اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 4
بقلم. مهدي امبيرش
من يتابع هذه المداخلات على اختلاف عناوينها يجد أنها كلها تدور حول السؤال الذي طرحناه، والذي نضعه نصب أعيننا، ما الإنسان؟، الذي قلنا مرارًا إنه سؤال يبقى مفتوحًا دائمًا على الحقيقة بما هي علم وبما هي مطلق، وبما هي الوجود.
هنا يكون تفكيرنا أو قدرتنا على التفكير تحد بالموضوع أو المحدود، ووسيلتنا في ذلك هي طرح الاستفهامات لا الأسئلة الماهوية، وهنا نذكر أننا في مداخلاتنا السابقة؛ ومن أجل إيضاح هذه الأطروحة فرقنا بين السؤال بـ(ما)، والاستفهام بـ(ماذا)، وإن كان منهج تفكيرنا البيان العربي لا يفصل بين مشروع السؤال بما والاستفهام بماذا، وهذا خلاف الأزمة القديمة المتجددة في مناهج التفكير الأعجمية التي تعتمد هذا الفصل التعسفي في المدرسة الإغريقيّة بعامة، والتي يمكن قراءتها ضمن هذه الأزمة، إلى المدرسة الطبيعية الأولى التي ترى أن الموضوع هو الحقيقة حتى أن تعريفهم للفلسفة أنها وليدة الدهشة (الثومازاين)، وبداهةً فإن الذي يثير الدهشة هو الموجود أو على حسب مصطلح الألماني هايدغر الذي يقف في مواجهتنا (Der Gegen stend)، وهنا لا يمكن أن نقول إن هذا تعريف للفلسفة، بل هو موضوع للمنطق، فالموضوع الذي يتخذ وضعًا (pose) ويشغل حيزًا، وله حدود، سواءً حدوده هو أم أنه يوضع ضمنها بفعل عوامل خارجية، هذا الموضوع (object) لأنه كذلك يخضع لأن يكون قضية منطقية أو قضية أحكام، لأنه محكم أو معقول، تم اعتقاله داخل الحدود أو الشكل، أو أنه مضمون داخل هذه الحدود، وبذلك تكون الفلسفة أبعد من هذا الوضع، فالاستفهام بماذا هو استفهام معرفيٌّ يحد بالمشار إليه (ذا)، الذي ذكرنا في عبقرية اللسان العربي أنه حرف (الذال) يدل على الإذلال أو الخضوع، أي إخضاع هذا المتشيأ داخل هذه الحدود، فلا إشارة في الأساس إلا لموجود.
نذكركم ببداية الأزمة المعرفية بقصة آدم عليه السلام الذي يقول الحق إنه علّمه الأسماء كلها، هنا نفهم الأسماء من جهتين، إما أسماء المعاني المطلقة أو الأسماء لمسميات متعينة وموجودة، كالاستفهام الذي وجهه الله تعالى للملائكة بقوله (أنبئوني بأسماء هؤلاء)، والذي نفهم منه أن اسم الإشارة هؤلاء يدل على موجودات مشار إليها، حيث عجزت الملائكة على أن تعطي أسماءً لهاته المسميات، وتعللت صادقةً بقولها (لا علم لنا إلا ما علمتنا)، وإن كان هذا القول فتح مجالًا للتفكير في طبيعة الأسماء، هل هي توقيفية أم توافقية، وهي المشكلة التي بحث فيها أفلاطون في محاورة (كراتيلوس)، ثم يوجّه الاستفهام إلى آدم الذي تعلم هذه العلاقة بين الاسم والمسمى، وهي بداية التفكير الذي يمكن أن نقول عنه إنه التفكير المنطقي، في التفكير الفلسفي قديمًا وحديثًا، وفي هذا الخلاف الذي استمرَّ في التفكير الحديث والمعاصر في المدارس الأوروبية التي ورثت الخلاف الحاد في بلاد الإغريق بين التفكير الطبيعي الذي عبر عنه المتكلمون أو السفسطائيون، أو المثالي التجريدي الذي يتحول إلى صوفية عند سقراط وأفلاطون أو محاولة التوسط في المدرسة المقدونية التي قادها أرسطو، وهي مدرسة صورية تحاول التوفيق بين المدرسة الطبيعية والمدرسة التجريدية، أو ما توصف بالعقلانية عند أفلاطون وسقراط، وتكمن هذه المشكلة في القول بـ (النومين) أو ما يعرفه البعض بأنه الشيء بذاته، والذي قلنا إن الدقة في البيان العربي لا تستخدم الشيء في المتعين والمدرك كما يقال، بل المتشيأ من الشيء، والموجود من الوجود، والمتحقق من الحقيقة.
كما سبق أن ذكرنا أن مصطلح الذات لا يكون إلا من خلال علاقة من بين الأنا والأنا المقابلة في الإنسان أو الأنا والموجود بالذي هو موجود، وهنا تتقدم الأنا إلى الذات، ومن ثَم فإن مصطلح الشيء في ذاته يحتاج إلى تعديل وفق البيان العربي، هذه المشكلة المطروحة قديمًا وجديدًا هي التي أعادت المشكلة اللاهوتية القديمة بدءًا من ثنائية السماء والأرض أو تلك الثنائية التي فرضت البحث عن الوسيط أو الثالوث أو التأويل الذي يدعي القائلون به القدرة على إدراك (النومين)، في حين أن غيرهم يرون أنما ندركه هو الظاهر ويكون النومين مفارقًا أو معرفة قبلية في المثالية أو الميتافيزيقا في حين أن الوضعيين الرافضين لذلك يقولون إن النومين كامن، ومن ثَم فإن رحلة التفكير تعيدنا إلى نفس الخرافة المعراجية القديمة الزرادشتية أو رحلة المعراج الصوري في الجدل الصاعد والهابط لأفلاطون الذي يرى أن المعرفة قبلية ولا يمكن تعليمها على اعتبارها الحكمة، بل تذكرها كما جاء في محاورة مينون، وبذلك يكون أفلاطون مؤسس ما يعرف بالمثالية التي نقرؤها عند المثاليين الألمان، أو هذا التلفيق في المدرسة الإنجليزية في محاولة المواءمة بين المثالية الألمانية والتجريبية الأنجلوساكسونية التي لا تبعد عن الوضعية الفرنسية، ومن ثَم فبدل الرحلة المعراجية الاستعلائية التي بررت التفوق الهيغلي الجدلي تكون رحلة الاستبطان الدخلي أي الاتجاه المعاكس للصعود، ويكون التأويل بدل الصعود تأويل أقرب إلى مصطلح الحفر كارل ماركس، هذه المداخلة وما سبقها قد تثير عند البعض استفهامًا مقبولًا حول علاقتهما باللاهوت والتطهير والذي سوف يعيدنا من جديد إلى قصة آدم عليه السلام والهبوط إلى الأرض أو الفرق بين مصطلح الهبوط في القرآن ومصطلح السقوط أو الخطيئة الأصلية كما يقول اللاهوت النصراني.
The post اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 4 appeared first on الموقف الليبي.





