الليرة السورية في مواجهة الانهيار.. عندما يتجاوز الدولار عتبة الـ 13,500 ليرة
لم يعد تجاوز سعر الصرف عتبة الـ 13,500 ليرة للدولار الواحد مجرد رقم عابر، بل هو إعلان صريح عن إفلاس سياسة “إطفاء الحرائق” فالليرة مرآة الأرض، وفي نهاية المطاف، قيمة العملة ليست قرار مصرف مركزي، ولا مرسوم حكومي، ولا خطاب سياسي، إنها مجموع ثقة الناس في اقتصاد دولتهم، ومجموع قدرة أرضهم على الإنتاج، ومجموع عدالة توزيع ما تُنتجه تلك الأرض، وحين يصبح الدولار يساوي 13,500 ليرة، فهذا يعني ببساطة أن كل واحدة من هذه المعادلات مُختلّة، والليرة السورية لا تحتاج إلى إبرة تخدير جديدة، بل تحتاج إلى طبيب جرّاح يُشخّص بصدق، ويُعالج بشجاعة، ويُدرك أن المريض لا يحتمل المزيد من المماطلة.
في الأسواق الشعبية لدمشق وحلب وحمص، صار الباعة يتداولون أسعار بضائعهم بالدولار قبل أن يُحوّلوها إلى الليرة للزبون، ليس لأنهم يرفضون عملة بلدهم، بل لأن الليرة باتت تذوب بين اليدين قبل أن تصل إلى المتجر من جديد، هذا المشهد اليومي يلخّص معادلة الانهيار الكاملة: عملة بلا ثقة، وسوق بلا استقرار، ومواطن بلا أمان.
الرقم الذي يقول كل شيء
لم يكن تجاوز سعر الصرف حاجز الـ 13,500 ليرة للدولار الواحد مجرد محطة رقمية في مسيرة طويلة من التدهور، بل كان إعلاناً صريحاً عن إفلاس المنهج التكتيكي القائم على إطفاء الحرائق دون معالجة مصادرها.
يقول الباحث الاقتصادي عزام الأحمد في تصريحات لـ”٩٦٣+” لفهم الصدمة الحقيقية، ثمة سياق تاريخي لا يمكن تجاهله، حيث كانت الليرة السورية تُداول بـ 50 ليرة للدولار قبيل عام 2011، أي أن المواطن السوري يشهد اليوم تآكلاً في قيمة عملته يتجاوز 270 ضعفاً في أقل من خمسة عشر عاماً، هذا الرقم وحده يكفي لوصف الكارثة.
ففي الفترة الزمنية ما قبل 2011 كان سعر الصرف (ليرة/دولار) بحدود 50، ومع بدء الأزمة الأمنية 2013–2015 كان سعر الصرف (150 – 250) بزيادة +400% وكان هناك استقرار نسبي وغطاء إنتاجي، وفي الفترة 2016–2018 ومع تدمير البنية التحتية بلغ سعر الصرف (500 – 600) بزيادة +1100%،
ويتابع: في حين بلغ سعر الصرف في الفترة 2018–2020 أرقاماً قياسية (2,500 – 4,500) بسبب عقوبات قيصر وجائحة كوفيد حيث بلغت نسبة الزيادة +8900% ، ومع الانهيار الاقتصادي شبه الكامل في الفترة 2021–2022 بلغ سعر الصرف (7,000 – 12,000).
ومع انهيار الدعم الحكومي في الفترة 2023–2024 بلغ سعر الصرف (12,000 – 16,000)، وفي الأشهر التي تلت سقوط النظام السوري انخفض سعر الصرف إلى معدلات قياسية (7,000 – 9,000) ثم واصل الصعود بهدوء إلى أن وصل اليوم إلى 13,500 بسبب عدة عوامل رئيسية أهمها، غياب الغطاء الإنتاجي الحقيقي.
ويضيف الأحمد: قبل عام 2011، كانت سوريا تمتلك قطاعاً صناعياً ونسيجياً وزراعياً قادراً على توليد فائض تصديري حقيقي، واليوم تُشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الطاقة الإنتاجية الإجمالية لم تتجاوز 35% من مستوياتها ما قبل الأزمة، وهذا الانكماش الهائل جعل سوريا دولةً مستوردة بامتياز، تحتاج الدولار لشراء كل شيء، دون أن تملك صادرات كافية لاسترداده، إضافة إلى العجز التجاري الهيكلي وهيمنة الدولار الاستهلاكي، حيث تُظهر بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن الميزان التجاري السوري يُسجّل عجزاً سنوياً يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار، فيما تشحّ الصادرات غير النفطية شحاً شديداً.
وفي هذا السياق، يتحوّل الدولار، بحسب الأحمد، من عملة احتياط إلى “عملة استهلاك يومي”، مما يضغط على الطلب الداخلي عليه باستمرار، كما أن تراجع تحويلات المغتربين لعبت دوراً كبيراً، حيث كانت تحويلات السوريين في المهجر تُشكّل رافداً دولارياً مهماً للاقتصاد الوطني، وكذلك إفلاس السياسة التكتيكية التي اتبعها المصرف المركزي من حيث تجفيف السيولة النقدية في الأسواق والتأخر في استبدال العملة الجديدة، وهي قرارات إدارية جامده تعالج العَرَض وتتجاهل العلّة، وأمام هذا الواقع المركّب، لجأت الجهات المسؤولة إلى ما يمكن وصفه بـ”الإبر المخدّرة” من حيث تحديد سعر صرف رسمي لا يعكس السوق الفعلي، وقرارات إدارية آنية لتثبيت الأسعار، وجميعها إجراءات أنتجت سوقاً موازية مزدوجة، وعزّزت منطق المضاربة، وجعلت المواطن البسيط يدفع الثمن الأعلى في كلا السوقين.
الكُلفة المعيشية وضريبة الانهيار على المواطن
الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة. فوراء كل نقطة ارتفاع في منحنى سعر الصرف، ثمة أسرة سورية تُعيد حساباتها اليومية من جديد، وكفاءة مهنية تبحث عن تذكرة خروج.
يقول سمير الحميد مدرّس من ريف دمشق لـ”963+”: كنت أُدرّس الرياضيات في ثانوية حكومية براتب يبلغ الآن ما يعادل 90 دولاراً في الشهر، لا أستطيع دفع فاتورة الكهرباء والغاز معاً، فكيف أُعلّم أطفال الآخرين وأنا عاجز عن إطعام أطفالي؟
أما عبدو البري وهو صاحب ورشة من حلب فيقول لـ”963+”: كنت أُدير ورشة نجارة صغيرة ورثتها عن أبي، أغلقتها مؤخراً لأن سعر الخشب المستورد ارتفع ثلاثة أضعاف في أقل من عام، الزبائن موجودون لكن لا أحد يستطيع الدفع بما يُغطّي التكلفة.
السوق الموازية التي تحكم الاقتصاد وآليات المضاربة وتحريك السعر
يرى الأكاديمي والخبير المالي عبدالناصر إسماعيل في تصريحات لـ”963+” أنه في الواقع السوري الراهن، ثمة جهتان اقتصاديتان تعملان في آنٍ واحد: مصرف سورية المركزي وهي جهة رسمية تُعلن أسعاراً وتُصدر قرارات، وسوق موازية غير رسمية تتحكّم في السوق الفعلي، والمفارقة أن المواطن العادي يتعامل مع الثانية اضطراراً لأن الأولى لا تعكس الواقع، وتكشف متابعة منصات الصرافة الإلكترونية والأسواق غير الرسمية عن نمط ثابت، فالسعر يرتفع قُبيل نهاية الشهر مع موعد صرف الرواتب الحكومية، ويميل للاستقرار النسبي في منتصفه، وهذا الارتباط يكشف أن المضاربين يتحرّكون بناءً على دورة السيولة الحكومية، مستغلّين غياب السياسة النقدية الفاعلة للتربّح من هشاشة العرض والطلب.
ويتابع اسماعيل: إضافة إلى التلاعب النفسي ودور الإشاعة، حيث أثبتت دراسات اقتصادية متعددة أن سلوك الأسواق الناشئة وعالية المخاطر يتأثر بشكل غير متناسب بالتوقعات والإشاعات، وفي السياق السوري، كانت تغريدة واحدة على منصة تويتر أو خبر غير مؤكد على مجموعات واتساب كافيةً في أكثر من مناسبة لدفع الدولار نحو الارتفاع قبل أن تصدر أي بيانات رسمية، ومع غياب الشفافية المؤسسية يُحوّل فضاء المعلومات إلى ساحة حرب نفسية يخسرها المواطن دائماً.
ويؤكد اسماعيل أن الأثر الأشد وطأة لانهيار العملة لا يُقرأ في الجداول الاقتصادية، بل في المجتمع نفسه، فثمة تحوّلات بنيوية عميقة تجري بصمت، من اختفاء الطبقة الوسطى وتآكل رأس المال الاجتماعي، فقد كانت الطبقة الوسطى السورية تُمثّل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، موظفو الدولة، والأطباء، والمدرّسون، وأصحاب المحلات الصغيرة، وجميعهم يجدون أنفسهم اليوم في مرتبة الفقر الفعلي رغم استمرارهم في العمل، وهذا الانزلاق الجماعي نحو القاع يُقوّض تراكم رأس المال البشري وثقة المواطن في مؤسسات الدولة معاً.
ويضيف اسماعيل: هناك نزيف الكفاءات الصامت، حيث تُشير تقارير منظمات دولية متعددة إلى أن الموجة الأحدث من هجرة الكفاءات السورية اتّخذت طابعاً اقتصادياً بحتاً، لا سياسياً كما في بدايات الأزمة، فالأستاذ والمهندس والمبرمج لا يهربون من القمع بالضرورة، بل من مستحيل الصمود بـ100 دولاراً في الشهر في بلد تُسعَّر فيه الغذاء والأدوية والإيجارات بالدولار.
ويرى اسماعيل أن الحل لا يُبنى على وعود أو قرارات آنية، بل على إعادة هيكلة جراحية لمنظومة كاملة من السياسات. أبرز مرتكزاته، توحيد سعر الصرف وإلغاء التعددية وتحريره بإشراف مؤسسي، للقضاء على السوق الموازية، وأيضاً تحفيز الإنتاج المحلي، وإعفاءات ضريبية وقروض ميسّرة للصناعة، لتقليص العجز التجاري، وكذلك دعم الصادرات الفعلية، وتيسير إجراءات التصدير وخفض تكاليفه، لتوليد دخل دولاري حقيقي، ومن المهم استعادة ثقة المغتربين، وضمانات قانونية وقنوات تحويل شفافة، لزيادة تدفق الحوالات الرسمية، وأخيراً الشفافية المؤسسية، ونشر بيانات الاحتياطي والميزان التجاري، لتقليص أثر المضاربة النفسية.
ويحذر اسماعيل من أنه لا يمكن لأيٍّ من هذه الإجراءات أن يُنتج نتائج فورية، فالاستقرار النقدي الحقيقي هو انعكاس لتعافٍ اقتصادي متراكم، وتعافي المصنع والحقل وثقة المستثمر، لا رقم تُلوّح به البيانات الرسمية، والأخطر من الانهيار ذاته، أن تُقنع النخبُ نفسَها بأن الأمر تحت السيطرة.
The post الليرة السورية في مواجهة الانهيار.. عندما يتجاوز الدولار عتبة الـ 13,500 ليرة appeared first on 963+.




