تثير اللوائح الجهوية المخصصة للنساء “زوابع” داخل الأحزاب السياسية في كل محطة انتخابية. والسبب هو تغييب معايير الاستحقاق والكفاءة والتاريخ النضالي والالتزام السياسي، في مقابل الاعتماد على الزبونية والعلاقات الشخصية والمحاباة.
جمال بورفيسي
في الوقت الذي تم فيه إقرار آلية الكوطا النسائية منذ 2002، بهدف نبيل يتمثل في ضمان الحد الأدنى من التمثيلية النسائية في مجلس النواب، إلا أن عددا من مسؤولي الأحزاب السياسية حولوا هذه الآلية إلى وسيلة للريع الانتخابي، من خلال تسهيل مأمورية الوصول إلى القبة أمام الزوجات والشقيقات والأقارب .
والنتيجة أن الكثير من المناضلات داخل الأحزاب يتم إقصاؤهن لفائدة أسماء يتم فرضها خارج معيار الاستحقاق.
وبسبب “المشاكل” التي تثيرها اللوائح الجهوية، تتعامل عدد من الأحزاب السياسية بحذر شديد مع الترشيحات النسائية وترتيبهن في اللوائح.
ويتم التكتم لأطول فترة ممكنة عن الأسماء المرشحة خوفا من “التبعات”..
ويأتي هذا التكتم في سياق انتخابي يتميز بتنامي الانتقادات الموجهة للقيادات الحزبية بسبب ضعف حجم الترشيحات النسائية في اللوائح المحلية، وهو ما يجعل كل آمال المناضلات مُنصبا حول اللوائح الجهوية للظفر بمقعد نيابي.
وتضم اللوائح الجهوية أسماء مقربة من دوائر القرار الحزبي، وهو ما يثير استياء شديدا داخل التنظيمات الحزبية، ويقود في الكثير من الأحيان إلى موجة من الانسحابات..
الأمر يتكرر مع كل موعد انتخابي..
السؤال الذي تطرحه مسألة الكوطا النسائية هو كيف تحولت من آلية ظرفية استثنائية تم إحداثها لضمان تمثيلية النساء في البرلمان، إلى قاعدة قارة ” دائمة” تتنافس حولها أسماء المقربين من القيادات الحزبية بعيدا عن معيار الاستحقاق ؟ وكيف تم تحريف الهدف النبيل للكوطا وتبخيسها لتصبح آلية لضمان الريع الانتخابي؟
ورغم أن نظام “الكوطا” لم يؤت ثماره، ولم يُسفر عن تعزيز وجود نسائي حقيقي وفعال في البرلمان، بغض النظر عن مساهمته في رفع عدد البرلمانيات بمجلس النواب، إلا أنه يتواصل العمل به بمضامين وأهداف غير تلك التي رُصدت له .
دراسة سابقة نُشرت في مجلة “قراءات علمية في الأبحاث والدراسات”، أشارت إلى أن “الكوطا” وإن نجحت في ضمان وجود نساء برلمانيات تحت القبة، إلا أنها لم تُسهم في صناعة نخبة نسائية قادرة على التنافس الانتخابي في الدوائر المحلية ونيل مقاعد نيابية.
وأضافت الدراسة المعنونة بـ“سؤال تحقيق المناصفة بمجلس النواب بعد ما يقارب عقد ونصف العقد من تطبيق دستور 2011″ ، إلى أنه من ضمن معيقات تشكيل تخب نسائية في البرلمان ، منح الأسماء المرشحة في اللائحة الوطنية(الجهوية)، فرصة واحدة للوصول إلى البرلمان ، وحرمانهن من العودة إلى البرلمان عبر الآلية نفسها، أي آلية الكوطا، وهو ما يعرقل مسارهن البرلماني، ويضع حدا لطموحهن في مواصلة العمل السياسي من داخل المؤسسة التشريعية.
وبما أن الأحزاب السياسية ترشح الذكور أكثر من النساء في الدوائر المحلية، فإن مشاركة النساء في التنافس الانتخابي يظل محدودا جدا، وهو ما يفسر الحضور الضعيف للنساء اللواتي ينجحن في الانتخابات برسم الدوائر المحلية، مما يكرس محدودية أثر ” الكوطا” في صناعة نخب نسائية برلمانية حقيقية وفعالة وبصفة متواصلة.
و من ضمن العوامل التي تشكل عائقا أمام صناعة نخب نسائية قادرة على الفوز في الدوائر المحلية، وفق المصدر نفسه، استمرار هيمنة العقلية الذكورية في المجتمع، ووجود عائق سوسيو ثقافي” المتمثل في الأدوار النمطية لكل من المرأة والرجل التي تربط دور المرأة الأساسي بالعمل في المنزل؛ مما يفرض عليها حِملا مزدوجا في التوفيق بين مسؤولياتها المهنية وواجباتها كأم وزوجة، بينما تفرض عليها المشاركة في العمل السياسي عبئا إضافيا، في ظل غياب البيئة الداعمة”.
يشار إلى أنه تم تطبيق نظام الكوطا لأول مرة في المغرب خلال انتخابات 2002 لتخصيص 30 مقعدًا للنساء في مجلس النواب. وفي عام 2011، تم رفع هذا العدد إلى 60 مقعدًا لزيادة تمثيل النساء في المؤسسة التشريعية.
واليوم حان وقت تقييم هذا النظام ومردوديته ومراجعته.. وإلا فإننا سنصبح أمام لعبة عبثية يتم فيها التركيز على العملية الانتخابية يمنطق المصالح الضيقة والريع، عوض الإسهام في تكوين نخب حقيقية تعطي قيمة مضافة للعمل البرلماني والسياسي.



