورتنص المادة (121) من الدستور على أن الشؤون البلدية والمحلية تدار بواسطة مجالس بلدية أو محلية وفق قوانين خاصة.ومقتضى هذا النص أن الإدارة الأصلية للشأن المحلي تكون بيد المجالس المنتخبة، أما اللجان المعينة فهي استثناء يجب أن يفسر في أضيق نطاق، وأن يخضع لضمانات قانونية وقضائية واضحة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحية حل المجالس وتعيين البديل عنها، فإنه يؤدي عملياً إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يفرغ النص الدستوري من مضمونه.رابعاً: التوسع في الرقابة والتفتيشتعزز هذه المواد سلطات الرقابة والتفتيش على البلديات، بل وتضيف مفاهيم جديدة مثل "الضبط الصحيح” في ممارسة الرقابة.ولا خلاف على أهمية الرقابة المالية والإدارية، فهي ضمانة لحسن إدارة المال العام ومكافحة الفساد، إلا أن الرقابة يجب أن تكون وسيلة لتصويب الأداء، لا أداة لإدارة البلديات من قبل السلطة المركزية.فالرقابة في الفكر الإداري الحديث تختلف عن الوصاية؛ إذ تقتصر الأولى على التحقق من مشروعية القرارات وسلامة الإجراءات، بينما تسمح الثانية للإدارة المركزية بالتدخل في إدارة الشأن المحلي، وهو ما يتعارض مع اللامركزية.خامساً: غياب الرقابة القضائيةمن الملاحظ أن المشروع يمنح الإدارة صلاحيات واسعة في مواجهة المجالس المنتخبة، دون أن يقرنها بضمانات قضائية كافية.وفي الأنظمة الديمقراطية، فإن إنهاء ولاية المجالس أو إبطال قراراتها الجوهرية أو فرض إجراءات استثنائية عليها يخضع غالباً لرقابة القضاء، حمايةً للإرادة الشعبية ومنعاً للتعسف في استعمال السلطة.ومن ثم، فإن منح الإدارة صلاحيات واسعة دون رقابة قضائية فعالة يخل بالتوازن بين مقتضيات الرقابة وحماية الديمقراطية المحلية.سادساً: البديل التشريعي المقترحولتحقيق التوازن بين الرقابة والاستقلال، يقترح ما يلي:* حصر حل المجالس البلدية ومجالس المحافظات بقرار قضائي نهائي، أو في حالات استثنائية تمس الوحدة الوطنية أو الأمن العام، ينظمها القانون على سبيل الحصر.* عدم تشكيل أي لجنة لإدارة المجالس إلا لمدة محددة لا تتجاوز الحد الأدنى اللازم لإجراء انتخابات جديدة.* النص على معايير موضوعية وشفافة لاختيار أعضاء اللجان المؤقتة، إذا اقتضت الضرورة تشكيلها.* قصر دور وزارة الإدارة المحلية على الرقابة القانونية والمالية والفنية، دون التدخل في إدارة الشأن المحلي أو الحلول محل المجالس المنتخبة.* إخضاع جميع قرارات الحل والتعيين والتفتيش للطعن أمام القضاء الإداري، ضماناً لمبدأ المشروعية.
الثالث عشر: المادة (36)حل المجالس البلديةتعد هذه المادة من أخطر مواد المشروع، لأنها تتعلق بحق المواطنين في استمرار المجالس التي اختاروها بإرادتهم الحرة.إن الأصل في النظام الديمقراطي أن الولاية الشعبية لا تنتهي إلا بانتهاء مدتها، أو بحكم قضائي، أو في حالات استثنائية يحددها الدستور أو القانون على سبيل الحصر.إلا أن التجربة الأردنية خلال العقود الأخيرة أظهرت توسعاً ملحوظاً في استخدام سلطة حل المجالس البلدية، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الاستقرار المؤسسي، وتقليص ثقة المواطنين بالانتخابات، وترسيخ الاعتقاد بأن بقاء المجلس مرهون بإرادة السلطة التنفيذية أكثر من ارتباطه بإرادة الناخبين.ومن ثم، فإن الإبقاء على سلطة الحل الإداري بالصورة الواردة في المشروع يتعارض مع فلسفة اللامركزية، ويجعل المجالس المنتخبة في حالة عدم استقرار دائم.التوصيةإعادة صياغة المادة بحيث يصبح حل المجالس البلدية محصوراً في حالتين فقط:1. صدور حكم قضائي قطعي يقضي بحل المجلس.2. ارتكاب المجلس أفعالاً تمس النظام الدستوري أو الوحدة الوطنية، وفق إجراءات قضائية تكفل حق الدفاع.أما في غير ذلك، فيجب احترام الإرادة الشعبية حتى نهاية مدة المجلس.
المواد (37–43)مجالس المحافظاتتشكل المواد (37–43) من مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 نقطة الارتكاز في تنظيم مجالس المحافظات، وهي المواد التي كان يفترض أن تعالج أوجه القصور التي رافقت تجربة اللامركزية منذ إنشائها عام 2017، وأن تنقل هذه المجالس من مرحلة التجربة إلى مرحلة المؤسسة الدستورية الفاعلة. إلا أن قراءة هذه المواد تكشف أن المشروع لم ينجح في تحقيق هذا الهدف، بل أعاد إنتاج الإشكاليات ذاتها التي أضعفت التجربة خلال السنوات الماضية.إن الفكرة التي قامت عليها مجالس المحافظات كانت تمثل أحد أهم مشاريع الإصلاح الإداري في الأردن، لأنها استهدفت نقل جزء من القرار التنموي من الحكومة المركزية إلى المحافظات، وتمكين المواطنين من المشاركة في تحديد أولوياتهم التنموية من خلال ممثلين منتخبين. غير أن التطبيق العملي، ثم مشروع القانون الجديد، أبقيا هذه المجالس ضمن دائرة النفوذ المركزي، دون أن تمتلك أدوات الإدارة الحقيقية، وقد تبين من خلال التجربة السابقة ما يلي:أولاً: غياب الشخصية المؤسسية الحقيقيةرغم استمرار المشروع في تنظيم مجالس المحافظات، إلا أنه لم يمنحها المقومات الأساسية لأي مؤسسة عامة مستقلة، فلا تزال تعتمد مالياً وإدارياً على الحكومة المركزية، ولا تمتلك موازنة مستقلة تدور فيها الأرصدة السنوية، ولا جهازاً إدارياً يخضع لإشرافها المباشر.وبذلك بقيت المجالس أقرب إلى لجان استشارية منها إلى هيئات حكم محلي، في حين أن فلسفة اللامركزية تقوم على وجود وحدات محلية تمتلك أدوات اتخاذ القرار والتنفيذ مع خضوعها للرقابة القانونية فقط.ثانياً: استمرار المركزية الإداريةالمشروع أبقى معظم السلطات التنفيذية والرقابية بيد وزارة الإدارة المحلية، الأمر الذي جعل مجلس المحافظة يفتقر إلى أي ولاية فعلية على المؤسسات المحلية داخل المحافظة.فالمجلس يناقش الخطط، ويقترح الأولويات، ويقر بعض البرامج، لكنه لا يملك سلطة الإشراف المباشر على الجهات التي تنفذ هذه الخطط، وهو ما يؤدي عملياً إلى انفصال القرار عن التنفيذ، ويحول دون مساءلة الجهة المنفذة أمام ممثلي المواطنين.إن الإدارة الرشيدة تقتضي أن تكون الجهة التي تقر الخطط التنموية هي ذاتها التي تتابع تنفيذها وتقيم أداء الجهات المنفذة.ثالثاً: غياب التكامل بين البلديات ومجالس المحافظاتأحد أبرز أوجه القصور في المشروع أنه أبقى البلديات ومجالس المحافظات يعملان في مسارين منفصلين.فالبلديات مسؤولة عن الخدمات المحلية، بينما يتولى مجلس المحافظة مناقشة المشاريع التنموية، دون وجود هيكل مؤسسي يربط الطرفين بصورة تضمن وحدة القرار التنموي داخل المحافظة.وكان الأولى بالمشروع أن يجعل مجلس المحافظة المظلة التنسيقية العليا لجميع البلديات الواقعة ضمن المحافظة، بحيث تصبح المشاريع المشتركة، والتخطيط الإقليمي، وتوزيع الموارد، من اختصاص المجلس، بدلاً من استمرار التداخل والازدواجية بين المؤسسات المختلفة.رابعاً: استمرار هيمنة الوزارة على الشأن المحلياللامركزية لا تتحقق بمجرد انتخاب أعضاء مجلس المحافظة، وإنما تتحقق عندما تنتقل صلاحيات الإدارة المحلية من الوزارة إلى المجالس المنتخبة.إلا أن المشروع حافظ على فلسفة الوصاية الإدارية التي تسيطر فيها الوزارة على معظم مفاصل الإدارة المحلية، الأمر الذي يجعل مجالس المحافظات تابعة للوزارة أكثر من كونها ممثلة للإرادة الشعبية.وهذا يتعارض مع جوهر المادة (121) من الدستور، التي تقوم على إدارة الشؤون المحلية بواسطة مجالس محلية، وليس بواسطة الوزارة.خامساً: ضرورة نقل الاختصاصات إلى مجلس المحافظةإن نجاح تجربة اللامركزية يتطلب إعادة توزيع الصلاحيات بصورة واضحة، بحيث تصبح مجالس المحافظات صاحبة الاختصاص في الإشراف على العمل البلدي داخل المحافظة، ومتابعة تنفيذ المشاريع التنموية، وتقييم أداء المؤسسات المحلية، بينما يقتصر دور الوزارة على وضع السياسات العامة والرقابة القانونية والفنية.كما أن استمرار تبعية مديريات الوزارة في المحافظات للوزارة المركزية يفرغ وجود مجلس المحافظة من مضمونه، لأن الجهاز التنفيذي يبقى مرتبطاً بالسلطة المركزية وليس بالمجلس المنتخب.سادساً: إصلاح مجالس الخدمات المشتركةمن أهم الإصلاحات التي ينبغي أن يتضمنها القانون نقل الإشراف على مجالس الخدمات المشتركة من وزارة الإدارة المحلية إلى مجالس المحافظات.فمجالس الخدمات المشتركة تعمل داخل نطاق المحافظة، وتقدم خدمات مشتركة لجميع البلديات، ومن الطبيعي أن تكون خاضعة للمجلس المنتخب الذي يمثل جميع مناطق المحافظة، لا للوزارة.كما أن هذا النقل يحد من التوسع في التعيينات المركزية، ويعيد هذه المجالس إلى دورها الأصلي بوصفها أداة للتعاون بين البلديات، وليس أداة للإدارة المركزية.سابعاً: انتخاب رئيس مجلس المحافظة مباشرةإن انتخاب رئيس المجلس من بين الأعضاء يضعف الاستقرار الإداري ويجعل الرئاسة رهينة للتحالفات الداخلية.أما الانتخاب المباشر من المواطنين فيمنح الرئيس شرعية شعبية مستقلة، ويعزز مساءلته أمام الناخبين، ويمنحه القدرة على قيادة العمل التنموي طوال مدة المجلس.وقد أخذت بهذا الأسلوب تجارب عديدة في الإدارة المحلية المقارنة، لما يحققه من استقرار ووضوح في المسؤولية السياسية.ثامناً: التمويل والاستقلال الماليلا يمكن لأي مجلس منتخب أن ينجح دون موارد مالية مستقلة.لذلك ينبغي منح مجالس المحافظات موازنات مستقلة، والسماح بترحيل الفوائض المالية بين السنوات، وعدم إعادة أرصدتها إلى الخزينة العامة في نهاية السنة المالية.كما يقترح تخصيص نسبة من أرباح الشركات الكبرى التي تستثمر الموارد الطبيعية داخل المحافظة لصالح مجلس المحافظة، باعتبار أن التنمية المحلية ينبغي أن تستفيد مباشرة من الموارد الموجودة ضمن حدودهاالمادة (48)مجالس الخدمات المشتركةتمثل المادة (48) إحدى أهم مواد مشروع قانون الإدارة المحلية، لأنها تنظم مجالس الخدمات المشتركة، وهي المؤسسات التي أنشئت أصلاً لتقديم الخدمات التي تعجز البلديات منفردة عن تنفيذها، مثل إدارة النفايات، والمسالخ، ومشاغل الآليات الثقيلة، والمشاريع المشتركة بين البلديات. ومن ثم فإن حسن تنظيم هذه المجالس ينعكس مباشرة على كفاءة الإدارة المحلية في المملكة.إلا أن مشروع القانون، شأنه شأن التشريعات التي سبقته منذ عام 1994، لم يعالج الخلل البنيوي الذي أصاب هذه المجالس، بل أبقى على فلسفة المركزية الإدارية، وأتاح استمرار تدخل وزارة الإدارة المحلية في تشكيلها وإدارتها، الأمر الذي أفقدها وظيفتها الأصلية بوصفها إطاراً للتعاون بين البلديات، ولا بد من الإشارة إلى ما يلي :أولاً: الانحراف عن الغاية التي أنشئت من أجلها المجالسأنشئت مجالس الخدمات المشتركة بموجب نظام رقم (23) لسنة 1980، وكانت تتكون من رؤساء البلديات في المحافظة برئاسة رئيس بلدية مركز المحافظة، وكانت تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون الطوعي بين البلديات، إذ كان أصحاب القرار فيها هم أنفسهم المستفيدين من خدماتها.وقد أثبتت تلك التجربة كفاءة واضحة، نظراً لارتباط القرار بمصالح البلديات الفعلية، وانخفاض النفقات الإدارية، وعدم وجود تضخم وظيفي داخل هذه المجالس.لكن هذا النموذج تغير جذرياً بعد تعديل التشريعات عام 1994، حين انتقلت سلطة تعيين رئيس المجلس إلى الوزير، وأصبحت المجالس أكثر ارتباطاً بالإدارة المركزية من ارتباطها بالبلديات، وهو ما انعكس سلباً على استقلالها وكفاءتها.ثانياً: مجالس الخدمات تحولت إلى أداة للتوظيف لا للتنميةأخطر ما شهدته هذه المجالس خلال العقود الثلاثة الماضية هو تحولها إلى وسيلة للتوسع في التعيينات الحكومية، بعيداً عن الحاجة الفعلية للعمل.وقد ترتب على ذلك تضخم كبير في أعداد الموظفين، حتى تجاوز عدد المعينين فيها ستة آلاف موظف منذ عام 1994، الأمر الذي حمل البلديات أعباء مالية ضخمة، وأضعف قدرة هذه المجالس على أداء رسالتها الأساسية في تقديم الخدمات المشتركة.ومن ثم فإن المشكلة ليست في وجود مجالس الخدمات المشتركة، وإنما في طريقة إدارتها، وفي ابتعادها عن فلسفة الإدارة المحلية التي تقوم على إدارة الشأن المحلي من قبل ممثلي المجتمع المحلي.ثالثاً: مخالفة فلسفة اللامركزيةيقوم مشروع القانون على التوسع في دور الوزارة داخل هذه المجالس، سواء في تشكيلها أو في تعيين رؤسائها، وهو ما يتعارض مع مفهوم اللامركزية الذي يقوم على نقل السلطة من المركز إلى الوحدات المحلية.فلا يعقل أن تكون المجالس التي تقدم خدمات للبلديات خاضعة لإدارة السلطة المركزية، بينما البلديات نفسها هي صاحبة المصلحة المباشرة في تلك الخدمات.كما أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى ازدواجية في المسؤولية؛ فالبلديات تتحمل نتائج الخدمات أمام المواطنين، بينما القرار الفعلي يبقى بيد جهة أخرى.رابعاً: مخالفة مفهوم الشأن المحليإن الخدمات التي تقدمها هذه المجالس تدخل بصورة مباشرة ضمن مفهوم "الشأن المحلي” الذي أشارت إليه المادة (121) من الدستور، وبالتالي فإن الأصل أن تكون إدارتها بيد المجالس المحلية المنتخبة، لا بيد السلطة التنفيذية المركزية.وعليه فإن استمرار تبعية هذه المجالس للوزارة يمثل توسعاً في الوصاية الإدارية لا تبرره مقتضيات الرقابة أو الإشراف.خامساً: العلاقة مع مجالس المحافظاتإذا كان المشروع قد خصص المواد (37–43) لتنظيم مجالس المحافظات، فمن المنطقي أن يجعل مجالس الخدمات المشتركة جزءاً من منظومة الإدارة المحلية داخل المحافظة.ولذلك فإن الأنسب تشريعياً وإدارياً أن تخضع مجالس الخدمات المشتركة لإشراف مجلس المحافظة، باعتباره الجهة المنتخبة التي تمثل جميع بلديات المحافظة، وبذلك يتحقق التكامل بين التخطيط التنموي وتنفيذ الخدمات المشتركة.سادساً: الصياغة المقترحةيُقترح إعادة تنظيم المادة (48) بما يحقق المبادئ الآتية:* أن يتكون مجلس الخدمات المشتركة من رؤساء البلديات المعنية فقط.* أن يكون رئيس المجلس رئيس بلدية مركز المحافظة، أو أن ينتخبه أعضاء المجلس من بينهم، دون أي تدخل من الوزير.* إلغاء صلاحية الوزير في تعيين رئيس المجلس أو أي من أعضائه.* نقل الإشراف الإداري على مجالس الخدمات المشتركة إلى مجلس المحافظة، مع بقاء رقابة الوزارة في حدود الرقابة القانونية والمالية والفنية.* منع استخدام هذه المجالس كوسيلة للتوسع في التعيينات، وربط أي تعيين باحتياجات الخدمة الفعلية.
المواد (49–62)الانتخابات والعضوية وشروط الترشح وإنهاء العضويةتعد المواد (49–62) من مشروع قانون الإدارة المحلية من أهم مواد القانون، لأنها تنظم العملية الديمقراطية ذاتها، وتحدد من يحق له الوصول إلى المجالس المحلية ومجالس المحافظات، وكيفية انتخابهم واستمرار عضويتهم وإنهائها. ولذلك فإن نجاح أو فشل الإدارة المحلية يبدأ من هذه المواد قبل أن يبدأ من أي صلاحيات أو هياكل إدارية أخرى.وعند قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يستفد بصورة كافية من التجربة الأردنية خلال العقود الماضية، بل أبقى على عدد من الإشكاليات التي كانت سبباً مباشراً في تراجع الأداء البلدي والمحلي وضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة.أولاً: استمرار نظام الانتخاب الذي أضعف التمثيل الشعبي المحليمنذ تأسيس البلديات الأردنية وحتى مطلع الألفية الجديدة كانت الانتخابات تعتمد بصورة أو بأخرى على نظام القوائم، وهو نظام ساهم في وصول شخصيات ذات حضور اجتماعي وسياسي وثقافي واسع، وكان يشجع العمل الجماعي وتقديم البرامج الانتخابية.أما التحول إلى الأنظمة الفردية والصيغ المشتقة من الصوت الواحد فقد أدى إلى نتائج سلبية عديدة، أبرزها:* تعزيز العصبية العشائرية والجهوية.* تراجع البرامج الانتخابية أمام الاعتبارات الشخصية.* ضعف العمل المؤسسي داخل المجالس.* زيادة الانقسامات داخل المجالس المنتخبة.* تراجع مشاركة النخب السياسية والفكرية في الانتخابات.ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي للإدارة المحلية يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار لنظام القوائم الانتخابية بوصفه النظام الأكثر قدرة على إنتاج مجالس متجانسة وقادرة على العمل الجماعي.ثانياً: اشتراط المؤهل العلمي للمرشحينتتضمن المواد الخاصة بالترشح بعض الشروط المتعلقة بالمؤهل العلمي لبعض المواقع.وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل الشهادة الجامعية معيار للكفاءة التمثيلية؟إن التجربة السياسية والإدارية الأردنية والعالمية تثبت أن القيادة والتمثيل الشعبي لا يرتبطان بالضرورة بالشهادات الأكاديمية، بل بالقدرة على تمثيل المواطنين وفهم احتياجاتهم واتخاذ القرار.فالعضوية في المجالس المحلية ليست وظيفة فنية أو تخصصية، وإنما وظيفة تمثيلية ورقابية وسياسية بالدرجة الأولى.ولهذا فإن ربط بعض المناصب التمثيلية بالمؤهل الأكاديمي قد يؤدي إلى حرمان المجتمع من شخصيات قيادية مؤثرة تمتلك خبرة عملية واسعة وإن لم تحمل شهادة جامعية.ثالثاً: تأجيل الانتخاباتمن المبادئ الأساسية في الأنظمة الديمقراطية أن تكون الانتخابات دورية ومنتظمة ومحددة المواعيد.وأظهرت التجربة الأردنية خلال العقود الماضية أن تأجيل الانتخابات أو حل المجالس بصورة متكررة أدى إلى إضعاف ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية.لذلك ينبغي أن ينص القانون بصورة واضحة على أن تأجيل الانتخابات لا يكون إلا في حالات استثنائية قاهرة تمس سلامة الدولة أو الأمن الوطني أو الكوارث العامة، وأن يكون ذلك بقرار قانوني مسبب ومحدد المدة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحيات التأجيل فإنه يضعف الاستقرار المؤسسي ويجعل المجالس المنتخبة عرضة للاعتبارات السياسية المتغيرة.رابعاً: إشكالية بقاء الموظف العام في وظيفته بعد فوزهمن أكثر النصوص إثارة للجدل في هذه المواد السماح للموظف العام الذي يفوز في الانتخابات بالبقاء على رأس عمله الوظيفي أثناء عضويته في المجلس المنتخب.وهذا النص يثير عدة إشكالات جوهرية:1- تعارض المصالحالموظف العام يخضع إدارياً لرئيسه في الوظيفة، بينما يفترض أن يكون مستقلاً في ممارسته لمهامه التمثيلية داخل المجلس.وبالتالي فإن بقاءه في وظيفته يجعله عرضة للتأثير الوظيفي عند اتخاذ القرارات داخل المجلس.2- المساس باستقلال المجالسقد يؤدي وجود عدد من الموظفين العموميين داخل المجالس إلى نقل تأثير السلطة التنفيذية إلى المؤسسات المنتخبة بصورة غير مباشرة، وهو ما يتعارض مع فلسفة اللامركزية.3- الإخلال بمبدأ الحياد الوظيفيالأصل في الموظف العام أن يبقى محايداً سياسياً وإدارياً أثناء أداء وظيفته، أما الجمع بين الوظيفة العامة والعضوية المنتخبة فقد يضعه في موقع يصعب معه المحافظة على هذا الحياد.4- تعزيز جاذبية الوظيفة العامةفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تخفيف الاعتماد الاجتماعي على الوظيفة الحكومية، فإن منح الموظف العام هذا الامتياز يضيف ميزة جديدة للوظيفة العامة على حساب بقية المواطنين.خامساً: صلاحية الوزير بعزل رؤساء البلديات والأعضاءتعد هذه النقطة من أخطر ما ورد في هذه المواد.فمنح الوزير صلاحية عزل رئيس البلدية أو أعضاء المجلس من خلال لجنة مشكلة من موظفي الوزارة يمثل توسعاً كبيراً في سلطة الإدارة المركزية على المجالس المنتخبة.وتكمن الخطورة في أن هذه الصلاحية:* تمس الإرادة الشعبية التي أوصلت المجلس إلى موقعه.* تضعف استقلال المجالس المحلية.* تمنح الوزارة سلطة شبه قضائية دون وجود الضمانات القضائية اللازمة.* قد تتحول إلى وسيلة ضغط على المجالس المنتخبة عند الاختلاف مع الوزارة.وفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة فإن إنهاء عضوية المنتخبين أو عزلهم يكون غالباً بقرار قضائي أو من خلال إجراءات قانونية مستقلة توفر ضمانات العدالة والحياد.ولذلك فإن منح الوزير هذه السلطة يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.سادساً: غياب الضمانات الكافية لحماية الإرادة الشعبيةرغم أن المشروع ينظم الانتخابات والعضوية بصورة تفصيلية، إلا أنه لا يقدم ضمانات كافية لحماية المجالس المنتخبة من التدخلات الإدارية اللاحقة.فالمجالس لا تكتسب قيمتها من عملية الانتخاب فقط، بل من قدرتها على ممارسة صلاحياتها بحرية طوال مدة ولايتها القانونية.ولهذا فإن أي نصوص تسمح بالحل أو العزل أو التعطيل بقرارات إدارية واسعة تفرغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي.لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لهذه المواد يقتضي:* اعتماد نظام القوائم الانتخابية.* عدم اشتراط الشهادة الجامعية للمواقع التمثيلية.* تحصين الانتخابات من التأجيل إلا في الظروف الاستثنائية.* إلزام الموظف العام الفائز بالتفرغ أو الاستقالة من وظيفته.* قصر عزل رؤساء البلديات والأعضاء على القضاء أو هيئة قضائية مستقلة.* تعزيز استقلال المجالس المنتخبة بوصفها تجسيداً للإرادة الشعبية المحلية.وبذلك تصبح الانتخابات المحلية وسيلة لإنتاج قيادات مجتمعية حقيقية قادرة على قيادة التنمية المحلية، لا مجرد عملية إجرائية تبقى نتائجها خاضعة لهيمنة الإدارة المركزية
المواد (63–65)حل المجالس، وتشكيل اللجان، والرقابة والتفتيشتختتم المواد (63–65) مشروع قانون الإدارة المحلية، إلا أنها تعد من أخطر مواده من الناحية الدستورية والإدارية، لأنها تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في حل المجالس المنتخبة، وتشكيل اللجان البديلة، وتوسيع نطاق الرقابة والتفتيش على البلديات، بما يعيد تكريس المركزية الإدارية التي كان يفترض أن يعالجها القانون.ومن خلال قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يكتف بالإبقاء على الوصاية الإدارية التقليدية، بل اتجه إلى تعزيزها، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.أولاً: العودة إلى سياسة اللجان المعينةشهدت البلديات الأردنية خلال السنوات الماضية ظاهرة أصبحت تكاد تكون قاعدة لا استثناء، وهي حل المجالس البلدية المنتخبة وتعيين لجان مؤقتة لإدارة البلديات لفترات طويلة.وقد أثبتت التجربة العملية أن استمرار اللجان المعينة لم يؤد إلى تحسين الأداء البلدي، بل تزامن مع المرحلة التي شهدت أكبر تراجع في الإدارة المحلية، سواء من حيث الاستثمار أو الخدمات أو الاستقلال الإداري.ومع ذلك، فإن المشروع ما يزال يمنح الحكومة القدرة على إعادة إنتاج هذه الحالة من خلال النصوص المتعلقة بحل المجالس وتشكيل اللجان، دون وضع قيود صارمة تكفل حماية الإرادة الشعبية.وهذا النهج يتعارض مع جوهر النظام الديمقراطي، لأن الأصل هو استمرار المجلس المنتخب حتى انتهاء مدته القانونية، ولا يجوز استبداله بلجنة معينة إلا في أضيق الحدود.ثانياً: تعيين اللجان يفتح باب المحاباة والترضياتمن أخطر النتائج العملية لهذه المواد أنها تفتح المجال أمام تعيين أعضاء اللجان وفق اعتبارات لا ترتبط دائماً بالكفاءة أو التمثيل الحقيقي للمجتمع المحلي.وقد أظهرت التجربة الأردنية أن بعض اللجان المعينة كانت محل انتقاد واسع بسبب غياب المعايير الموضوعية في اختيار أعضائها، الأمر الذي أوجد انطباعاً عاماً بأن هذه اللجان قد تتحول إلى وسيلة للمحاباة أو الترضيات الإدارية والسياسية، بدلاً من أن تكون استثناءً تفرضه الضرورة.ولهذا فإن بقاء هذه السلطة دون ضوابط دقيقة يضعف ثقة المواطنين بالإدارة المحلية وبالعملية الديمقراطية نفسها.ثالثاً: مخالفة فلسفة المادة (121) من الدستورتنص المادة (121) من الدستور على أن الشؤون البلدية والمحلية تدار بواسطة مجالس بلدية أو محلية وفق قوانين خاصة.ومقتضى هذا النص أن الإدارة الأصلية للشأن المحلي تكون بيد المجالس المنتخبة، أما اللجان المعينة فهي استثناء يجب أن يفسر في أضيق نطاق، وأن يخضع لضمانات قانونية وقضائية واضحة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحية حل المجالس وتعيين البديل عنها، فإنه يؤدي عملياً إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يفرغ النص الدستوري من مضمونه.رابعاً: التوسع في الرقابة والتفتيشتعزز هذه المواد سلطات الرقابة والتفتيش على البلديات، بل وتضيف مفاهيم جديدة مثل "الضبط الصحيح” في ممارسة الرقابة.ولا خلاف على أهمية الرقابة المالية والإدارية، فهي ضمانة لحسن إدارة المال العام ومكافحة الفساد، إلا أن الرقابة يجب أن تكون وسيلة لتصويب الأداء، لا أداة لإدارة البلديات من قبل السلطة المركزية.فالرقابة في الفكر الإداري الحديث تختلف عن الوصاية؛ إذ تقتصر الأولى على التحقق من مشروعية القرارات وسلامة الإجراءات، بينما تسمح الثانية للإدارة المركزية بالتدخل في إدارة الشأن المحلي، وهو ما يتعارض مع اللامركزية.خامساً: غياب الرقابة القضائيةمن الملاحظ أن المشروع يمنح الإدارة صلاحيات واسعة في مواجهة المجالس المنتخبة، دون أن يقرنها بضمانات قضائية كافية.وفي الأنظمة الديمقراطية، فإن إنهاء ولاية المجالس أو إبطال قراراتها الجوهرية أو فرض إجراءات استثنائية عليها يخضع غالباً لرقابة القضاء، حمايةً للإرادة الشعبية ومنعاً للتعسف في استعمال السلطة.ومن ثم، فإن منح الإدارة صلاحيات واسعة دون رقابة قضائية فعالة يخل بالتوازن بين مقتضيات الرقابة وحماية الديمقراطية المحلية.سادساً: البديل التشريعي المقترحولتحقيق التوازن بين الرقابة والاستقلال، يقترح ما يلي:* حصر حل المجالس البلدية ومجالس المحافظات بقرار قضائي نهائي، أو في حالات استثنائية تمس الوحدة الوطنية أو الأمن العام، ينظمها القانون على سبيل الحصر.* عدم تشكيل أي لجنة لإدارة المجالس إلا لمدة محددة لا تتجاوز الحد الأدنى اللازم لإجراء انتخابات جديدة.* النص على معايير موضوعية وشفافة لاختيار أعضاء اللجان المؤقتة، إذا اقتضت الضرورة تشكيلها.* قصر دور وزارة الإدارة المحلية على الرقابة القانونية والمالية والفنية، دون التدخل في إدارة الشأن المحلي أو الحلول محل المجالس المنتخبة.* إخضاع جميع قرارات الحل والتعيين والتفتيش
المادة (48)مجالس الخدمات المشتركةتمثل المادة (48) إحدى أهم مواد مشروع قانون الإدارة المحلية، لأنها تنظم مجالس الخدمات المشتركة، وهي المؤسسات التي أنشئت أصلاً لتقديم الخدمات التي تعجز البلديات منفردة عن تنفيذها، مثل إدارة النفايات، والمسالخ، ومشاغل الآليات الثقيلة، والمشاريع المشتركة بين البلديات. ومن ثم فإن حسن تنظيم هذه المجالس ينعكس مباشرة على كفاءة الإدارة المحلية في المملكة.إلا أن مشروع القانون، شأنه شأن التشريعات التي سبقته منذ عام 1994، لم يعالج الخلل البنيوي الذي أصاب هذه المجالس، بل أبقى على فلسفة المركزية الإدارية، وأتاح استمرار تدخل وزارة الإدارة المحلية في تشكيلها وإدارتها، الأمر الذي أفقدها وظيفتها الأصلية بوصفها إطاراً للتعاون بين البلديات، ولا بد من الإشارة إلى ما يلي :أولاً: الانحراف عن الغاية التي أنشئت من أجلها المجالسأنشئت مجالس الخدمات المشتركة بموجب نظام رقم (23) لسنة 1980، وكانت تتكون من رؤساء البلديات في المحافظة برئاسة رئيس بلدية مركز المحافظة، وكانت تمثل نموذجاً ناجحاً للتعاون الطوعي بين البلديات، إذ كان أصحاب القرار فيها هم أنفسهم المستفيدين من خدماتها.وقد أثبتت تلك التجربة كفاءة واضحة، نظراً لارتباط القرار بمصالح البلديات الفعلية، وانخفاض النفقات الإدارية، وعدم وجود تضخم وظيفي داخل هذه المجالس.لكن هذا النموذج تغير جذرياً بعد تعديل التشريعات عام 1994، حين انتقلت سلطة تعيين رئيس المجلس إلى الوزير، وأصبحت المجالس أكثر ارتباطاً بالإدارة المركزية من ارتباطها بالبلديات، وهو ما انعكس سلباً على استقلالها وكفاءتها.ثانياً: مجالس الخدمات تحولت إلى أداة للتوظيف لا للتنميةأخطر ما شهدته هذه المجالس خلال العقود الثلاثة الماضية هو تحولها إلى وسيلة للتوسع في التعيينات الحكومية، بعيداً عن الحاجة الفعلية للعمل.وقد ترتب على ذلك تضخم كبير في أعداد الموظفين، حتى تجاوز عدد المعينين فيها ستة آلاف موظف منذ عام 1994، الأمر الذي حمل البلديات أعباء مالية ضخمة، وأضعف قدرة هذه المجالس على أداء رسالتها الأساسية في تقديم الخدمات المشتركة.ومن ثم فإن المشكلة ليست في وجود مجالس الخدمات المشتركة، وإنما في طريقة إدارتها، وفي ابتعادها عن فلسفة الإدارة المحلية التي تقوم على إدارة الشأن المحلي من قبل ممثلي المجتمع المحلي.ثالثاً: مخالفة فلسفة اللامركزيةيقوم مشروع القانون على التوسع في دور الوزارة داخل هذه المجالس، سواء في تشكيلها أو في تعيين رؤسائها، وهو ما يتعارض مع مفهوم اللامركزية الذي يقوم على نقل السلطة من المركز إلى الوحدات المحلية.فلا يعقل أن تكون المجالس التي تقدم خدمات للبلديات خاضعة لإدارة السلطة المركزية، بينما البلديات نفسها هي صاحبة المصلحة المباشرة في تلك الخدمات.كما أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى ازدواجية في المسؤولية؛ فالبلديات تتحمل نتائج الخدمات أمام المواطنين، بينما القرار الفعلي يبقى بيد جهة أخرى.رابعاً: مخالفة مفهوم الشأن المحليإن الخدمات التي تقدمها هذه المجالس تدخل بصورة مباشرة ضمن مفهوم "الشأن المحلي” الذي أشارت إليه المادة (121) من الدستور، وبالتالي فإن الأصل أن تكون إدارتها بيد المجالس المحلية المنتخبة، لا بيد السلطة التنفيذية المركزية.وعليه فإن استمرار تبعية هذه المجالس للوزارة يمثل توسعاً في الوصاية الإدارية لا تبرره مقتضيات الرقابة أو الإشراف.خامساً: العلاقة مع مجالس المحافظاتإذا كان المشروع قد خصص المواد (37–43) لتنظيم مجالس المحافظات، فمن المنطقي أن يجعل مجالس الخدمات المشتركة جزءاً من منظومة الإدارة المحلية داخل المحافظة.ولذلك فإن الأنسب تشريعياً وإدارياً أن تخضع مجالس الخدمات المشتركة لإشراف مجلس المحافظة، باعتباره الجهة المنتخبة التي تمثل جميع بلديات المحافظة، وبذلك يتحقق التكامل بين التخطيط التنموي وتنفيذ الخدمات المشتركة.سادساً: الصياغة المقترحةيُقترح إعادة تنظيم المادة (48) بما يحقق المبادئ الآتية:* أن يتكون مجلس الخدمات المشتركة من رؤساء البلديات المعنية فقط.* أن يكون رئيس المجلس رئيس بلدية مركز المحافظة، أو أن ينتخبه أعضاء المجلس من بينهم، دون أي تدخل من الوزير.* إلغاء صلاحية الوزير في تعيين رئيس المجلس أو أي من أعضائه.* نقل الإشراف الإداري على مجالس الخدمات المشتركة إلى مجلس المحافظة، مع بقاء رقابة الوزارة في حدود الرقابة القانونية والمالية والفنية.* منع استخدام هذه المجالس كوسيلة للتوسع في التعيينات، وربط أي تعيين باحتياجات الخدمة الفعلية.
المواد (49–62)الانتخابات والعضوية وشروط الترشح وإنهاء العضويةتعد المواد (49–62) من مشروع قانون الإدارة المحلية من أهم مواد القانون، لأنها تنظم العملية الديمقراطية ذاتها، وتحدد من يحق له الوصول إلى المجالس المحلية ومجالس المحافظات، وكيفية انتخابهم واستمرار عضويتهم وإنهائها. ولذلك فإن نجاح أو فشل الإدارة المحلية يبدأ من هذه المواد قبل أن يبدأ من أي صلاحيات أو هياكل إدارية أخرى.وعند قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يستفد بصورة كافية من التجربة الأردنية خلال العقود الماضية، بل أبقى على عدد من الإشكاليات التي كانت سبباً مباشراً في تراجع الأداء البلدي والمحلي وضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة.أولاً: استمرار نظام الانتخاب الذي أضعف التمثيل الشعبي المحليمنذ تأسيس البلديات الأردنية وحتى مطلع الألفية الجديدة كانت الانتخابات تعتمد بصورة أو بأخرى على نظام القوائم، وهو نظام ساهم في وصول شخصيات ذات حضور اجتماعي وسياسي وثقافي واسع، وكان يشجع العمل الجماعي وتقديم البرامج الانتخابية.أما التحول إلى الأنظمة الفردية والصيغ المشتقة من الصوت الواحد فقد أدى إلى نتائج سلبية عديدة، أبرزها:* تعزيز العصبية العشائرية والجهوية.* تراجع البرامج الانتخابية أمام الاعتبارات الشخصية.* ضعف العمل المؤسسي داخل المجالس.* زيادة الانقسامات داخل المجالس المنتخبة.* تراجع مشاركة النخب السياسية والفكرية في الانتخابات.ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي للإدارة المحلية يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار لنظام القوائم الانتخابية بوصفه النظام الأكثر قدرة على إنتاج مجالس متجانسة وقادرة على العمل الجماعي.ثانياً: اشتراط المؤهل العلمي للمرشحينتتضمن المواد الخاصة بالترشح بعض الشروط المتعلقة بالمؤهل العلمي لبعض المواقع.وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل الشهادة الجامعية معيار للكفاءة التمثيلية؟إن التجربة السياسية والإدارية الأردنية والعالمية تثبت أن القيادة والتمثيل الشعبي لا يرتبطان بالضرورة بالشهادات الأكاديمية، بل بالقدرة على تمثيل المواطنين وفهم احتياجاتهم واتخاذ القرار.فالعضوية في المجالس المحلية ليست وظيفة فنية أو تخصصية، وإنما وظيفة تمثيلية ورقابية وسياسية بالدرجة الأولى.ولهذا فإن ربط بعض المناصب التمثيلية بالمؤهل الأكاديمي قد يؤدي إلى حرمان المجتمع من شخصيات قيادية مؤثرة تمتلك خبرة عملية واسعة وإن لم تحمل شهادة جامعية.ثالثاً: تأجيل الانتخاباتمن المبادئ الأساسية في الأنظمة الديمقراطية أن تكون الانتخابات دورية ومنتظمة ومحددة المواعيد.وأظهرت التجربة الأردنية خلال العقود الماضية أن تأجيل الانتخابات أو حل المجالس بصورة متكررة أدى إلى إضعاف ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية.لذلك ينبغي أن ينص القانون بصورة واضحة على أن تأجيل الانتخابات لا يكون إلا في حالات استثنائية قاهرة تمس سلامة الدولة أو الأمن الوطني أو الكوارث العامة، وأن يكون ذلك بقرار قانوني مسبب ومحدد المدة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحيات التأجيل فإنه يضعف الاستقرار المؤسسي ويجعل المجالس المنتخبة عرضة للاعتبارات السياسية المتغيرة.رابعاً: إشكالية بقاء الموظف العام في وظيفته بعد فوزهمن أكثر النصوص إثارة للجدل في هذه المواد السماح للموظف العام الذي يفوز في الانتخابات بالبقاء على رأس عمله الوظيفي أثناء عضويته في المجلس المنتخب.وهذا النص يثير عدة إشكالات جوهرية:1- تعارض المصالحالموظف العام يخضع إدارياً لرئيسه في الوظيفة، بينما يفترض أن يكون مستقلاً في ممارسته لمهامه التمثيلية داخل المجلس.وبالتالي فإن بقاءه في وظيفته يجعله عرضة للتأثير الوظيفي عند اتخاذ القرارات داخل المجلس.2- المساس باستقلال المجالسقد يؤدي وجود عدد من الموظفين العموميين داخل المجالس إلى نقل تأثير السلطة التنفيذية إلى المؤسسات المنتخبة بصورة غير مباشرة، وهو ما يتعارض مع فلسفة اللامركزية.3- الإخلال بمبدأ الحياد الوظيفيالأصل في الموظف العام أن يبقى محايداً سياسياً وإدارياً أثناء أداء وظيفته، أما الجمع بين الوظيفة العامة والعضوية المنتخبة فقد يضعه في موقع يصعب معه المحافظة على هذا الحياد.4- تعزيز جاذبية الوظيفة العامةفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تخفيف الاعتماد الاجتماعي على الوظيفة الحكومية، فإن منح الموظف العام هذا الامتياز يضيف ميزة جديدة للوظيفة العامة على حساب بقية المواطنين.خامساً: صلاحية الوزير بعزل رؤساء البلديات والأعضاءتعد هذه النقطة من أخطر ما ورد في هذه المواد.فمنح الوزير صلاحية عزل رئيس البلدية أو أعضاء المجلس من خلال لجنة مشكلة من موظفي الوزارة يمثل توسعاً كبيراً في سلطة الإدارة المركزية على المجالس المنتخبة.وتكمن الخطورة في أن هذه الصلاحية:* تمس الإرادة الشعبية التي أوصلت المجلس إلى موقعه.* تضعف استقلال المجالس المحلية.* تمنح الوزارة سلطة شبه قضائية دون وجود الضمانات القضائية اللازمة.* قد تتحول إلى وسيلة ضغط على المجالس المنتخبة عند الاختلاف مع الوزارة.وفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة فإن إنهاء عضوية المنتخبين أو عزلهم يكون غالباً بقرار قضائي أو من خلال إجراءات قانونية مستقلة توفر ضمانات العدالة والحياد.ولذلك فإن منح الوزير هذه السلطة يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.سادساً: غياب الضمانات الكافية لحماية الإرادة الشعبيةرغم أن المشروع ينظم الانتخابات والعضوية بصورة تفصيلية، إلا أنه لا يقدم ضمانات كافية لحماية المجالس المنتخبة من التدخلات الإدارية اللاحقة.فالمجالس لا تكتسب قيمتها من عملية الانتخاب فقط، بل من قدرتها على ممارسة صلاحياتها بحرية طوال مدة ولايتها القانونية.ولهذا فإن أي نصوص تسمح بالحل أو العزل أو التعطيل بقرارات إدارية واسعة تفرغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي.لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لهذه المواد يقتضي:* اعتماد نظام القوائم الانتخابية.* عدم اشتراط الشهادة الجامعية للمواقع التمثيلية.* تحصين الانتخابات من التأجيل إلا في الظروف الاستثنائية.* إلزام الموظف العام الفائز بالتفرغ أو الاستقالة من وظيفته.* قصر عزل رؤساء البلديات والأعضاء على القضاء أو هيئة قضائية مستقلة.* تعزيز استقلال المجالس المنتخبة بوصفها تجسيداً للإرادة الشعبية المحلية.وبذلك تصبح الانتخابات المحلية وسيلة لإنتاج قيادات مجتمعية حقيقية قادرة على قيادة التنمية المحلية، لا مجرد عملية إجرائية تبقى نتائجها خاضعة لهيمنة الإدارة المركزية
المواد (63–65)حل المجالس، وتشكيل اللجان، والرقابة والتفتيشتختتم المواد (63–65) مشروع قانون الإدارة المحلية، إلا أنها تعد من أخطر مواده من الناحية الدستورية والإدارية، لأنها تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في حل المجالس المنتخبة، وتشكيل اللجان البديلة، وتوسيع نطاق الرقابة والتفتيش على البلديات، بما يعيد تكريس المركزية الإدارية التي كان يفترض أن يعالجها القانون.ومن خلال قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يكتف بالإبقاء على الوصاية الإدارية التقليدية، بل اتجه إلى تعزيزها، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.أولاً: العودة إلى سياسة اللجان المعينةشهدت البلديات الأردنية خلال السنوات الماضية ظاهرة أصبحت تكاد تكون قاعدة لا استثناء، وهي حل المجالس البلدية المنتخبة وتعيين لجان مؤقتة لإدارة البلديات لفترات طويلة.وقد أثبتت التجربة العملية أن استمرار اللجان المعينة لم يؤد إلى تحسين الأداء البلدي، بل تزامن مع المرحلة التي شهدت أكبر تراجع في الإدارة المحلية، سواء من حيث الاستثمار أو الخدمات أو الاستقلال الإداري.ومع ذلك، فإن المشروع ما يزال يمنح الحكومة القدرة على إعادة إنتاج هذه الحالة من خلال النصوص المتعلقة بحل المجالس وتشكيل اللجان، دون وضع قيود صارمة تكفل حماية الإرادة الشعبية.وهذا النهج يتعارض مع جوهر النظام الديمقراطي، لأن الأصل هو استمرار المجلس المنتخب حتى انتهاء مدته القانونية، ولا يجوز استبداله بلجنة معينة إلا في أضيق الحدود.ثانياً: تعيين اللجان يفتح باب المحاباة والترضياتمن أخطر النتائج العملية لهذه المواد أنها تفتح المجال أمام تعيين أعضاء اللجان وفق اعتبارات لا ترتبط دائماً بالكفاءة أو التمثيل الحقيقي للمجتمع المحلي.وقد أظهرت التجربة الأردنية أن بعض اللجان المعينة كانت محل انتقاد واسع بسبب غياب المعايير الموضوعية في اختيار أعضائها، الأمر الذي أوجد انطباعاً عاماً بأن هذه اللجان قد تتحول إلى وسيلة للمحاباة أو الترضيات الإدارية والسياسية، بدلاً من أن تكون استثناءً تفرضه الضرورة.ولهذا فإن بقاء هذه السلطة دون ضوابط دقيقة يضعف ثقة المواطنين بالإدارة المحلية وبالعملية الديمقراطية نفسها.ثالثاً: مخالفة فلسفة المادة (121) من الدستورتنص المادة (121) من الدستور على أن الشؤون البلدية والمحلية تدار بواسطة مجالس بلدية أو محلية وفق قوانين خاصة.ومقتضى هذا النص أن الإدارة الأصلية للشأن المحلي تكون بيد المجالس المنتخبة، أما اللجان المعينة فهي استثناء يجب أن يفسر في أضيق نطاق، وأن يخضع لضمانات قانونية وقضائية واضحة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحية حل المجالس وتعيين البديل عنها، فإنه يؤدي عملياً إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يفرغ النص الدستوري من مضمونه.رابعاً: التوسع في الرقابة والتفتيشتعزز هذه المواد سلطات الرقابة والتفتيش على البلديات، بل وتضيف مفاهيم جديدة مثل "الضبط الصحيح” في ممارسة الرقابة.ولا خلاف على أهمية الرقابة المالية والإدارية، فهي ضمانة لحسن إدارة المال العام ومكافحة الفساد، إلا أن الرقابة يجب أن تكون وسيلة لتصويب الأداء، لا أداة لإدارة البلديات من قبل السلطة المركزية.فالرقابة في الفكر الإداري الحديث تختلف عن الوصاية؛ إذ تقتصر الأولى على التحقق من مشروعية القرارات وسلامة الإجراءات، بينما تسمح الثانية للإدارة المركزية بالتدخل في إدارة الشأن المحلي، وهو ما يتعارض مع اللامركزية.خامساً: غياب الرقابة القضائيةمن الملاحظ أن المشروع يمنح الإدارة صلاحيات واسعة في مواجهة المجالس المنتخبة، دون أن يقرنها بضمانات قضائية كافية.وفي الأنظمة الديمقراطية، فإن إنهاء ولاية المجالس أو إبطال قراراتها الجوهرية أو فرض إجراءات استثنائية عليها يخضع غالباً لرقابة القضاء، حمايةً للإرادة الشعبية ومنعاً للتعسف في استعمال السلطة.ومن ثم، فإن منح الإدارة صلاحيات واسعة دون رقابة قضائية فعالة يخل بالتوازن بين مقتضيات الرقابة وحماية الديمقراطية المحلية.سادساً: البديل التشريعي المقترحولتحقيق التوازن بين الرقابة والاستقلال، يقترح ما يلي:* حصر حل المجالس البلدية ومجالس المحافظات بقرار قضائي نهائي، أو في حالات استثنائية تمس الوحدة الوطنية أو الأمن العام، ينظمها القانون على سبيل الحصر.* عدم تشكيل أي لجنة لإدارة المجالس إلا لمدة محددة لا تتجاوز الحد الأدنى اللازم لإجراء انتخابات جديدة.* النص على معايير موضوعية وشفافة لاختيار أعضاء اللجان المؤقتة، إذا اقتضت الضرورة تشكيلها.* قصر دور وزارة الإدارة المحلية على الرقابة القانونية والمالية والفنية، دون التدخل في إدارة الشأن المحلي أو الحلول محل المجالس المنتخبة.
المواد (49–62)الانتخابات والعضوية وشروط الترشح وإنهاء العضويةتعد المواد (49–62) من مشروع قانون الإدارة المحلية من أهم مواد القانون، لأنها تنظم العملية الديمقراطية ذاتها، وتحدد من يحق له الوصول إلى المجالس المحلية ومجالس المحافظات، وكيفية انتخابهم واستمرار عضويتهم وإنهائها. ولذلك فإن نجاح أو فشل الإدارة المحلية يبدأ من هذه المواد قبل أن يبدأ من أي صلاحيات أو هياكل إدارية أخرى.وعند قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يستفد بصورة كافية من التجربة الأردنية خلال العقود الماضية، بل أبقى على عدد من الإشكاليات التي كانت سبباً مباشراً في تراجع الأداء البلدي والمحلي وضعف ثقة المواطنين بالمؤسسات المنتخبة.أولاً: استمرار نظام الانتخاب الذي أضعف التمثيل الشعبي المحليمنذ تأسيس البلديات الأردنية وحتى مطلع الألفية الجديدة كانت الانتخابات تعتمد بصورة أو بأخرى على نظام القوائم، وهو نظام ساهم في وصول شخصيات ذات حضور اجتماعي وسياسي وثقافي واسع، وكان يشجع العمل الجماعي وتقديم البرامج الانتخابية.أما التحول إلى الأنظمة الفردية والصيغ المشتقة من الصوت الواحد فقد أدى إلى نتائج سلبية عديدة، أبرزها:* تعزيز العصبية العشائرية والجهوية.* تراجع البرامج الانتخابية أمام الاعتبارات الشخصية.* ضعف العمل المؤسسي داخل المجالس.* زيادة الانقسامات داخل المجالس المنتخبة.* تراجع مشاركة النخب السياسية والفكرية في الانتخابات.ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي للإدارة المحلية يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار لنظام القوائم الانتخابية بوصفه النظام الأكثر قدرة على إنتاج مجالس متجانسة وقادرة على العمل الجماعي.ثانياً: اشتراط المؤهل العلمي للمرشحينتتضمن المواد الخاصة بالترشح بعض الشروط المتعلقة بالمؤهل العلمي لبعض المواقع.وهنا يبرز تساؤل جوهري: هل الشهادة الجامعية معيار للكفاءة التمثيلية؟إن التجربة السياسية والإدارية الأردنية والعالمية تثبت أن القيادة والتمثيل الشعبي لا يرتبطان بالضرورة بالشهادات الأكاديمية، بل بالقدرة على تمثيل المواطنين وفهم احتياجاتهم واتخاذ القرار.فالعضوية في المجالس المحلية ليست وظيفة فنية أو تخصصية، وإنما وظيفة تمثيلية ورقابية وسياسية بالدرجة الأولى.ولهذا فإن ربط بعض المناصب التمثيلية بالمؤهل الأكاديمي قد يؤدي إلى حرمان المجتمع من شخصيات قيادية مؤثرة تمتلك خبرة عملية واسعة وإن لم تحمل شهادة جامعية.ثالثاً: تأجيل الانتخاباتمن المبادئ الأساسية في الأنظمة الديمقراطية أن تكون الانتخابات دورية ومنتظمة ومحددة المواعيد.وأظهرت التجربة الأردنية خلال العقود الماضية أن تأجيل الانتخابات أو حل المجالس بصورة متكررة أدى إلى إضعاف ثقة المواطنين بالعملية الديمقراطية.لذلك ينبغي أن ينص القانون بصورة واضحة على أن تأجيل الانتخابات لا يكون إلا في حالات استثنائية قاهرة تمس سلامة الدولة أو الأمن الوطني أو الكوارث العامة، وأن يكون ذلك بقرار قانوني مسبب ومحدد المدة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحيات التأجيل فإنه يضعف الاستقرار المؤسسي ويجعل المجالس المنتخبة عرضة للاعتبارات السياسية المتغيرة.رابعاً: إشكالية بقاء الموظف العام في وظيفته بعد فوزهمن أكثر النصوص إثارة للجدل في هذه المواد السماح للموظف العام الذي يفوز في الانتخابات بالبقاء على رأس عمله الوظيفي أثناء عضويته في المجلس المنتخب.وهذا النص يثير عدة إشكالات جوهرية:1- تعارض المصالحالموظف العام يخضع إدارياً لرئيسه في الوظيفة، بينما يفترض أن يكون مستقلاً في ممارسته لمهامه التمثيلية داخل المجلس.وبالتالي فإن بقاءه في وظيفته يجعله عرضة للتأثير الوظيفي عند اتخاذ القرارات داخل المجلس.2- المساس باستقلال المجالسقد يؤدي وجود عدد من الموظفين العموميين داخل المجالس إلى نقل تأثير السلطة التنفيذية إلى المؤسسات المنتخبة بصورة غير مباشرة، وهو ما يتعارض مع فلسفة اللامركزية.3- الإخلال بمبدأ الحياد الوظيفيالأصل في الموظف العام أن يبقى محايداً سياسياً وإدارياً أثناء أداء وظيفته، أما الجمع بين الوظيفة العامة والعضوية المنتخبة فقد يضعه في موقع يصعب معه المحافظة على هذا الحياد.4- تعزيز جاذبية الوظيفة العامةفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تخفيف الاعتماد الاجتماعي على الوظيفة الحكومية، فإن منح الموظف العام هذا الامتياز يضيف ميزة جديدة للوظيفة العامة على حساب بقية المواطنين.خامساً: صلاحية الوزير بعزل رؤساء البلديات والأعضاءتعد هذه النقطة من أخطر ما ورد في هذه المواد.فمنح الوزير صلاحية عزل رئيس البلدية أو أعضاء المجلس من خلال لجنة مشكلة من موظفي الوزارة يمثل توسعاً كبيراً في سلطة الإدارة المركزية على المجالس المنتخبة.وتكمن الخطورة في أن هذه الصلاحية:* تمس الإرادة الشعبية التي أوصلت المجلس إلى موقعه.* تضعف استقلال المجالس المحلية.* تمنح الوزارة سلطة شبه قضائية دون وجود الضمانات القضائية اللازمة.* قد تتحول إلى وسيلة ضغط على المجالس المنتخبة عند الاختلاف مع الوزارة.وفي الأنظمة الديمقراطية الحديثة فإن إنهاء عضوية المنتخبين أو عزلهم يكون غالباً بقرار قضائي أو من خلال إجراءات قانونية مستقلة توفر ضمانات العدالة والحياد.ولذلك فإن منح الوزير هذه السلطة يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.سادساً: غياب الضمانات الكافية لحماية الإرادة الشعبيةرغم أن المشروع ينظم الانتخابات والعضوية بصورة تفصيلية، إلا أنه لا يقدم ضمانات كافية لحماية المجالس المنتخبة من التدخلات الإدارية اللاحقة.فالمجالس لا تكتسب قيمتها من عملية الانتخاب فقط، بل من قدرتها على ممارسة صلاحياتها بحرية طوال مدة ولايتها القانونية.ولهذا فإن أي نصوص تسمح بالحل أو العزل أو التعطيل بقرارات إدارية واسعة تفرغ الانتخابات من مضمونها الحقيقي.لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لهذه المواد يقتضي:* اعتماد نظام القوائم الانتخابية.* عدم اشتراط الشهادة الجامعية للمواقع التمثيلية.* تحصين الانتخابات من التأجيل إلا في الظروف الاستثنائية.* إلزام الموظف العام الفائز بالتفرغ أو الاستقالة من وظيفته.* قصر عزل رؤساء البلديات والأعضاء على القضاء أو هيئة قضائية مستقلة.* تعزيز استقلال المجالس المنتخبة بوصفها تجسيداً للإرادة الشعبية المحلية.وبذلك تصبح الانتخابات المحلية وسيلة لإنتاج قيادات مجتمعية حقيقية قادرة على قيادة التنمية المحلية، لا مجرد عملية إجرائية تبقى نتائجها خاضعة لهيمنة الإدارة المركزية
المواد (63–65)حل المجالس، وتشكيل اللجان، والرقابة والتفتيشتختتم المواد (63–65) مشروع قانون الإدارة المحلية، إلا أنها تعد من أخطر مواده من الناحية الدستورية والإدارية، لأنها تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في حل المجالس المنتخبة، وتشكيل اللجان البديلة، وتوسيع نطاق الرقابة والتفتيش على البلديات، بما يعيد تكريس المركزية الإدارية التي كان يفترض أن يعالجها القانون.ومن خلال قراءة هذه المواد يتبين أن المشروع لم يكتف بالإبقاء على الوصاية الإدارية التقليدية، بل اتجه إلى تعزيزها، وهو ما يتعارض مع فلسفة الإدارة المحلية القائمة على استقلال الوحدات المحلية المنتخبة.أولاً: العودة إلى سياسة اللجان المعينةشهدت البلديات الأردنية خلال السنوات الماضية ظاهرة أصبحت تكاد تكون قاعدة لا استثناء، وهي حل المجالس البلدية المنتخبة وتعيين لجان مؤقتة لإدارة البلديات لفترات طويلة.وقد أثبتت التجربة العملية أن استمرار اللجان المعينة لم يؤد إلى تحسين الأداء البلدي، بل تزامن مع المرحلة التي شهدت أكبر تراجع في الإدارة المحلية، سواء من حيث الاستثمار أو الخدمات أو الاستقلال الإداري.ومع ذلك، فإن المشروع ما يزال يمنح الحكومة القدرة على إعادة إنتاج هذه الحالة من خلال النصوص المتعلقة بحل المجالس وتشكيل اللجان، دون وضع قيود صارمة تكفل حماية الإرادة الشعبية.وهذا النهج يتعارض مع جوهر النظام الديمقراطي، لأن الأصل هو استمرار المجلس المنتخب حتى انتهاء مدته القانونية، ولا يجوز استبداله بلجنة معينة إلا في أضيق الحدود.ثانياً: تعيين اللجان يفتح باب المحاباة والترضياتمن أخطر النتائج العملية لهذه المواد أنها تفتح المجال أمام تعيين أعضاء اللجان وفق اعتبارات لا ترتبط دائماً بالكفاءة أو التمثيل الحقيقي للمجتمع المحلي.وقد أظهرت التجربة الأردنية أن بعض اللجان المعينة كانت محل انتقاد واسع بسبب غياب المعايير الموضوعية في اختيار أعضائها، الأمر الذي أوجد انطباعاً عاماً بأن هذه اللجان قد تتحول إلى وسيلة للمحاباة أو الترضيات الإدارية والسياسية، بدلاً من أن تكون استثناءً تفرضه الضرورة.ولهذا فإن بقاء هذه السلطة دون ضوابط دقيقة يضعف ثقة المواطنين بالإدارة المحلية وبالعملية الديمقراطية نفسها.ثالثاً: مخالفة فلسفة المادة (121) من الدستورتنص المادة (121) من الدستور على أن الشؤون البلدية والمحلية تدار بواسطة مجالس بلدية أو محلية وفق قوانين خاصة.ومقتضى هذا النص أن الإدارة الأصلية للشأن المحلي تكون بيد المجالس المنتخبة، أما اللجان المعينة فهي استثناء يجب أن يفسر في أضيق نطاق، وأن يخضع لضمانات قانونية وقضائية واضحة.أما التوسع في منح السلطة التنفيذية صلاحية حل المجالس وتعيين البديل عنها، فإنه يؤدي عملياً إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وهو ما يفرغ النص الدستوري من مضمونه.رابعاً: التوسع في الرقابة والتفتيشتعزز هذه المواد سلطات الرقابة والتفتيش على البلديات، بل وتضيف مفاهيم جديدة مثل "الضبط الصحيح” في ممارسة الرقابة.ولا خلاف على أهمية الرقابة المالية والإدارية، فهي ضمانة لحسن إدارة المال العام ومكافحة الفساد، إلا أن الرقابة يجب أن تكون وسيلة لتصويب الأداء، لا أداة لإدارة البلديات من قبل السلطة المركزية.فالرقابة في الفكر الإداري الحديث تختلف عن الوصاية؛ إذ تقتصر الأولى على التحقق من مشروعية القرارات وسلامة الإجراءات، بينما تسمح الثانية للإدارة المركزية بالتدخل في إدارة الشأن المحلي، وهو ما يتعارض مع اللامركزية.خامساً: غياب الرقابة القضائيةمن الملاحظ أن المشروع يمنح الإدارة صلاحيات واسعة في مواجهة المجالس المنتخبة، دون أن يقرنها بضمانات قضائية كافية.وفي الأنظمة الديمقراطية، فإن إنهاء ولاية المجالس أو إبطال قراراتها الجوهرية أو فرض إجراءات استثنائية عليها يخضع غالباً لرقابة القضاء، حمايةً للإرادة الشعبية ومنعاً للتعسف في استعمال السلطة.ومن ثم، فإن منح الإدارة صلاحيات واسعة دون رقابة قضائية فعالة يخل بالتوازن بين مقتضيات الرقابة وحماية الديمقراطية المحلية.سادساً: البديل التشريعي المقترحولتحقيق التوازن بين الرقابة والاستقلال، يقترح ما يلي:* حصر حل المجالس البلدية ومجالس المحافظات بقرار قضائي نهائي، أو في حالات استثنائية تمس الوحدة الوطنية أو الأمن العام، ينظمها القانون على سبيل الحصر.* عدم تشكيل أي لجنة لإدارة المجالس إلا لمدة محددة لا تتجاوز الحد الأدنى اللازم لإجراء انتخابات جديدة.* النص على معايير موضوعية وشفافة لاختيار أعضاء اللجان المؤقتة، إذا اقتضت الضرورة تشكيلها.* قصر دور وزارة الإدارة المحلية على الرقابة القانونية والمالية والفنية، دون التدخل في إدارة الشأن المحلي أو الحلول محل المجالس المنتخبة.* إخضاع جميع قرارات الحل والتعيين والتفتيش للطعن أمام القضاء الإداري، ضماناً لمبدأ المشروعية.
الفصل الرابع
التوصيات العامة والخاتمةإن مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 جاء في مرحلة تتطلع فيها الدولة الأردنية إلى تحديث الإدارة العامة وتعزيز التنمية المحلية وتوسيع المشاركة الشعبية، وهي أهداف وطنية لا خلاف عليها. إلا أن تحقيق هذه الأهداف لا يكون بمجرد تعديل النصوص أو إعادة ترتيب المؤسسات، وإنما بإحداث تحول حقيقي في فلسفة الإدارة المحلية، يقوم على نقل السلطة من المركز إلى المجتمعات المحلية، وتمكين المواطنين من إدارة شؤونهم من خلال مؤسسات منتخبة تمتلك الصلاحيات والموارد والمسؤولية.ان هذه الدراسة تظهر أن المشروع تضمن عدداً من الأحكام الإيجابية التي تستحق الإشادة، مثل تنظيم بعض الجوانب الإدارية، ومحاولة الفصل بين الإدارة التنفيذية والإدارة السياسية، والاهتمام بالتخطيط الحضري والحوكمة وبعض المفاهيم الحديثة في الإدارة العامة. إلا أن هذه الجوانب بقيت محدودة الأثر، لأنها لم تقترن بإعادة توزيع حقيقية للسلطات بين الحكومة المركزية والوحدات المحلية.ويمكن القول إن الإشكالية الرئيسة في المشروع تتمثل في أنه حافظ على النهج المركزي الذي ساد التشريعات السابقة، بل عززه في بعض المواضع، فوسّع من صلاحيات الوزارة، وأبقى المجالس المنتخبة مقيدة بقيود إدارية وتشريعية تحد من قدرتها على إدارة الشأن المحلي بصورة مستقلة.كما كشفت الدراسة أن عدداً من النصوص قد يثير إشكالات دستورية، ولا سيما فيما يتعلق بمضمون المادة (121) من الدستور، التي أسندت إدارة الشؤون البلدية والمحلية إلى مجالس بلدية أو محلية. فإسناد جانب كبير من سلطات الإدارة الفعلية إلى الوزارة أو إلى موظفين معينين يضعف هذا المفهوم الدستوري، ويحول المجالس المنتخبة إلى هيئات استشارية أو رقابية أكثر منها هيئات إدارة محلية.ومن خلال استعراض مواد المشروع، تبين أيضاً أن التجربة الأردنية خلال العقدين الماضيين تقدم دروساً واضحة ينبغي الاستفادة منها. فقد أثبت الواقع أن كثرة تعديل القوانين، وتكرار حل المجالس المنتخبة، والتوسع في التعيينات، واستمرار نظام انتخابي لا يفرز قيادات محلية قوية، كلها عوامل أسهمت في تراجع الأداء البلدي، وفي انخفاض ثقة المواطنين بمؤسسات الإدارة المحلية.وانطلاقاً من ذلك، فإن هذه الدراسة توصي بما يلي:
1. إعادة بناء فلسفة القانون على أساس اللامركزية الحقيقية، لا اللامركزية الإدارية الشكلية.2. الالتزام الصارم بمقتضيات المادة (121) من الدستور، بحيث تكون المجالس المنتخبة هي صاحبة الولاية الأصلية في إدارة الشأن المحلي.3. تقليص صلاحيات وزارة الإدارة المحلية وقصرها على رسم السياسات العامة، والرقابة القانونية والمالية والفنية.4. منح البلديات ومجالس المحافظات الشخصية الاعتبارية الكاملة والاستقلال المالي والإداري الحقيقي.5. نقل الإشراف على البلديات ومجالس الخدمات المشتركة إلى مجالس المحافظات، باعتبارها الجهة المنتخبة التي تمثل المحافظة.6. إعادة تشكيل مجالس الخدمات المشتركة بحيث تتكون من رؤساء البلديات فقط، وإلغاء سلطة الوزير في تعيين رؤسائها أو أعضائها.7. اعتماد نظام القوائم الانتخابية بديلاً عن الأنظمة الفردية، بما يعزز العمل البرامجي والمؤسسي ويحد من العصبيات المحلية.8. تحصين المجالس المنتخبة من الحل أو العزل الإداري، وقصر ذلك على القضاء أو على حالات استثنائية يحددها القانون على سبيل الحصر.9. إلزام الموظف العام الفائز في الانتخابات بالتفرغ لمهمته المنتخبة أو الاستقالة من وظيفته، منعاً لتعارض المصالح وترسيخاً لاستقلال المجالس.10. توفير موارد مالية مستقرة للوحدات المحلية، وضمان تحويل مستحقاتها القانونية كاملة وفي مواعيدها، بما يعزز قدرتها على التخطيط والتنفيذ.
كلمة أخيرةإن قوة الدولة لا تقاس بمدى تركيز السلطات في العاصمة، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات محلية قوية وقادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية المستدامة، وجذب الاستثمار، وتحسين الخدمات العامة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود إدارة محلية مستقلة، تتمتع بثقة المواطنين، وتخضع في الوقت ذاته لرقابة قانونية وقضائية فعالة.إن الإدارة المحلية ليست مجرد تنظيم إداري، بل هي مدرسة للديمقراطية، ومختبر لإعداد القيادات الوطنية، وأداة لتحقيق العدالة في توزيع التنمية بين المحافظات. وكلما اتسعت صلاحيات المجالس المنتخبة، وتعزز استقلالها، وازدادت مساءلتها أمام المواطنين، اقتربت الدولة من بناء نموذج إداري حديث يحقق الكفاءة والشفافية والمشاركة الشعبية.ولذلك، فإن الأمل معقود على أن يشكل مشروع قانون الإدارة المحلية نقطة انطلاق نحو إصلاح تشريعي أعمق، يعيد الاعتبار لفلسفة اللامركزية التي أرادها الدستور، ويمنح المحافظات والبلديات الدور الذي تستحقه في قيادة التنمية الوطنية، باعتبار أن مستقبل الإدارة المحلية هو أحد المفاتيح الرئيسة لمستقبل الدولة الأردنية الحديثة.
محمد عبدالحميد المعايطة *بكالوريس هندسة مدنيةماجستير ادارة عامة ( رسالة الماجستير اعادة هيكلة البلديات الاردنية)
رئيس بلدية أدر ونائب رئيس مجلس الخدمات المشتركة لمحافظة الكرك( ١٩٨٩-١٩٩٣) دورة كاملة أربع سنواتنائب رئيس بلدية الكرك( ١٩٩٩-٢٠٠١)رئيس بلدية الكرك ( ٢٠٠٢- ٢٠٢٥) أربع دورات غير مكتملة بسبب حل البلدياتعضو مجلس استشاري محافظة الكرك (١٩٩٩-٢٠١٦)عضو مجلس ادارة بنك تنمية المدن والقرى(٢٠٠٣-٢٠٠٥ ، ٢٠٢٢-٢٠٢٤)عضو مجلس محافظة الكرك (٢٠٢٢-٢٠٢٥)*رغبت في ذكر الشهادات والخبرات للدلالة على التجربة العملية في العمل البلدي قبل عام ٢٠٠٠ وبعده.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.
