القس سامر عازر : تحية إكبار وإجلال لمواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر
•في زمنٍ باتت فيه لغة القوة تطغى على لغة الضمير، وأصوات السلاح تعلو على نداءات السلام، تبرز مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر بوصفها صوتًا أخلاقيًا عالميًا يعيد للإنسان كرامته، وللحق مكانته، وللإيمان...
•فليست القيادة الروحية العظيمة هي التي تجاري موازين القوى، بل التي تنتصر للحق مهما بلغت التحديات، وتدافع عن الإنسان أيًا كان دينه أو قوميته أو انتماؤه.
•لقد اتسمت مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر بجرأة روحية وأخلاقية لافتة، عندما رفض بصورة واضحة إضفاء أي قداسة على الحروب، مؤكدًا أن الله لا يُستدعى لتبرير العنف، وأن الدين لا يجوز أن يتحول إلى غطاء لل...
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
في زمنٍ باتت فيه لغة القوة تطغى على لغة الضمير، وأصوات السلاح تعلو على نداءات السلام، تبرز مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر بوصفها صوتًا أخلاقيًا عالميًا يعيد للإنسان كرامته، وللحق مكانته، وللإيمان رسالته الأصيلة. فليست القيادة الروحية العظيمة هي التي تجاري موازين القوى، بل التي تنتصر للحق مهما بلغت التحديات، وتدافع عن الإنسان أيًا كان دينه أو قوميته أو انتماؤه.
لقد اتسمت مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر بجرأة روحية وأخلاقية لافتة، عندما رفض بصورة واضحة إضفاء أي قداسة على الحروب، مؤكدًا أن الله لا يُستدعى لتبرير العنف، وأن الدين لا يجوز أن يتحول إلى غطاء للقتل والدمار. فالحروب ليست مقدسة، ولا يمكن أن تكون كذلك، لأن الله هو إله الحياة لا الموت، وإله المحبة لا الكراهية، وإله السلام لا الحروب. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يصيب البشرية هو استخدام اسم الله لتبرير سفك الدماء، أو تحويل النصوص الدينية إلى أدوات للصراع والهيمنة.
إن اسم الله لا يُستعار لتبرير الحروب، لأن كل اعتداء على الإنسان هو اعتداء على الصورة الإلهية التي يحملها. فالإنسان، بحسب الإيمان المسيحي، مخلوق على صورة الله ومثاله، ولذلك فإن كل رصاصة تقتل بريئًا، وكل صاروخ يدمر بيتًا، وكل تجويع لطفل، وكل تهجير لعائلة، هو انتهاك لكرامة الإنسان التي أرادها الله مقدسة. ومن هنا فإن نزع صفة القداسة عن الحروب هو إعلان لاهوتي يعيد الله إلى مكانه الصحيح، ويمنع استغلال اسمه لتبرير العنف والقتل، ويؤكد أن الإيمان الحقيقي هو الذي يصنع السلام، لا الذي يبارك الحروب.
لقد حمل الكرسي الرسولي رسالة الدفاع عن كرامة الإنسان، وواصل في عهد البابا لاون الرابع عشر هذا النهج الأصيل، من خلال موقفه المشرف في دعم صمود الشعب الفلسطيني، والدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وسائر الأراضي المقدسة. كما أكد باستمرار أن انشغال العالم بأزمات أخرى، بما فيها الحروب الإقليمية، يجب ألا يصرف الأنظار عن المأساة المستمرة في فلسطين، ولا عن القدس التي تبقى قلب القضية ورمزها الروحي والإنساني.
إن السلام الحقيقي لا يقوم على موازين القوة، بل على العدالة. فالسلام الذي لا يقوم على العدالة يبقى هدنة مؤقتة، أما العدالة فهي وحدها التي تفتح الطريق أمام مصالحة حقيقية ومستقبل آمن لجميع شعوب المنطقة. ولذلك كان موقف الفاتيكان ثابتًا في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والدعوة إلى تطبيق مبدأ حل الدولتين، بما يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل، وتكون القدس الشرقية عاصمة لها، بما ينسجم مع الشرعية الدولية ويحفظ الحقوق التاريخية والدينية لجميع أبنائها.
كما يثمّن المسيحيون في الأردن وفلسطين وسائر المنطقة الدعم الواضح الذي يقدمه الكرسي الرسولي للوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، تلك الوصاية التي أثبتت عبر العقود أنها صمام أمان لحماية هوية المدينة المقدسة، وصون مقدساتها، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها، بعيدًا عن محاولات التهويد أو تغيير معالمها الدينية والحضارية.
ولم يقتصر اهتمام الفاتيكان على الحجر، بل امتد إلى الإنسان، إذ يواصل جهوده في تثبيت الوجود المسيحي في المشرق العربي، ولا سيما في القدس وفلسطين، إدراكًا منه أن العرب المسيحيين ليسوا ضيوفًا في هذه الأرض، بل هم أبناء أصيلون فيها، وجذورهم تمتد إلى فجر المسيحية الأولى. فالحفاظ على هذا الوجود هو حفاظ على هوية الأرض المقدسة ورسالتها الجامعة.
وفي هذا السياق، يستحِّقُ الدعمُ المتواصل الذي يقدمه الكرسي الرسولي للمؤسسات الكنسية التربوية والطبية والثقافية والخيرية كل تقدير، إذ تواصل الكنائس، والمستشفيات، ومؤسسة كاريتاس، والمدارس، والمراكز الإنسانية والثقافية، رسالتها في خدمة الإنسان دون تمييز، لتكون شاهدًا حيًا على محبة الله التي تتجسد في العمل والخدمة والعطاء.
ومن أكثر المواقف الإنسانية تأثيرًا تلك المناشدات المتكررة التي أطلقها البابا لاون لوقف الحرب في غزة، وما رافقها من مآسٍ إنسانية جسيمة، والدعوة إلى حماية المدنيين، وإدخال المساعدات الإنسانية، وإنقاذ الأطفال والمرضى والجوعى. كما عبّر عن اهتمامه العميق بأبناء غزة، مسيحيين ومسلمين، الذين وجد كثير منهم ملاذًا في كنيسة العائلة المقدسة، وكنيسة القديس بورفيريوس، والمستشفى الأهلي العربي (المعمداني)، حيث تجلت أسمى معاني التضامن الإنساني والإيمان العملي وسط أهوال الحرب.
وفي الإطار ذاته، شكّلت الزيارات الرعوية والإنسانية التي قام بها غبطة البطريرك الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا إلى غزة، برفقة غبطة البطريرك ثيوفيلوس الثالث، علامة مضيئة في تاريخ الكنيسة في الأرض المقدسة، ورسالة واضحة بأن الرعاة لا يتركون شعبهم في أوقات الشدة. وقد جاءت هذه الزيارة بدعم سياسي ودبلوماسي من الكرسي الرسولي، لتؤكد أن الكنيسة لا تكتفي بإطلاق البيانات، بل تحضر إلى جانب المتألمين، وتشاطرهم آلامهم ورجاءهم.
وعلى الصعيد الأردني، فإننا نعتز بالعلاقات الدبلوماسية المتميزة التي تجمع المملكة الأردنية الهاشمية بالكرسي الرسولي، وهي علاقات قامت على الاحترام المتبادل، وخدمة الإنسان، وتعزيز الحوار الديني، وحوار الحضارات، والدفاع عن قيم السلام والاعتدال والعيش المشترك. وقد أسهم هذا التعاون في ترسيخ مكانة الأردن العالمية بوصفه نموذجًا في حماية الحريات الدينية وتعزيز الوئام بين أتباع الديانات.
كما نعتز بالدور الذي أسهم فيه الفاتيكان في تعزيز مكانة الأردن على خريطة الحج المسيحي العالمية، من خلال الاعتراف بمواقع الحج المسيحي الخمسة، وفي مقدمتها موقع عماد السيد المسيح (المغطس)، بيت عنيا عبر الأردن، شرقي النهر المقدس، إلى جانب المواقع الأردنية الأخرى التي تشهد على غنى التراث المسيحي في هذه الأرض المباركة، بما جعل الأردن مقصدًا للحجاج من مختلف أنحاء العالم.
ويفخر الأردن أيضًا باستقباله أربعة بابوات عبر تاريخه الحديث، منذ الزيارة التاريخية الأولى للبابا بولس السادس عام ١٩٦٤، مرورًا بزيارات البابا يوحنا بولس الثاني عام ٢٠٠٠، والبابا بندكتس السادس عشر عام ٢٠٠٩، والبابا فرنسيس عام ٢٠١٤، وهي زيارات أكدت المكانة الروحية والتاريخية للأردن، ورسخت حضوره بوصفه أرضًا مقدسة وحاضنة للحوار والسلام.
ونتطلع برجاء إلى أن يتشرف الأردن بزيارة خامسة لقداسة البابا لاون الرابع عشر، ولا سيما ونحن نقترب من عام ٢٠٣٠، حيث تستعد المملكة رسميًا وكنسيًا وشعبيًا للاحتفال بالذكرى الألفين لعماد السيد المسيح على يد النبي يوحنا المعمدان في بيت عنيا عبر الأردن، وهو حدث إيماني وتاريخي وإنساني بالغ الأهمية للعالم المسيحي أجمع.
إن العالم اليوم بحاجة إلى قيادات دينية تمتلك شجاعة الضمير أكثر من امتلاكها نفوذ السياسة، لأن صوت الضمير يبقى أقوى من هدير المدافع، وكلمة الحق أبقى من كل مظاهر القوة العسكرية. وهذا ما تجسده مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر، التي أعادت التأكيد أن رسالة الكنيسة هي أن تكون صوتًا للمظلومين، وجسرًا للمصالحة، ورسولًا للرجاء.
إننا في الأردن، مسيحيين ومسلمين، نثمّن عاليًا المواقف الجريئة والشجاعة لقداسة البابا لاون الرابع عشر، في عالم بات يمجد القوة والتفوق العسكري أكثر مما يمجد العدالة والرحمة. ونقدِّر صوتَه النبوي الذي يدعو إلى السلام العالمي، والوئام الديني، والحوار الصادق بين الأديان، وترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية، والدفاع عن القضية الفلسطينية، ودعم الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
إن التاريخ لا يخلّد أصحاب النفوذ، بل أصحاب المبادئ والمواقف. وستبقى المواقف الأخلاقية الشجاعة التي ينتصر فيها الإنسان لأخيه الإنسان هي النور الذي يهدي البشرية في أحلك الظروف. فعندما تتكلم الكنيسة بصوت العدالة، وتدافع عن المظلوم، وتحمي كرامة الإنسان، فإنها تكون أمينة لرسالة المسيح، رئيس السلام، الذي أعلن: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" . وهكذا تبقى الكنيسة شاهدةً للحق، لا شريكةً في تبرير الحروب، ورسولةً للرجاء، لا مبررةً للعنف، لأن رسالة المسيح كانت وستبقى رسالة حياة وسلام ومحبة.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.



