أطلقت الحكومة المصرية مبادرة "القرية المنتجة"، التي تستهدف تحويل قرى مصرية إلى مراكز للإنتاج الصناعي وتوفير وظائف مستدامة للشباب والنساء في المناطق الريفية.
ويعكس هذا التوجه تحولا مهما نحو التعامل مع الهجرة من زاوية اقتصادية وتنموية، لكن نجاحه سيعتمد على قدرته على توفير وظائف مستقرة ومداخيل مجدية فعليا في المناطق المستهدفة، لا مجرد إقامة مشروعات إنتاجية. كما أن المبادرة تأتي ضمن مقاربة أوسع لمكافحة الهجرة غير النظامية وتشمل الرقابة على الحدود والتعاون الدولي والتوعية وتوفير مسارات عمل نظامية.
مع ذلك، تظل التساؤلات قائمة في شأن قدرة هذه الخطة على إقناع المواطنين، ولا سيما في المناطق الريفية الأشد تهميشا، بالعزوف عن المخاطرة بحياتهم بحثا عن فرص أفضل في الخارج، وخصوصا في أوروبا.
وتركز الاستراتيجيا الجديدة، التي تلعب فيها وزارة الصناعة دورا محوريا، على توفير فرص العمل في المناطق الريفية النائية، أملا في إحياء الطموح لدى ملايين المصريين الذين يعيشون خارج المراكز الحضرية الكبرى.
يرى مراقبون أن هذا الخلل أسهم في موجات نزوح داخلية واسعة، تركت آثارا سلبية في الاقتصاد، وأحدثت تحولات ديمغرافية، وفاقمت مشكلات اجتماعية عميقة
وقال وزير الصناعة خالد هاشم إنه تسلم قائمة بالمحافظات الأكثر طردا للسكان، وتلك التي يسعى عدد كبير من شبابها إلى الهجرة غير النظامية، وبدأت دراسة الموارد والإمكانات المتاحة في كل منها تمهيدا لإقامة مشروعات صناعية توفر فرص عمل محلية.
وأضاف أن الوزارة بدأت دراسة إمكانات المحافظات والمناطق المستهدفة ونقاط قوتها ومواردها المحلية ومزاياها التنافسية، تمهيدا لوضع مشروعات صناعية تتناسب مع طبيعة كل منطقة ومقوماتها الإنتاجية. ومن المقرر طرح هذه المشروعات على القطاع الخاص لتشغيلها وإدارتها، مع التركيز على قطاعات تشمل الصناعات النسيجية والغذائية والنباتات الطبية والعطرية، بما في ذلك إنتاج الزيوت العطرية والعطور ومنتجات وسيطة تدخل في صناعات أخرى.
ويستهدف المشروع، بحسب هاشم، توفير فرص عمل بالقرب من أماكن إقامة المواطنين، بما يسهم في الحد من الهجرة غير الشرعية والنزوح إلى المدن.
تنمية غير متكافئة
على مدى عقود، عانت مصر من اختلالات في توزيع التنمية وفرص العمل والاستثمار بين المحافظات، مما ترك بعض المناطق الريفية والأقل اتصالا بالمراكز الاقتصادية الكبرى أمام فرص محدودة، وأصبح أحد العوامل التي تدفع بعض السكان إلى البحث عن بدائل خارج مناطقهم، بما في ذلك الهجرة. ففي خطة 2024/2025، حصلت القاهرة وحدها على 100.5 مليار جنيه (2 مليار دولار) من الاستثمارات العامة، بما يعادل 21 في المئة من إجمالي الاستثمارات العامة الموزعة على المحافظات، على الرغم من أن سكانها يمثلون نحو 9.7 في المئة من إجمالي السكان. وفي المقابل، خُصصت 14 في المئة فقط من الاستثمارات العامة لمحافظات الصعيد ككل.

وتظهر الفجوة بصورة أوضح في مؤشرات الفقر، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن صعيد مصر، الذي يضم نحو 38 في المئة من سكان البلاد، كان يضم 67 في المئة من فقرائها، فيما بلغ معدل الفقر في الصعيد 35.8 في المئة مقابل 20.5 في المئة على مستوى مصر في البيانات التي استند إليها البنك. وكان الفقر في المناطق الريفية بالصعيد أعلى بنحو ثلاثة أضعاف منه في المناطق الحضرية.
ويرى مراقبون أن هذا الخلل أسهم في موجات نزوح داخلية واسعة، تركت آثارا سلبية في الاقتصاد، وأحدثت تحولات ديمغرافية، وفاقمت مشكلات اجتماعية عميقة.
تقدر وزارة العمل نطاق العمالة المصرية التي تغطيها مكاتب التمثيل العمالي في الخارج بنحو 5 ملايين عامل. وفي المقابل، أصبحت تحويلات المصريين العاملين في الخارج موردا رئيسا للعملة الأجنبية، إذ سجلت مستوى قياسيا بلغ 41.5 مليار دولار خلال 2025
وقال سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة: "غادر الناس الريف إلى المدن، ولا سيما القاهرة، لأن معظم الأنشطة الاقتصادية والتجارية تتركز في العاصمة".
وأضاف في حديثه إلى "المجلة" أن القاهرة تمتعت بوفرة نسبية في الخدمات، في وقت عانى الريف المصري نقصا حادا فيها، مما دفع أعدادا كبيرة من السكان إلى الهجرة نحو العاصمة بحثا عن فرص أفضل وأجور أعلى.
وأدى هذا النزوح المتواصل إلى إضعاف عدد من الأنشطة الاقتصادية الحيوية في الريف، وفي مقدمتها الزراعة. وأسهم ذلك في تفاقم أزمة الغذاء في مصر، مع ارتفاع واردات السلع الغذائية وتضخم فاتورة الاستيراد إلى مستويات ترهق الموازنة العامة وتستنزف احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية.
ولم تقتصر حركة الهجرة المصرية على الداخل، إذ يتجه مئات الآلاف من المصريين سنويا إلى سوق العمل في الخارج بحثا عن فرص أفضل. ففي عام 2021 وحده، أصدرت السلطات المصرية 883 ألف تصريح عمل للمصريين في الخارج، بينها 467 ألف تصريح للمرة الأولى.

وسلك ملايين المصريين أيضا قنوات قانونية للعمل في الخارج، ولا سيما في دول الخليج الغنية بالنفط، التي تستضيف نسبة كبيرة من العمالة المصرية. وتقدر وزارة العمل نطاق العمالة المصرية التي تغطيها مكاتب التمثيل العمالي في الخارج بنحو 5 ملايين عامل. وفي المقابل، أصبحت تحويلات المصريين العاملين بالخارج موردا رئيسا للعملة الأجنبية، إذ سجلت مستوى قياسيا بلغ 41.5 مليار دولار خلال 2025، مقارنة بنحو 29.6 مليار دولار في 2024.
في المقابل، خاض آلاف المصريين رحلات خطرة عبر البحر المتوسط للوصول إلى أوروبا، لتظهر مصر بانتظام بين أبرز جنسيات الوافدين عبر مسارات الهجرة غير النظامية. ففي عام 2025، وصل 17,451 مصريا إلى أوروبا برا وبحرا عبر هذه المسارات، بزيادة 50 في المئة عن العام السابق، وكان نحو 52 في المئة منهم عبر مسار وسط البحر المتوسط، خصوصا إلى إيطاليا، و47 في المئة عبر مسار شرق المتوسط، خصوصا إلى اليونان.
أظهرت مصر فعالية واضحة في الحد من المغادرة البحرية غير النظامية من سواحلها، إذ تشير المفوضية الأوروبية إلى أن عدد المغادرات غير النظامية من مصر إلى أوروبا انخفض من 12,766 في 2016 إلى 79 فقط في 2017
وتقع مصر كذلك عند تقاطع مسارات الهجرة بين الشرق الأوسط وشرق أفريقيا وأوروبا، مما جعلها بلدا رئيسا للعبور والمقصد ضمن حركات الهجرة المختلطة، بمن فيها مهاجرون يسعون إلى مواصلة رحلتهم نحو أوروبا. وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن مصر تستضيف أكثر من 6 ملايين مهاجر دولي.
إدارة الهجرة بسياسة مرنة
بذلت مصر جهودا مكثفة للحد من الهجرة غير النظامية المنطلقة من أراضيها إلى أوروبا، ولا سيما عبر البحر المتوسط، وهو ما عزز أهمية التعاون المصري-الأوروبي في ملف الهجرة. وفي مارس/آذار 2024، أطلق الاتحاد الأوروبي ومصر شراكة استراتيجية وشاملة مدعومة بحزمة مالية واستثمارية تبلغ 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027، تشمل 5 مليارات يورو في شكل قروض للمساعدة المالية الكلية، و1.8 مليار يورو لاستثمارات إضافية، و600 مليون يورو من المنح، بينها 200 مليون يورو مخصصة لإدارة الهجرة. ولا تقتصر الحزمة على ملف الهجرة، بل تشمل أيضا الاستقرار الاقتصادي والاستثمار والتجارة والأمن والتنمية البشرية.

ويستند جانب من أهمية مصر بالنسبة إلى أوروبا إلى دورها في إدارة تدفقات الهجرة، إلى جانب موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي ومساهمتها في الاستقرار. وقد أدرج الاتحاد الأوروبي الهجرة والتنقل والأمن ضمن المحاور الستة للشراكة الاستراتيجية مع القاهرة.
وأظهرت مصر فعالية واضحة في الحد من المغادرة البحرية غير النظامية من سواحلها، إذ تشير المفوضية الأوروبية إلى أن عدد المغادرات غير النظامية من مصر إلى أوروبا انخفض من 12,766 في 2016 إلى 79 فقط في 2017. كما تؤكد المفوضية أن مغادرة "قوارب الموت" التي تقل مهاجرين غير نظاميين من السواحل المصرية عبر البحر المتوسط توقفت عمليا منذ سبتمبر/أيلول 2016.
وتؤكد وزارة الخارجية المصرية بدورها أن جهود ضبط الحدود حالت دون انطلاق محاولات الهجرة غير النظامية من سواحلها الشمالية منذ سبتمبر/أيلول 2016، مع استمرار التعاون مع الاتحاد الأوروبي لتعزيز قدرات خفر السواحل وحرس الحدود في مراقبة الحدود والبحث والإنقاذ.
يرى مختصون أن نجاح الخطة قد يعزز الإنتاج الزراعي في مصر، أو يحافظ على مستوياته الحالية على الأقل، بما يسهم في كبح اتساع الفجوة الغذائية وحماية احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية من الاستنزاف الناجم عن استيراد الغذاء
كما أن مصر تعمل على معالجة الأسباب الكامنة وراء الهجرة، وفي مقدمتها ضعف التنمية وقلة الفرص في المناطق الريفية.
ويرى مراقبون أن هذه السياسات أسهمت في خفض أعداد المصريين الذين يخوضون رحلات محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا. وقال رخا أحمد، الديبلوماسي المتقاعد وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ"المجلة": "كان للسياسات الوطنية الرامية إلى خلق فرص العمل والحد من الفقر دور فعال في تقليص أعداد المهاجرين غير النظاميين".
ودعا السلطات إلى مواصلة جهودها للحد من الهجرة غير النظامية والتصدي لجذورها. وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب معالجة الأسباب الاقتصادية للظاهرة، وتأهيل الشباب للاندماج في أسواق العمل الخارجية، بما يتيح لهم فرصا قانونية وآمنة للعمل في الخارج.

وشملت الجهود المصرية مجموعة واسعة من المبادرات الهادفة إلى زيادة الوعي بمخاطر الهجرة غير النظامية. بالتوازي مع ذلك، أطلقت الدولة مشروعات واسعة لتنمية الريف وتوسيع النشاط الزراعي والإنتاجي، شملت البنية التحتية والخدمات والاستزراع السمكي واستصلاح الأراضي. وتضم المرحلة الأولى من مبادرة "حياة كريمة" نحو 23 ألف مشروع في 1,500 قرية يستفيد منها 18 مليون شخص، بتكلفة تتجاوز 350 مليار جنيه (6.97 مليار دولار).
كما تستهدف المشروعات القومية للتنمية الزراعية إضافة نحو 3 ملايين فدان إلى الرقعة الزراعية في الأراضي الجديدة، فيما تمتلك مصر نحو 7,500 مزرعة سمكية نشطة، بينها مشروعات كبرى مثل "الفيروز" و"غليون".
وساعدت هذه الإجراءات في خفض أعداد من يخاطرون بخوض الرحلات البحرية إلى أوروبا، وهي رحلات كثيرا ما تفضي إلى الغرق وفقدان الأرواح.
التحديات
يسلك جزء كبير من المهاجرين المصريين المتجهين إلى أوروبا مسار وسط البحر المتوسط، الذي ينطلق كثيرا من ليبيا نحو إيطاليا، بينما يستخدم آخرون مسار شرق المتوسط عبر ليبيا أو دول أخرى وصولا إلى اليونان. وتلعب شبكات تهريب المهاجرين دورا في تنظيم هذه الرحلات، التي قد تبدأ بعبور الحدود المصرية-الليبية بطرق غير نظامية ثم الانتقال بحرا إلى أوروبا.
ويختار آخرون طريق شرق البحر الأبيض المتوسط، الذي يبدأ عادة بالوصول إلى اليونان، ومنها إلى دول أوروبية مجاورة. غير أن وزارة الصناعة تراهن على خطتها الجديدة للحد من هذه الظاهرة ومعالجة أسبابها الأساس.
وبحسب وزير الصناعة خالد هاشم، تستعد مبادرة "القرية المنتجة" لإطلاق مشروعات تجريبية في المنيا والبحيرة، وهما محافظتان شهدتا مستويات مرتفعة من الفقر، ولا سيما المنيا التي سجل معدل الفقر فيها نحو 55 في المئة في بيانات 2018.
ويرى مختصون أن نجاح الخطة قد يعزز الإنتاج الزراعي في مصر، أو يحافظ على مستوياته الحالية على الأقل، بما يسهم في كبح اتساع الفجوة الغذائية وحماية احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية من الاستنزاف الناجم عن استيراد الغذاء. كما قد يسهم في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي، وخصوصا في المناطق الريفية، والحد من النزوح من القرى إلى المدن.
إلا أن خبراء يحذرون من أن تحويل الخطة إلى واقع عملي سيكون أكثر صعوبة من صوغها على الورق. وتعتمد المبادرة بدرجة كبيرة على القطاع الخاص.
وأوضحت وزارة الزراعة المصرية أن القطاع الخاص سيكون "الشريك الرئيس" في إقامة وتشغيل المشروعات الصناعية داخل القرى، وأن وزارة الصناعة ستنسق مع اتحاد الصناعات لتحديد المستثمرين والكيانات القادرة على المشاركة، مع مواءمة المشروعات مع الموارد والمزايا النسبية لكل قرية. بينما توفر الدولة الأراضي والمباني اللازمة.
أعتقد أن عددا محدودا من المستثمرين سيكون مستعدا لتوجيه أمواله نحو مشروعات تخدم التنمية
رشاد عبدو، خبير اقتصادي
لكن نجاح هذا النموذج سيعتمد على قدرة الحكومة على توفير المرافق والبنية الأساس، وجذب مستثمرين قادرين على تشغيل المشروعات بكفاءة، وضمان جدوى الأنشطة المختارة وفق موارد كل قرية ومزاياها التنافسية.
فالشركات تعطي الربحية في العادة أولوية تتقدم على أهداف التنمية المستدامة. وقال الخبير الاقتصادي رشاد عبدو لـ"المجلة": "أعتقد أن عددا محدودا من المستثمرين سيكون مستعدا لتوجيه أمواله نحو مشروعات تخدم التنمية"، وتساءل: "لماذا يترك المستثمر منطقة صناعية مجهزة بجميع الخدمات اللازمة لإقامة مصنع، ويتجه إلى منطقة ريفية نائية؟"

ودعا إلى أن تتولى الحكومة رعاية تنفيذ الخطة، بدلا من تركها رهنا بقرارات القطاع الخاص.
ويرى خبراء أن التحدي يتجاوز جذب الاستثمارات إلى ضرورة ربط المشروعات المزمع إطلاقها في المناطق الأقل نموا بالأسواق المحلية وأسواق التصدير.
ويحذرون من أن الإخفاق في بناء هذه الروابط قد يهدد استمرارية المشروعات وقدرتها على الصمود على المدى البعيد. كما يتطلب التنفيذ تنسيقا وثيقا بين وزارة الصناعة وسائر الوزارات والمؤسسات والجهات الحكومية المعنية.
ويبقى السؤال معلقا حول قدرة الوزارة على تجاوز هذه العقبات وتحويل الخطة إلى مسار تنموي قادر على إحياء الريف، وخلق فرص العمل، وإبعاد الشباب عن طرق الهجرة الخطرة.






