الخدعة سلاح فعال عند الملمات
فرات المحسن
حدد للهدنة بين أمريكا وإيران أسبوعين. تلاشى ليلتها هدير القنابل وصمت اللسان المخادع للرئيس الأمريكي ترامب وتوقفت مؤقتا تهديداته عن محو حضارة بلد عريق مثل إيران. احتفل الإيرانيون بالنصر مثلما ضجت الإدارة الأمريكية بالمقابل احتفاءً بما أنجزته من دمار طال البنى التحتية والمنشآت الصناعية المدنية والعسكرية وتم تصفية الكثير من قادة الصف الأول والثاني في الحكومة الإيرانية وعلى رأسهم المرشد الأعلى السيد علي خامنائي. ومع احتفال الأمريكان أطلق البعض ألسنهم ليعلنوا انتصارهم ويحتفلوا بأريحية بنصر المعتدي.
الهدنة أو تعليق الهجوم لمدة أسبوعين كان قرارا ترامبيا فجائيا بامتياز، وجاء قبل اقتراب ساعات الحسم الأخيرة لتهديده، وكان التوقيت بين القرارين لا يتجاوز الثلاث ساعات التي تفصل ظهيرة واشنطن عن ليل طهران.وتم ذلك حسب وساطة باكستانية، وهذا ما أعلن عنه، بعد أن قدم الطرفان المتصارعان شروطهما على أن يتفاوضا خلال الأسبوعين لجسر خلافهما ووضع وثيقة تنهي حالة الحرب بينهما.
اختلفت الرؤية أو التوصيف أو الرغبات وحتى طبيعة الشروط التي نصت عليها الهدنة ، ولنسمها ما شئنا، بين شمول الشركاء الأساسين في الحرب بتلك الهدنة من عدمه، وهما إسرائيل وحزب الله اللبناني وباقي خصوم وشركاء الطرفين، ولكن في المشهد العام يظهر أن ذلك الخلاف ليس ذا جدوى عند جميع إطراف النزاع، لذا لم يحسم كخيار مستعجل، وله من الضرورات ما يقنع الأطراف لبذل جهود ناجزة ومضاعفة لإنهائه، وبقي معلقا حسب الظروف التي سوف تستجد إن لم يظهر ما يعكر صفو الأسبوعين، وما كانت أصوات الجانب الباكستاني، وهو الكفيل بترتيب المفاوضات، لتكون كافية لشمول الجبهة اللبنانية بالهدنة واستمرت إسرائيل في ضرباتها المركزة والمكثفة القاتلة للبنان دون رادع.
في الهجوم الذي بدأته الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل يوم 28 من شباط 2026 واستمر لمدة أربعين يوما استهدف جميع المنشآت الحيوية المدنية والعسكرية وأوغل في دماء القادة والمواطنين الإيرانيين، كل ذلك الإيذاء ما كان ليثني القيادة الإيرانية عن الرد، واستطاعت أن تقف ندا قويا وبقدرة ليست بالبسيطة أو العشوائية لتنفذ ضربات حاسمة ومؤذية لمواقع وقواعد الجيش الأمريكي في بلدان الخليج والسعودية خسر فيها الجانب الأمريكي الكثير من معداته التقنية المهمة والفائقة القدرة من قبيل أضخم الرادارات ذات المديات البعيدة وبعض المعدات والطائرات الحربية وقتلى كثر من جنوده. وكان الرد الإيراني في العمق الإسرائيلي مزلزلا ومخيفا أيضا، حيث طالت الضربات البنى التحتية والمنشات العسكرية وخسرت إسرائيل جراءه اقتصاديا وعسكريا مما لا يمكنها تعويضه واحتماله، وعاش الشعب الإسرائيلي وحكومته حالة فزع ورعب ما كان ليتوقعها على كثرة ما لاح إيذائها العمق الإسرائيلي.
ومع تصاعد حدة المعارك وبقدر الخراب الذي سببته الضربات الأمريكية الإسرائيلية في العمق الإيراني، بادرت إيران ومنعت حركة الملاحة في مضيق هرمز لتعطيل إمدادات النفط العالمية واحد أهم شرايين التجارة الدولية مما دفع العالم لحالة استنفار قصوى لتدارك الآثار الاقتصادية الكبيرة المترتبة جراء هذا القطع في شريان اقتصادي يشكل أكثر من العشرين بالمائة من واردات نفط وتجارة العالم، وباتت معه خيارات الحرب تتصاعد لأقصى مدياتها مما جعل الرئيس الأمريكي يصاب بما يشبه حالة الهستيريا جراء ما واجهه من ضغوط عسكرية في جبهة القتال واقتصادية وشعبية داخلية وأيضا من حلفائه الأقربين في دول الخليج والسعودية أو شركائه من الدول الرأسمالية.
إن دخول حزب الله على خط المواجهة أعطى مشهدا جديدا وأضاف ثقلا كبيرا موجعا ومشتتا لآلة الحرب الإسرائيلية. فما كان يتوقع أن ينهض حزب الله من جديد وبمثل ما ظهر عليه من قوة وبسالة ليذيق الإسرائيليين كل ذلك الإيلام ويفتح عليهم جبهة ساخنة تستنزف قوتهم وتشتتها في اشتباكات يومية لا تقف عند حدود الجنوب اللبناني بل تطال نيرانها العمق الإسرائيلي.
مع كل تلك المتغيرات والمشاهد التراجيدية المتسارعة برزت الحنكة ودخل الدهاء السياسي على خط المعركة للبحث في ضرورة إعادة ترتيب الصفوف ولملمة الأوراق وترتيب الخرائط ليتم الوصول بسهولة إلى بعض الخيارات التي تضمن السيطرة كليا على مشاهد المعركة ووضع الخطط الأكثر فاعلية والأقدر على الإمساك بزمام الأمور والعمل دون انفلات الوضع وتشتيت الجهود وإعطاء الفرص للعدو لنيل بعض المكاسب، خاصة بعد أن خابت الظنون في إحراز نصر عسكري وسياسي ناجز .
لذا هدنة الأسبوعين ممكن أن تكون كافية لجعلها استراحة لمقاتل قادم من البعيد للتحضير لجولة أكبر وأكثر حجما وسخونة من سابقاتها،ومن المنطقي وحسب حجم الحشد الأمريكي المتصاعد فليست بالضرورة أن تكون طريقا يفضي للتفاوض ومن ثم جسر الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وإنما هي فخ وتوزيع للأدوار والحجوم ولتكون وبالا على جبهات أخرى أي هي في الاحتمال الأنجع عصا موسى.
فالهدنة باتت خيارا جيدا لإيقاف زخم الصواريخ الإيرانية من الوصول إلى العمق الإسرائيلي ومنحت نتنياهو فرصة لتنفس الصعداء وإبعاد الأذى عن الداخل الإسرائيلي والتفرغ لهدف أكثر سهولة واقل قوة لتتم خلاله تصفية حاسمة ونهائية مع حزب الله اللبناني .فالانشغال بجبهة واسعة مع خصوم عديدين وفي آن واحد لا طاقة لإسرائيل عليه، لذا فهدنة الأسبوعين الترامبية المفاجئة هي الحنكة السياسية التي أعطيت كفرصة ذهبية لإسرائيل للتفرد بجبهة حزب الله وجعلها معركة مفتوحة دون عوائق تذكر، وخلالها عليه أن يوجع لبنان وليس فقط حزب الله وبقدر ما تستطيعه آلته الحربية المفرطة بالجريمة للحصول على نتائج تضمن تفوقه المستقبلي كاملا ولينهي عائقا أخر في طريق مشروع الشرق الأوسط الجديد بقيادة إسرائيل.
The post الخدعة سلاح فعال عند الملمات appeared first on جريدة المدى.



