قد تبدو الكونتيسة دو سيغور، مؤلّفة "مصائب صوفيا"، أنها غابت إلى حدّ ما عن الذاكرة، لكن سيرة روائية صدرت حديثاً تعيد إلى الواجهة هذه المرأة المتحرّرة والشغوفة، التي عاشت في القرن التاسع عشر وظلّ الحنين إلى موطنها الأم، روسيا، يرافقها طوال حياتها.
تقول فيرونيك دو بور، التي صدر لها أخيراً كتاب "رواية صوفيا" عن "دار ألبان ميشال"، "إنّ حياة الكونتيسة دو سيغور أشبه برواية". ولرواية هذه الحياة، تقمّصت دو بور شخصية بطلتها في أيامها الأخيرة، متخيّلة إياها وحيدة في شقتها الباريسية الصغيرة، تنتظر الموت الذي سيوافيها في 9 شباط/فبراير 1874، عن 74 عاماً.
"ماذا سيبقى من مروري في هذه الدنيا؟ عشرون مؤلَّفاً سخيفاً، وأربعة كتب دينية، ودليل صغير في الطب... هل يستحق ذلك أن يتذكّره أحد؟"، تتساءل الكونتيسة دو سيغور قبل وفاتها بأيام، وفق العبارات التي تنسبها إليها فيرونيك دو بور.

يبدو أن الجواب هو نعم، إذ حظيت كتبها الصغيرة على مدى عقود بشعبية واسعة، وتعلّقت بها أجيال من الأطفال الذين أصغوا إلى آبائهم يروون لهم "مصائب صوفيا"، و"الشيطان الصغير الطيب"، و"الجنرال دوراكين"، و"الفتيات الصغيرات المثاليات". وأصبحت هذه الكتب من كلاسيكيات أدب الأطفال، وبيعت منها، وفق التقديرات، أكثر من 30 مليون نسخة.
تقول دو بور لوكالة "فرانس برس": "تعرّفتُ إلى الكونتيسة دو سيغور في نحو الرابعة من عمري، عندما قرأت لي والدتي 'مصائب صوفيا' ضمن سلسلة 'المكتبة الوردية'. ثم نسيتها، إذ فضّلت قراءة 'وي-وي' أو 'فانتوميت'، لأنهما كانتا أكثر حداثة".
وشأن كثير من الآباء والأمهات من جيلها، لم تنصح الكاتبة الخمسينية أبناءها يوماً بقراءة كتب الكونتيسة، لأنها كانت تراها "حكايات عتيقة الطابع، تنتمي بقوة إلى زمن مضى".
"بلزاك الأطفال"
لكن فيرونيك دو بور، مؤلّفة عدد من الروايات، عادت بناءً على طلب محرّرتها إلى أعمال الكونتيسة وسيرتها، وغاصت في عالمها لتكتشف فيها "بلزاك الأطفال الصغار"، التي "وصفت ببراعة حياة شريحة معيّنة من طبقة النبلاء في القرن التاسع عشر".

وُلدت صوفيا روستوبشين في سان بطرسبرغ في الأول من آب/أغسطس 1799، ونشأت في روسيا في ظلّ تربية أرستقراطية صارمة. كانت طفلة مشاكسة كثيرة الحركة، وغالباً ما كانت والدتها تعاقبها بالضرب وتحرمها من الطعام.
وتوضح دو بور: "يرى البعض أن 'مصائب صوفيا' كتاب سادي. لكن الكونتيسة دو سيغور لم تفعل سوى نقل ما عاشته. كان جلد الأطفال أمراً طبيعياً في روسيا آنذاك".
أما والدها، فيودور روستوبشين، فكان رجلاً نافذاً تولّى حكم موسكو، ويُعتقد أنه أصدر أمراً بإشعال الحريق الذي دمّر المدينة مع اقتراب جيش نابليون الكبير منها عام 1812. وبعد عامين، غادر إلى المنفى واستقدم عائلته إلى باريس. وهناك، تزوّجت صوفيا روستوبشين، وهي في التاسعة عشرة، أوجين دو سيغور، وأنجبت منه ثمانية أطفال.
ومع إهمال زوجها المتكرّر لها، انتقلت الكونتيسة إلى قصر في منطقة نورماندي، حيث شقّت طريقها نحو الاستقلال، ولم تبدأ كتابة مؤلّفاتها الأولى إلا بعد تجاوزها الخمسين.
وترى فيرونيك دو بور أنه "ينبغي قراءة هذه الأعمال بعين عصرها، الذي كان شديد الوعظية"، من دون إغفال ما تمنحه من متعة، مضيفة: "تروي 'مصائب صوفيا' مغامرات طفلة ترتكب كثيراً من الحماقات. والأطفال يعشقون ذلك".



