الْكَذِبُ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ.. حِينَ تَصْبَحُ اللُّغَةُ وُجُوداً مُرَاوِغاً
عَبْدِ اللهِ فَضُّول
يُمثل الكلام في حياة البشر وسيلة تتجاوز مجرد نقل الأَخبار أَوْ وصف الوقائع، إذ تتحول اللغة في ممارساتنا اليومية إِلى أَدوات شديدة التعقيد تعيد تشكيل الوجود وتلونه بصبغات جمالية وبلاغية لا تخلو من المراوغة، ومن هذا المنطلق تتأسس العلاقة القائمة بين الإِنسان والقدرة على مجانبة الصواب كفعل يدخل في صميم بناء الكيان اللغوي ومرتبط بماهية التعبير وقدرة العقل على خلق عوالم موازية تسع أَحلامه وخيباته بعيداً عن كونه مجرد سقطة عابرة أَوْ خطأ أَخلاقي ناتج عن الصدفة، حيث يتداخل في هذا السياق الإِستعمال اللغوي المباشر مع الآفاق الأَدبية الواسعة التي تسمح بتزييف الواقع لغرض أَسمى، الأَمر الذي يدفعنا إِلى التساؤل بجدية حول الكيفية التي يساهم بها هذا التلاعب في بناء هويتنا الإِنسانية.
بناءً عليه، يبرز التساؤل حول كيفية تحول اللغة من مجرد نظام منضبط من القواعد والرموز المشتركة إِلى فضاء رحب يسمح بالإِنتعاش والإِنعتاق من قيود الحقيقة المادية الجارحة، وهل يمكن اعتبار القدرة على التشكيل والتجاوز في القول وسيلة لحماية الروابط الإِجتماعية وتحقيق التوازن النفسي بدلاً من كونها مجرد خطيئة تستوجب الإِدانة؟
لا جرم أن ماهية اللغة تنبني في جوهرها على قدرة الكائن البشري على التجاوز والتشكيل، فهي ليست مجرد وعاء لنقل الحقائق المادية الجاهزة أَوْ مرآة عاكسة لما تراه العين فحسب، بل فضاء رحب للإِستعمال الذي ينفتح على مستويات أَدبية وجمالية تجعل من هذا التمويه اللغوي جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الإِنسانية، وبفضل هذه القدرة الفريدة يمتلك الإِنسان سلطة الإِنعتاق من سجن اللحظة الراهنة عبر كلمات تملك طاقة هائلة لتجاوز الواقع الملموس وبناء عوالم بديلة لم تحدث أَصلاً، أَوْ إعادة تشكيل الوقائع القائمة بلمسات بيانية تمنح الأَشياء معاني جديدة تتخطى صرامة الوجود المادي.
وحيث يرتكز هذا التشكيل على نظام لغوي مشترك يشبه الساعة في دقة تركيبها، لكون الكلمة لا تكتسب معناها إِلا من خلال علاقتها ببقية الكلمات والقواعد التي اتفقنا عليها جميعاً، فإِن اللغة تغدو شبيهة باللعبة التي يعرف الجميع قوانينها، بيد أن الإِبتعاد عن الصدق يستغل هذه القوانين ذاتها ليعيد ترتيب الكلمات بطريقة توحي بواقع غير موجود، مستفيداً من مرونة هذا النظام الذي يسمح لنا بإِختيار كلمة بدل أخرى لتغيير ملامح الحقيقة أَوْ تلوينها بصبغة جمالية، وبموجب هذا الإِستغلال تصبح علاقة الإِفتراء بالإِنسان متصلة ببراعة لسانية وتقنية فنية تضفي على الكلام بلاغة خاصة، إذ يتحول الإِستعمال اللغوي من صيغته المباشرة إِلى آفاق أرحب تتداخل فيها الحقيقة بالخيال بفضل هذه المرونة في التلاعب بالرموز، علماً أَن ماهية تزييف القول تكمن أساساً في نية الخداع القابعة خلفه، حين قد يعتقد المتحدث أَن رأيه صواب بينما يظل واثقاً بأَن الحقيقة المطلقة ثاوية في صدره وحده ولا يشاركه فيها الآخرون.
في هذا الصدد، تظهر المفارقة الوجودية في أَوجه التشابه العميقة بين ادعاء الصدق وادعاء نقيضه، لكون كِلا المسلكين يشتغل ضمن نسق يحاول إِثبات سلطة المتحدث على الواقع وإعادة صياغته لغوياً، مما يبرز تساؤلاً جوهرياً حول ما إِذا كانت النية وحدها كافية لتمييز هذا السلوك، والحقيقة أَن المقصد القلبي هو المحرك الأَساسي الذي يحتاج دائماً إِلى ميزان يربطه بالواقع.
فقد يغير الإِنسان الحقيقة بنية طيبة ليحمي غيره، وقد يفعل ذلك بنية سيئة ليؤذيهم، وهنا تظهر النية كفارق حقيقي بين فن الكلام وبين الخداع المجرد، ولا يأتي طرحي لهذا الموضوع ليزعم تقديم رؤية جديدة لم يسبق إِليها أَحد، لكون هذه الأَفكار متداولة بكثرة في طيات الفكر الإِنساني، وإِنما غرضي الحقيقي والوحيد هو إِثبات أَن هذا السلوك جزء أَصيل من النسيج البشري، مع كشف آلياته اللغوية التي نمارسها جميعاً دون وعي عميق بها.
من هنا، تتضح لنا حقيقة أَن الخطيئة لا تسكن في الفعل اللغوي ذاته، بل في كيفية توظيفه داخل المنظومة الإِجتماعية، ولذلك يحتاج البشر في تواصلهم المستمر إِلى ما يمكن تسميته بالتجمل الأَخلاقي الذي يسهم في تمتين الروابط الإِنسانية وتلطيف حدة الوقائع الجارحة، وتُعد هذه القدرة على التجاوز والتشكيل صمام أمان للتعايش المشترك، لكونها تمثل محاولة جادة لإعادة الاعتبار للمسكوت عنه في ممارساتنا اليومية.
حيث يصبح الإِبتعاد عن الحقيقة حين يكون تعبيراً صادقاً عن الرغبة في حماية الآخر ممارسة تتسم بالرصانة والمسؤولية، علاوة على ذلك، يمتد هذا المسار اللغوي نحو أَعماق الذات ليتجاوز مجرد التأثير في الآخر، حيث يتحول التمويه إِلى آلية دفاعية ضرورية لصيانة التوازن الداخلي وحماية الكيان من التفتت أَمام حقائق الوجود الصادمة، مما يجعل المسافة الفاصلة بين الذات وما تدعيه تضيق حتى تتلاشى.
وتبرز سلطة المتلقي هنا كطرف خفي في هذا العقد الإِجتماعي غير المكتوب، إذ يقبل المجتمع في صمت هذه اللعبة اللغوية ويغض الطرف عن الزيف من أَجل ضمان سيرورة الحياة وتجنب الصدامات التي قد تنجم عن الصراحة المطلقة، وتكتمل هذه الرؤية بالإِعتراف بنسبية الحقيقة داخل هذا النظام المشترك، فما يوصف بأَنه إِفتراء من وجهة نظر معينة قد لا يعدو كونه تأويلاً مغايراً أَوْ زاوية نظر تفرضها سياقات الوجود، ولعل اللغة لم توجد لتكون أَدواة محايدة بقدر ما وجدت لتكون وسيلة للمراوغة الوجودية وتدبير الفائض من المشاعر والحقائق التي لا يطيق البشر مواجهتها عارية، وهنا تظهر قيمة الصمت كأَحد أَرقى تمثلات الكذب الأَخلاقي، لكونه ليس مجرد غياب للكلام بل هو حجب متعمد للمعلومة وحماية لبلاغة التواصل من السقوط في فخ المباشرة الجارحة.
في ضوء ذلك، يُعد الوعي بضرورة إِخفاء بعض الأَسرار جزءاً أَصيلاً من المسؤولية تجاه النفس وتجاه الآخرين، ويغدو هذا التلاعب الواعي بالرموز والسكوت عن الحقائق ثاوياً في جوهر العيش المشترك، مما يمنحنا القدرة على الإِبتكار اللغوي وسيلة لخلق عوالم موازية تسع أَحلامنا وخيباتنا، وتسمح لنا بإعادة صياغة هويتنا باستمرار بعيداً عن قيود الحقيقة الصلبة التي قد تخنق روح الإِبتكار والجمالية في الكائن البشري، وتظل النية هي المعيار الوحيد الذي يفصل بين الإِستعمال البريء للكلمات وبين التوظيف الذي يهدف إِلى التضليل، مع بقاء هذا السلوك كعنصر يدخل في صميم التعبير الفني والوجودي على حد سواء، الأمر الذي يضعنا أَمام فهم مغاير لطبيعة التواصل البشري.
حيث تذوب الحدود الفاصلة بين ما هو صدق محض وبين ما هو مراوغة تقتضيها ضرورة العيش وجمالية التعبير، ويعني الإِعتراف بالكذب كجزء من بنية اللغة القبول بأَن الحقيقة ليست معطى جاهزاً، بل هي بناء يتم التفاوض عليه باستمرار داخل المجتمع، فإِذا كان هذا التزييف جزءاً يدخل في صميم هويتنا وبلاغتنا، فهل نملك حقاً القدرة على معرفة الحقيقة العارية أَم أَننا مجرد كائنات لغوية محكوم عليها بالعيش داخل أَقنعة لا تنتهي؟
The post الْكَذِبُ ضَرُورَةٌ وُجُودِيَّةٌ.. حِينَ تَصْبَحُ اللُّغَةُ وُجُوداً مُرَاوِغاً appeared first on أنباء إكسبريس.




