وزارة الثقافة المغربية. مثلًا، قد تحتاج إلى اجتماع استعجالي كي تكتشف أن إدريس الخوري كان كاتبًا مغربيًا.
لا تضحكوا كثيرًا.
فالموضوع. للأسف. ليس نكتة.
عزيز الخطابي – كاتب ومثقف
هناك وزارات تستطيع أن تشرح لك ميزانيتها بالتفصيل. وهناك وزارات تستطيع أن تعدّ لك عدد الكراسي في قاعاتها. وهناك وزارة تستطيع أن تخبرك بكل شيء تقريبًا… باستثناء أسماء الذين صنعت الثقافة من أجلهم.
وزارة الثقافة المغربية. مثلًا، قد تحتاج إلى اجتماع استعجالي كي تكتشف أن إدريس الخوري كان كاتبًا مغربيًا.
لا تضحكوا كثيرًا.
فالموضوع. للأسف. ليس نكتة.
النكتة هي أن الرجل مات منذ سنوات. وأن اسمه حاضر في تاريخ القصة المغربية والصحافة الثقافية.
وأن كتبه موجودة. وأن سيرته معروفة. وأن أجيالًا من المثقفين والقراء يعرفونه. ثم تأتي شهادة زوجته لتضع أمامنا سؤالًا أكثر مرارة من السخرية نفسها:
كيف يمكن لمن يشغل موقعًا مسؤولًا داخل مؤسسة الثقافة أن يسأل: من هو إدريس الخوري؟
هذا السؤال وحده يحتاج إلى ندوة وطنية.
وربما إلى لجنة لتقصي القراءة.
وربما، احتياطًا، إلى دورة تكوينية في «أسماء الكتاب المغاربة».
وإذا كان الحضور ضعيفًا، يمكن الاستعانة بمحرك البحث «غوغل»؛ فهو. على الأقل. لا يطلب تعويضات عن الساعات الإضافية.
بحسب شهادة زوجة الراحل. توجهت إلى وزارة الثقافة بعد وفاته. في ظروف مادية صعبة. من أجل طلب المساعدة للحفاظ على مكتبته ومقتنياته. وبعد محاولات عدة للقاء الوزير. التقت مستشاره الأول. لتسمع السؤال الذي يستحق أن يُعلّق على باب وزارة الثقافة:
«من هو هذا السيد المدعو إدريس الخوري؟ أنا لا أعرفه ولم أسمع عنه.»
هنا تنتهي الكوميديا وتبدأ المأساة.
لأننا لا نتحدث عن موظف جديد في مقاطعة إدارية يسأل عن شخص لا يعرفه.
نحن نتحدث. وفق الشهادة، عن مسؤول داخل وزارة يفترض أنها مسؤولة عن الثقافة.
وهنا يحق لنا أن نسأل. بكل احترام مهني. لكن بلا مجاملة:
إذا كان مدير الديوان أو المستشار الأول لا يعرف إدريس الخوري. فمن الذي يعرفه داخل وزارة الثقافة؟
هل هناك قسم خاص بالقراءة؟
هل توجد لجنة لمعرفة الكتاب؟
هل توجد خريطة للثقافة المغربية معلقة في أحد المكاتب؟
أم أن الثقافة أصبحت ملفًا إداريًا لا علاقة له بالثقافة إلا في الاسم؟
ربما ينبغي أن نعيد تسمية الوزارة.
وزارة المواعيد والتأجيلات.
وزارة البيانات الصحفية.
وزارة الصور الجماعية.
وزارة «سننظر في الموضوع».
أما الثقافة. فتأتي عندما تسمح لها الظروف.
والظروف. كما نعرف، لا تسمح كثيرًا.
إدريس الخوري لم يكن موظفًا عابرًا في سجل الدولة.
كان واحدًا من الأسماء التي صنعت جزءًا من الذاكرة الأدبية المغربية الحديثة.
كاتبًا وقاصًا وصحافيًا. خرج من الهامش. وعاش قريبًا من الناس. وكتب عن الحياة اليومية والبسطاء والمهمشين. وجعل من الشارع المغربي مادة أدبية.
لم يحتج إلى مكتب فاخر لكي يصبح كاتبًا.
ولم يحتج إلى منصب لكي يصبح معروفًا.
ولم يحتج إلى ديوان وزير لكي يمنحه أحد شهادة في الثقافة.
بل احتاج إلى شيء بسيط جدًا. يبدو أنه أصبح نادرًا داخل بعض المؤسسات:
أن يقرأ.
كان إدريس الخوري يعرف المغرب من مقاهيه وأزقته وشوارعه وناسِه.
أما بعض الذين يتولون الثقافة اليوم. فيبدو أنهم يعرفون المغرب من جداول الاجتماعات.
هو كان يعرف رائحة الشارع.
وهم يعرفون رائحة الملفات.
هو كان يجلس مع الكتاب.
وهم يجلسون مع المواعيد.
هو كان يكتب عن الناس.
وهم يكتبون عن «البرامج»
ولذلك لا غرابة أن يحدث سوء تفاهم بين الكاتب والمؤسسة.
فالكاتب يبحث عن الإنسان.
والمؤسسة تبحث عن الخانة المناسبة في الاستمارة.
لكن المسألة لا تتعلق بمستشار واحد.
وهنا يجب أن نكون أكثر مهنية وأقل انفعالًا.
إذا صحّت الشهادة كما روتها زوجة الراحل فالمشكلة ليست في أن شخصًا لم يسمع باسم إدريس الخوري.
المشكلة أن مؤسسة كاملة لم تستطع. بحسب الرواية. أن تستقبل أرملة كاتب كبير بما يليق بذاكرة الرجل.
هذه هي القضية.
لأن المؤسسات لا تُقاس فقط بعدد مهرجاناتها.
ولا بعدد الندوات التي تنظمها.
ولا بعدد البيانات التي تصدرها.
ولا بعدد الصور التي تُلتقط أمام اللافتات.
المؤسسة الثقافية تُقاس أولًا بقدرتها على حماية ذاكرتها.
ومكتبة إدريس الخوري ليست مجرد كتب مستعملة.
إنها جزء من الذاكرة الثقافية المغربية.
ومقتنياته ليست مجرد أشياء شخصية.
قد تكون وثائق من تاريخ الكتابة والصحافة والثقافة في المغرب.
كان يمكن أن تتحول هذه المكتبة إلى نواة أرشيف.
إلى فضاء للباحثين.
إلى معرض دائم.
إلى مشروع توثيقي.
إلى شيء يقول للأجيال القادمة:
كان هنا رجل اسمه إدريس الخوري. وكان يكتب لهذا البلد.
لكن يبدو أن الوزارة كانت مشغولة بأشياء أكثر أهمية.
ربما كانت تبحث عن طريقة لإنقاذ الثقافة من الثقافة.
أما الوزير. فهنا أيضًا يجب أن يكون السؤال واضحًا.
لا نحتاج إلى معرفة ما إذا كان الوزير يحب إدريس الخوري شخصيًا.
ولا نحتاج إلى معرفة إن كان يقرأ قصصه قبل النوم.
الوزير ليس مطلوبًا منه أن يكون ناقدًا أدبيًا.
لكن المطلوب منه أن يحيط نفسه بأشخاص يعرفون الثقافة.
وهذه ليست رفاهية.
هذه وظيفة.
فإذا كان وزير الثقافة محاطًا بمستشارين لا يعرفون كبار الأدباء. فالمشكلة ليست في إدريس الخوري.
المشكلة في اختيار من يديرون مكتب الوزير.
وهنا تصبح «الوزارة» مسؤولية جماعية.
فالوزارة ليست شخصًا واحدًا.
والديوان ليس صالونًا خاصًا.
والمستشار ليس موظف استقبال فاخرًا.
إنه جزء من مؤسسة يفترض أنها تعرف أسماء الذين صنعت الثقافة المغربية الحديثة.
والأغرب من كل ذلك أننا في المغرب نملك عادة عجيبة:
نترك الكاتب حيًا حتى يموت.
ثم نكتشف بعد وفاته أنه كان «قامة أدبية»
ثم نكتب عنه:
«فقيد الثقافة المغربية»
ثم نقول:
«كان من أبرز الأصوات»
ثم نقول:
«ترك إرثًا أدبيًا مهمًا»
ثم نقيم ندوة.
ثم نصمت.
ثم يأتي كاتب آخر.
فنكرر العملية نفسها.
هل هذه هي السياسة الثقافية؟
أن ننتظر الموت كي نبدأ في اكتشاف الحياة؟
لماذا لا نساعد الكاتب وهو حي؟
لماذا لا نحمي أرشيفه وهو حي؟
لماذا لا نحفظ مكتبته وهو حي؟
لماذا لا نسأل عن أوضاع المبدعين قبل أن تتحول حياتهم إلى مرثية؟
إدريس الخوري كان أكبر من وزارة.
ليس بمعنى أنه كان فوق الدولة. وإنما بمعنى أن القيمة الثقافية لا تُقاس بحجم المكتب الذي يجلس فيه المسؤول.
قد يكون الكاتب جالسًا في مقهى على كرسي متهالك. لكنه يكتب نصًا يبقى خمسين عامًا.
وقد يكون المسؤول جالسًا على كرسي فاخر. لكنه يترك وراءه ملفًا لا يتذكره أحد.
هذه هي العدالة الغريبة للثقافة.
الكاتب لا يحتاج إلى السلطة كي يبقى.
السلطة تحتاج إلى الثقافة كي لا تصبح مجرد إدارة.
ولذلك فإن سؤال زوجة إدريس الخوري:
«من هو إدريس الخوري؟»
لا ينبغي أن يوجَّه إلى محرك البحث.
ينبغي أن يوجَّه إلى وزارة الثقافة نفسها.
إلى مدير الديوان.
إلى المستشارين.
إلى كل من يتولى مسؤولية الثقافة.
وإذا كانت الإجابة: «لا نعرف»، فهناك مشكلة.
وإذا كانت الإجابة: «نعرفه»، فالسؤال التالي يصبح أخطر:
إذا كنتم تعرفونه، فلماذا تركتم مكتبته تواجه مصيرها؟
وهنا لا يستطيع «غوغل» أن ينقذ أحدًا.
إدريس الخوري مات.
لكن قصصه لم تمت.
مقاهيه لم تمت.
شخصياته لم تمت.
سخريته لم تمت.
ذلك الشارع الذي حمله إلى الأدب لم يمت.
أما الوزارات فتتغير.
والوزراء يذهبون.
والمديرون يتقاعدون.
والمستشارون يغادرون مكاتبهم.
والديوان الذي يبدو اليوم كأنه مركز الكون. يصبح غدًا مجرد غرفة في أرشيف الدولة.
لكن الكتاب يبقى.
ولهذا، ربما آن الأوان أن تفهم وزارة الثقافة درسًا بسيطًا جدًا:
الثقافة لا تحتاج إلى مسؤولين يتحدثون عنها فقط. تحتاج إلى مسؤولين يعرفونها.
ولا تحتاج إلى ديوان كبير.
تحتاج إلى عقل كبير.
ولا تحتاج إلى عشرات الاجتماعات حول الثقافة.
تحتاج إلى شخص قرأ كتابًا.
أما إدريس الخوري. فلا يحتاج اليوم إلى شهادة من وزارة الثقافة.
لقد حصل عليها منذ زمن بعيد من المكان الوحيد الذي لا يستطيع الوزير ولا المستشار ولا مدير الديوان أن يمنحوه أو يسحبوه:
ذاكرة القراء.
وهذه، يا وزارة الثقافة، هي الوزارة الوحيدة التي لا يستطيع أحد إغلاق أبوابها.





