🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
398643 مقال 248 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 3887 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

القوة لا تكفي: أميركا بين ضربة مؤجلة وصفقة ناقصة مع إيران

العالم
jo24
2026/05/20 - 21:28 504 مشاهدة

كتب-  زياد فرحان المجالي

ليست اللحظة الراهنة في المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران لحظة سلام، ولا هي لحظة حرب شاملة مكتملة. إنها لحظة معلّقة بين خيارين ثقيلين: صفقة ناقصة لم تنضج بعد، وضربة عسكرية مؤجلة يمكن أن تعود إلى الطاولة في أي وقت. وفي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال الحاسم: من يملك القوة الأكبر؟ بل: هل تستطيع هذه القوة أن تنتج نتيجة سياسية قابلة للاستمرار؟

على الورق، تبدو المقارنة العسكرية محسومة. الولايات المتحدة تملك تفوقًا هائلًا في البحر والجو والاستخبارات والتكنولوجيا. وإسرائيل تملك خبرة طويلة في الضربات الوقائية، ومنظومات دفاع متعددة الطبقات، وتنسيقًا وثيقًا مع واشنطن. في المقابل، تبدو إيران أضعف في سلاح الجو، وأقل قدرة على خوض حرب تقليدية مفتوحة، وأكثر تعرضًا للضغط الاقتصادي والعسكري. لكن هذه المقارنة، على وضوحها، قد تكون مضللة. فالحروب لا تُحسم دائمًا بمن يملك الطائرات الأحدث، بل بمن يستطيع تحويل القوة إلى نتيجة، ومن يستطيع منع خصمه من إعلان النصر.

هنا تكمن معضلة واشنطن وتل أبيب. فإيران ضُربت، لكنها لم تُفكك. تضررت قدراتها، لكنها لم تفقد أوراقها. ما زالت تمتلك صواريخ ومسيّرات وأذرعًا إقليمية وملفًا نوويًا غير محسوم، وفوق ذلك كله تملك ورقة مضيق هرمز. وهذه الورقة لا تحتاج إلى نصر عسكري إيراني كي تؤلم العالم. يكفي أن يتحول المضيق إلى منطقة قلق دائم حتى ترتفع كلفة التأمين، وتتردد شركات الملاحة، وترتبك أسواق الطاقة، ويشعر المواطن الأميركي بأن الحرب البعيدة وصلت إلى محطة الوقود القريبة من منزله.

وهنا يدخل الداخل الأميركي إلى قلب المعادلة. فالرئيس الأميركي لا يقرر في فراغ. كل ضربة جديدة على إيران ستكون لها كلفة سياسية داخلية: أسعار الوقود، ضغط الأسواق، حسابات الكونغرس، مزاج الناخب المتعب من الحروب الطويلة، وخوف المؤسسة الاقتصادية من انزلاق غير محسوب في الخليج. لذلك لا تبدو معارضة الحرب في واشنطن مجرد موقف أخلاقي، بل قراءة عملية أيضًا. فالحرب التي تبدأ بوصفها عملية محدودة قد تتحول سريعًا إلى أزمة مفتوحة، وحينها لن يكون السؤال في الإعلام الأميركي عن عدد الأهداف التي دُمّرت، بل عن سبب عودة الولايات المتحدة إلى حرب شرق أوسطية جديدة من دون خطة خروج واضحة.

هذه هي نقطة الضعف في التفكير الحربي التقليدي. يمكن لواشنطن أن تضرب مواقع عسكرية، وأن تدمر منصات، وأن تستهدف منشآت، لكنها لا تستطيع أن تقصف الجغرافيا السياسية كلها. لا تستطيع أن تمنع كل صاروخ، ولا أن تراقب كل زورق، ولا أن تضبط كل جبهة، ولا أن تضمن أن ضربة جديدة لن تفتح سلسلة ردود في الخليج ولبنان والعراق واليمن والبحر الأحمر. ولذلك فإن السؤال المنطقي الذي تطرحه اللحظة ليس ما إذا كانت أميركا قادرة على الضرب؛ فهي قادرة. السؤال هو: ماذا بعد الضربة؟

من زاوية معارضة الحرب، تبدو الإجابة مقلقة. فالهجوم العسكري قد يمنح الرئيس الأميركي صورة حزم، وقد يمنح إسرائيل شعورًا مؤقتًا باستعادة المبادرة، لكنه لا يضمن إزالة الخطر. بل قد يدفع إيران إلى استخدام أوراقها المتبقية بصورة أوسع. وكلما اقتربت الحرب من هرمز، لم تعد حربًا بين جيوش فقط، بل صارت حربًا على الاقتصاد العالمي. وكلما اقتربت من لبنان، لم تعد حربًا على إيران وحدها، بل صارت حربًا على التوازن الهش في شرق المتوسط. وكلما توسعت الجبهات، أصبح الخروج منها أصعب من الدخول إليها.

في المقابل، لا يبدو الاتفاق سهلًا أيضًا. فواشنطن تريد اتفاقًا يثبت أنها لم تؤجل الضربة عبثًا، وإسرائيل تريد اتفاقًا لا يقيد يدها في لبنان ولا يمنح حزب الله فرصة لترميم موقعه. أما إيران فتريد اتفاقًا لا يبدو استسلامًا، ولا يفصل الملف النووي عن الحرب الأوسع، ولا يترك حلفاءها مكشوفين. لذلك فإن ما يجري الحديث عنه أقرب إلى «اتفاق إطار» منه إلى تسوية نهائية؛ اتفاق يشتري الوقت، ويمنع الانفجار، ويفتح باب التفاوض على التفاصيل. لكنه يبقى اتفاقًا معرضًا للانهيار إذا شعر أي طرف بأنه خسر أكثر مما ربح.

لبنان هنا ليس تفصيلًا جانبيًا. إدخال حزب الله في التفاوض، أو استبعاده منه، يكشف طبيعة المعركة كلها. إيران ترى أن شبكة الردع الإقليمية جزء من أمنها، وإسرائيل ترى أن أي قيد على عملياتها ضد حزب الله انتقاص من حرية حركتها. وبين هذين المنطقين يصبح لبنان جبهة تفاوضية بقدر ما هو جبهة عسكرية. فإذا شمل الاتفاق لبنان، غضبت إسرائيل. وإذا استبعده، تشككت إيران. وفي الحالتين يبقى الجنوب اللبناني معلقًا بين النار والسياسة.

أما مضيق هرمز، فهو الوجه الآخر لهذه المعادلة. هناك لا تحتاج إيران إلى هزيمة الأسطول الأميركي. يكفيها أن تجعل العبور مكلفًا ومتوترًا وغير مضمون. هذه ليست قوة تقليدية، لكنها قوة تعطيل. وفي عالم يعتمد على الطاقة وسلاسل الإمداد والتأمين البحري، قد تكون قوة التعطيل أحيانًا أكثر تأثيرًا من قوة الهجوم.

لهذا تبدو المنطقة اليوم أمام حرب لم تعد قابلة للتفسير بثنائية النصر والهزيمة. أميركا وإسرائيل أقوى عسكريًا، نعم. لكن إيران لا تزال قادرة على منع هذا التفوق من التحول إلى حسم سريع. وهذه بالضبط هي المعضلة التي ينبغي أن يتوقف عندها صانع القرار الأميركي قبل أن يستمع إلى دعاة الضربة الجديدة. فالقوة قد تبدأ الحرب، لكنها لا تضمن نهايتها. والضربة قد تؤجل الخطر، لكنها قد توسع الجبهات. أما الدبلوماسية، رغم بطئها وغموضها، فقد تكون الطريق الوحيد لمنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب لا يعرف أحد كيف تنتهي.

ما تحتاجه واشنطن اليوم ليس استعراضًا جديدًا للقوة، بل تعريفًا واضحًا للهدف. فإذا كان الهدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فذلك يحتاج إلى رقابة واتفاق وترتيبات طويلة، لا إلى ضربات متقطعة فقط. وإذا كان الهدف حماية الملاحة، فذلك يحتاج إلى تفاهم يخفف التوتر في هرمز، لا إلى عسكرة المضيق أكثر. وإذا كان الهدف حماية إسرائيل، فالحماية الحقيقية لا تكون بفتح حرب إقليمية قد تعيد الصواريخ إلى مدنها وجبهاتها.

بين الصفقة الناقصة والضربة المؤجلة، تقف المنطقة على حافة قرار كبير. والمنطق البارد يقول إن الحرب قد تكون أسهل الخيارات إعلانًا، لكنها أصعبها خروجًا. فالحرب التي تبدأ باسم الحسم قد تنتهي إلى ما هو أخطر: اختبار طويل لقدرة أميركا على الخروج من فخ صنعته بنفسها. أما السياسة، مهما بدت بطيئة ومحبطة، فهي المسار الوحيد الذي يمنع القوة من التحول إلى فخ.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤