الخدمة الإلزامية في العراق: بين نوايا الانضباط ومخاطر الواقع
د. طلال ناظم الزهيري
تتجدد في الأوساط السياسية دعوات إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية في العراق، انطلاقًا من تصور مفاده أن هذه الخطوة يمكن أن تسهم في بناء جيل أكثر انضباطًا وصلابة، على غرار الأجيال التي عاصرت تلك المرحلة في العقود الماضية. غير أن هذا الطرح، رغم ما يحمله من نوايا تبدو سليمة، يستدعي نقاشًا عميقًا يتجاوز الحنين إلى الماضي، ويضع في الحسبان التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها البلد اليوم.
التجربة العراقية مع الخدمة الإلزامية لم تكن معزولة عن سياقها التاريخي، إذ ارتبطت بظروف استثنائية، أبرزها الحرب العراقية الإيرانية وما أعقبها من توترات بلغت ذروتها في حرب الخليج، وهي حقب شهدت استنزافًا طويل الأمد للطاقات البشرية، حيث لم تكن الخدمة مجرد تدريب مؤقت، بل التزامًا مفتوحًا في ظل اقتصاد موجه وحالة تعبئة عامة. لذلك، فإن استحضار تلك التجربة بوصفها نموذجًا للانضباط يتجاهل الكثير من التعقيدات التي صاحبتها، سواء على المستوى النفسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.
في السياق الحالي، تبدو التحديات أكثر وضوحًا. فإعادة فرض الخدمة الإلزامية تعني بالضرورة تحمل أعباء مالية كبيرة، تشمل إنشاء أو تأهيل المعسكرات، وتوفير التجهيزات والإعاشة، فضلًا عن الرواتب والإدارة اللوجستية. وفي اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط ويواجه تقلبات مستمرة، قد تتحول هذه الخطوة إلى عبء إضافي لا يقابله مردود إنتاجي حقيقي. والأهم من ذلك، أن شريحة واسعة من الشباب العراقي اليوم تعمل خارج القطاع الحكومي، في مجالات التجارة والأعمال الحرة والمشاريع الصغيرة، ما يعني أن سحبهم قسرًا إلى الخدمة سيؤدي إلى تعطيل عجلة الإنتاج وتقويض مبادرات فردية يحتاجها الاقتصاد بشدة.
ولا يمكن إغفال البعد الإداري، حيث تبرز مخاوف جدية من أن تتحول الخدمة الإلزامية إلى بيئة خصبة للفساد، كما حدث في تجارب سابقة، من خلال انتشار الرشاوى مقابل الإعفاء أو النقل، وظهور ما يُعرف بـ"الفضائيين"، أي الأسماء المسجلة دون وجود فعلي. وفي ظل التحديات القائمة في منظومة الحوكمة، فإن توسيع جهاز بيروقراطي بهذا الحجم قد يفتح أبوابًا جديدة للهدر وسوء الإدارة بدل أن يكون أداة للإصلاح.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن فرض نمط الحياة العسكرية على جميع الشباب، بغض النظر عن ميولهم وقدراتهم، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ لا يمكن اختزال مفهوم الانضباط في التدريب العسكري وحده. فالمجتمعات الحديثة تبني قيم الانضباط من خلال التعليم الفاعل، وسوق العمل التنافسي، والانخراط في بيئات إنتاجية تعتمد على المسؤولية الفردية والابتكار، لا من خلال الإلزام القسري فقط.
في المقابل، تبرز بدائل أكثر واقعية يمكن أن تحقق الأهداف المنشودة بكلفة أقل وفعالية أعلى. من بينها اعتماد برامج تدريب عسكري قصيرة الأمد، تمتد لأسابيع معدودة، تركز على المهارات الأساسية واللياقة البدنية، إلى جانب محاضرات توعوية وثقافية تعزز روح المواطنة والانتماء. مثل هذه البرامج يمكن أن توفر توازنًا بين متطلبات بناء الشخصية والانضباط، وبين الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي للشباب.
غير أن نجاح أي نموذج، سواء كان خدمة إلزامية أو تدريبًا قصيرًا، يظل مرهونًا بجملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها العدالة في التطبيق، والشفافية في الإدارة، واستخدام الأنظمة الرقمية لضبط عمليات التسجيل والمتابعة، بما يحد من ظواهر الفساد، إضافة إلى تطوير محتوى تدريبي حقيقي يضيف قيمة ملموسة للمشاركين.
في المحصلة، لا يكفي أن تكون النوايا حسنة لإعادة إنتاج تجارب الماضي، فالعراق اليوم يقف أمام تحديات مختلفة تتطلب حلولًا مبتكرة لا تكرر الأخطاء السابقة. وإذا كان الهدف هو بناء جيل منضبط وقادر، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر إصلاح التعليم، وتحفيز الاقتصاد، وتعزيز ثقافة المسؤولية، أكثر مما يمر عبر إعادة فرض الخدمة الإلزامية بصيغتها التقليدية.
The post الخدمة الإلزامية في العراق: بين نوايا الانضباط ومخاطر الواقع appeared first on جريدة المدى.




