القس سامر عازر : أسعد شعور إنساني..
•منذ فجر التاريخ، والإنسان يحلم بامتلاك ما يظن أنه سيمنحه السعادة.
•يسعى إلى المال، ويجتهد في جمع الممتلكات، ويخطط لمستقبل يعتقد أن وفرة المادة فيه كفيلة بتحقيق أحلامه وطموحاته.
•حتى بات هاجس الامتلاك وتكديس الثروة مرضًا خفيًا يسكن قلوب غالبية سكان الأرض، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بما يملك لا بما يكون.
هذا الخبر من أخبارنا. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: أخبارنا | Source: أخبارنا![]()
منذ فجر التاريخ، والإنسان يحلم بامتلاك ما يظن أنه سيمنحه السعادة. يسعى إلى المال، ويجتهد في جمع الممتلكات، ويخطط لمستقبل يعتقد أن وفرة المادة فيه كفيلة بتحقيق أحلامه وطموحاته. حتى بات هاجس الامتلاك وتكديس الثروة مرضًا خفيًا يسكن قلوب غالبية سكان الأرض، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بما يملك لا بما يكون.
غير أن خبرة الحياة، وتجارب الحكماء، وشهادة التاريخ، تؤكد جميعها حقيقة واحدة: إن المادة تستطيع أن توفر وسائل الراحة، لكنها تعجز عن أن تصنع راحة القلب. وقد عبّر الفيلسوف الرواقي سينيكا عن هذه الحقيقة عندما رأى أن الغني ليس من يملك الكثير، بل من يحتاج إلى القليل. أما الطبيب وعالم النفس فيكتور فرانكل، الذي خبر أقسى ظروف الاعتقال، فقد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يحتمل الألم إذا وجد معنى لحياته، وأن السعادة ثمرة لحياة ذات قيمة، لا لحياة مملوءة بالمقتنيات.
ومع تقدم العمر، يبدأ شريط الحياة بالمرور أمام أعيننا، فنكتشف أن أكثر الذكريات إشراقًا ليست تلك التي امتلكنا فيها شيئًا، بل تلك التي كنا فيها سببًا لخير إنسان، أو بلسمًا لجرح متألم، أو يدًا امتدت لتعين محتاجًا، أو كلمة رفعت معنويات يائس.
إن أسعد لحظات العمر ليست عندما نزداد رصيدًا في البنك، بل عندما نتيقن أننا لم نظلم أحدًا، ولم نغتصب حقًا، ولم نخدع إنسانًا، ولم نأكل مالًا بغير حق، ولم نقتل حلم شاب، ولم نكن حجر عثرة في طريق طموح أحد، ولم نستغل موقعًا أو سلطة لتحقيق منفعة شخصية على حساب الآخرين. بل على العكس، عندما يفوح سجل حياتنا برائحة العطاء والخدمة والمحبة والنزاهة والأمانة.
وما أجمل أن يصل الإنسان إلى محطة متقدمة من عمره، فينظر إلى ماضيه دون أن يخجل منه، وأن يتذكره الناس بكل احترام وتقدير. فليست العبرة فيما يُكتب على شواهد القبور، بل فيما يُكتب في قلوب البشر. وأعظم ميراث يتركه الإنسان ليس المال، بل السيرة الطيبة والضمير النقي والأثر المبارك.
لقد قال الفيلسوف سقراط: "الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش." وهي دعوة إلى مراجعة الذات باستمرار، لا إلى جلدها. كما دعا القديس أوغسطينوس الإنسان إلى أن يعود إلى أعماق قلبه، لأن الحقيقة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الخارج. أما الكتاب المقدس فيدعونا إلى محاسبة النفس قبل أن نقف أمام الله: «لِنَمْتَحِنْ طُرُقَنَا وَنَفْحَصْهَا، وَنَرْجِعْ إِلَى الرَّبِّ» (مراثي ٣: ٤٠).
إن صفاء الضمير ليس شعورًا عابرًا، بل هو ثمرة حياة مستقيمة. فالضمير هو المحكمة التي لا يمكن للإنسان أن يهرب منها، وهو الصوت الذي قد يهدأ حينًا، لكنه لا يموت. فإذا افتقد الإنسان سلام الضمير، فارق النوم جفونه، وأقلقه الخوف، ولاحقه الندم، لأن الإنسان يستطيع أن يخدع الناس، لكنه لا يستطيع أن يخدع ضميره، ولا أن يخدع الله.
لذلك فإن أسعد شعور إنساني هو راحة الضمير. راحة من يعلم أنه ردَّ الحقوق إلى أصحابها، وسدد ما عليه من ديون، وأدى واجباته بأمانة، وتحمل مسؤولياته بشجاعة، ورفع ظلمًا حيث استطاع، وجبر خاطرًا مكسورًا، واعتذر عندما أخطأ، وسامح عندما أُسيء إليه، وترك خلفه أثرًا من الخير أكثر مما ترك من الكلام.
وقبل أن يحاسبنا الله، فلنحاسب أنفسنا. وقبل أن نفتش عن أخطاء الآخرين، فلنفتش عن عيوبنا. وقبل أن نطالب الناس بالعدل، فلنكن عادلين. فالدينونة تبدأ من ضمائرنا قبل أن تكون أمام الديان العادل.
إن عذاب الضمير اليوم، مهما كان مؤلمًا، يظل أخف وأهون من عذاب ضمير يأتي بعد فوات الأوان، عندما لا يعود هناك مجال للاعتذار، ولا فرصة لإصلاح ما أفسدناه، ولا وقت لرد المظالم إلى أصحابها.
فلنجعل من كل مساء محطة مراجعة، ومن كل صباح بداية جديدة، حتى إذا مر شريط العمر أمام أعيننا في آخر الطريق، استطعنا أن نشكر الله على حياة، ربما لم تكن كاملة، لكنها كانت أمينة، نظيفة، ومثمرة بالمحبة والحق والخير.
فراحة الضمير... هي حقًا أسعد شعور إنساني.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة أخبارنا. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by أخبارنا. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.


