اللعبة التي لا نملكها وندفع ثمنها
اللعبة التي لا نملكها وندفع ثمنها، القرار اليوم إمّا التحرر أو البقاء وقودًا للصراعات
بقلم: المهندس محمود “محمد خير” عبيد
ما يُسوَّق له على أنه “وقف إطلاق نار” بين إيران وما يُعرف بالتحالف الصهيو-أمريكي ليس تهدئة، بل لحظة انكشاف فجّ؛ انكشاف لمنظومة كاملة بُنيت على الخداع، ولشعوبٍ طُلب منها أن تصدّق أن أمنها يُشترى من الخارج، وأن القواعد العسكرية وُجدت لحمايتها.
أيّ أمنٍ هذا الذي ندفع ثمنه من سيادتنا وقرارنا وثرواتنا، بينما سماؤنا وأرضنا تُدار من غرف عمليات لا نملك عليها سيادة ولا قرار؟ وأيّ حماية هذه التي لم تمنع تدمير دولٍ بأكملها، ولم تصُن شعوبًا دفعت من دمها وأرضها؟ أين هذه الحماية مما يجري في لبنان؟ وأين كانت يومًا في تحرير شبرٍ من فلسطين؟، بل إن هذه القواعد لم تكن سوى شاهد زور، إن لم تكن شريكًا، في كل ما جرى.
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها، القواعد العسكرية الأجنبية في منطقتنا لم تأتِ لحمايتنا، بل لحماية تفوق الكيان الصهيوني وضمان استمراره. هذه ليست وجهة نظر، بل خلاصة وقائع. هي أدوات سيطرة لا أدوات دفاع، ووجودها كان، ولا يزال على حسابنا.
نُستنزف ماليًا، نُقيّد سياسيًا، ونُدار أمنيًا، ثم يُقال لنا إن ذلك “ضمانة استقرار”.
أيّ استقرار هذا الذي يجعلنا عاجزين حتى عن اتخاذ قرار مستقل؟
وفي ظل الحديث عن تفاهمات وتهدئة، تبرز معطيات أخطر، من بينها طرح انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في المنطقة. هنا تكمن اللحظة المفصلية، هذه ليست تفصيلة تفاوضية، بل فرصة تاريخية، إمّا أن تُنتزع، أو تُهدر كما أُهدرت فرص كثيرة قبلها.
أما على المستوى الدولي، فالمشهد يتبدّل بوضوح. الولايات المتحدة، التي فرضت هيمنتها لعقود، لم تعد قادرة حتى على ضبط حلفائها. في عهد دونالد ترامب، لم تعد واشنطن مركز القرار الأوحد، بل طرفًا يتراجع تأثيره تدريجيًا.
العالم يُعاد تشكيله بمشاركتها أو من دونها، لكن بالتأكيد بعيدًا عن احتكارها السابق.
في المقابل، تتحرك دول كفرنسا ببراغماتية باردة، تفتح قنوات وتبني مصالح، متجاوزة المزاج الأمريكي.
أما نحن، فما زلنا أسرى وهم “الحماية” التي لم تأتِ يومًا.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا خوف، لماذا تبقى هذه القواعد؟ ومن تحمي فعلًا؟
الإجابة، رغم قسوتها، واضحة، لا تحمينا بل تُدار بنا، وتُستخدم لصالح غيرنا.
ما نعيشه ليس توازنًا استراتيجيًا، بل تبعية مهينة. ليس تحالفًا، بل ارتهان. وليس أمنًا، بل إدارة خارجية لمصيرنا.
أين الجيوش العربية اليوم مما يحدث في لبنان؟ أين دورها في حماية الشعوب والمقدرات؟ وأين هي من فلسطين؟، أم أن دورها اختُزل في حماية حدودٍ مرسومة، بينما تُنتهك كل القيم خلفها؟
كفى استخفافًا بالعقول. كفى بيعًا للوهم.
هذه القواعد لم تحمِنا ولن تحمينا. بل كانت سببًا مباشرًا في استهدافنا، وذريعة دائمة لجرّنا إلى صراعات لا تخدم إلا أعداءنا.
عدوّنا ليس غامضًا. المشروع الصهيوني واضح، وكذلك من يدعمه ويُطبع معه.
وكل ما عدا ذلك ليس سوى تشتيت للوعي وتزييف للواقع.
هذه لحظة قرار، لا لحظة تردد، إمّا أن تُستثمر لدفع هذا الوجود العسكري الأجنبي خارج أرضنا،
أو نقبل طوعًا أن نبقى أدوات في لعبة لا نملك فيها شيئًا.
التحرر ليس شعارًا بل قرار.
والسيادة لا تُمنح بل تُنتزع.
وإلى أن نمتلك شجاعة المواجهة، سنبقى ندفع ثمن كل حرب، ونخسر في كل معادلة، ونُستخدم في كل صراع.
الصمت لم يعد حيادًا، بل خيانة.
هذا المحتوى اللعبة التي لا نملكها وندفع ثمنها ظهر أولاً في سواليف.





