القدس عربية
د. هاشم غرايبه
استوقفني قول بعض المطبعين من العربان المتصهينين ان القدس يهودية، في ترديد لمعزوفة الحق اليهودي في القدس، والتي لم تظهر إلا في أواخر القرن التاسع عشر، بهدف تسويق فكرة “هرتسل” المسماة المشروع الصهيوني المتمثل باقامة وطن لليهود في فلسطين، والذي وجدت بريطانيا أنه يتقاطع مع أهدافها بزرع مخفر متقدم في قلب العالم الاسلامي للسيطرة عليه، بعد أن فشلت كل المحاولات الصليبية السابقة باقامة ما سموه مملكة الرب على ارض فلسطين، قبل ذلك لم تكن معروفة حتى بين اليهود أنفسهم
للتوصل الى الحقيقة في موضوع يهودية القدس، يجدر بنا العودة الى تاريخ تأسيسها.
فقد بينت الدراسات الأركيولوجية أنها وجدت منذ أربعين قرنا قبل الميلاد، ويجمع المؤرخون على أن من بنى القدس هم اليبوسيون، وهم قبيلة كنعانية عربية في الألف الرابع قبل الميلاد، وسماها ملكهم “مليك صادق” بالآرامية أور سالم أي مدينة السلام، وترجمها اليهود فيما بعد الى العبرانية فسموها أورشليم.
إن انتساب اليهود الى بني إسرائيل الذي هو يعقوب ابن اسحق ابن ابراهيم عليه السلام يكشف عدم أحقيتهم في القدس، فهي تأسست قبل قدوم سيدنا ابراهيم اليها من العراق بواحد وعشرين قرنا، و لم يظهر اليهود إلا بعد رسالة موسى عليه السلام، والذي من المعروف أنه ولد ونشأ وعاش في مصر ومدين، ومات ودفن في مصر ولم تر عيناه فلسطين ولا القدس أصلا.
مما سبق نجد أن الوجود العربي في مدينة القدس، منذ تأسست والى اليوم عمره ستين قرنا، فيما الوجود اليهودي فيها لم يتجاوز 435 عاما.
ومن هذه الفترة كانت هنالك سبعون عاما فقط كان فيها ازدهار المملكة اليهودية، والتي كانت ابان حكم النبيين داود وسليمان عليهما السلام، وباقي الفترة كانت قلاقل ونزاعات على الحكم، انتهت بغزو نبوخذ نصر وزوال حكمها.
ممن المهم هنا الرد على تزويرين هامين للتاريخ.
الأول هو القول بأن داوود هو من أسس القدس وسماها أورشليم، فهذا تنقضه الشواهد التاريخية، فقد وجد هذا النبي في القرن العاشر قبل الميلاد، الذي جاء خلفا للملك “شاول” والذي كانت عاصمته القدس الموجودة قبله بثلاثين قرنا.
ويقول الأثري والثيولوجي” توماس طوبسون ” من جامعة كوبنهاغن عن تاريخ منطقة فلسطين في القرن ال10 ق.م: “إن كتاب العهد القديم يقدم لنا تاريخاً لا يمكن الوثوق به، وما صرنا الآن نعرفه عن تاريخ سوريا الجنوبية، وما نستطيع إعادة بنائه اعتماداً على الشواهد الأثرية، يعطينا صورة مختلفة تماماً عن الصورة التي تقدمها الروايات التوراتية”، وبالمثل يشير “إريك كلين “: إن كثيراً مما ورد في التوراة حول القدس يثير انقساماً في الوقت المعاصر.
وأما التزوير الثاني فهو قصة هيكل سليمان المزعوم، والتي حبكتها البروتستانتية لأجل ربط المعتقد المسيحي بالمعتقد اليهودي، وأكملت المسيحية الصهـ.ـيونية الفكرة ليبنوا عليها قصة أن المسيح بانتظار اعادة بناء الهيكل حتى ينزل، ويقيم لليهـ.ـود مملكة الرب.
المنطق العقلي ينفي هذه الفكرة، فكيف يعود المسيح عليه السلام لينصر من غضب الله عليهم وحكم عليهم بالذلة والمسكنة الى يوم الدين؟، وكيف يأتي ليقيم دولة لمن حاربوه واضطهدوه وسعوا الى قتله؟.
ولماذا ربط نزوله ببناء لم يره أصلا وزال قبل مولده بعشرة قرون؟ ولو كانت القصة صحيحة، فهي من الأهمية بمكان، لماذا لم يذكرها الإنجيل؟، ولا أبلغها المسيح لتلاميذه الحواريين!.
الهيكل هو معبد كان يبنيه الأقدمون لتقديم القرابين لأصنامهم، فكيف يبنيه نبي مسلم بدلالة قوله لبلقيس وقومها: “وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ” [النمل:31]، أليس الأولى أن يبني مسجدا؟.
ولو وجد هذا الهيكل في زمن ما، لماذا لم يجدوا منه شاهدا أثريا واحدا، رغم أنهم نقبوا في كل شبر في القدس طوال ستين عاما مضت، بما في ذلك تحت المسجد الأقصى؟.
كل ما ذكرته حقائق دامغة، ودلائل لا يمكن التشكيك في صحتها، وهي معروفة معلنة للجميع، ما دفعني لذكرها هو تقصير أنظمتنا في تبنيها للرد على المزاعم الصـ.ـهيو- أمريكية التي تملآ الفضاء الإعلامي.
ما يجعل هذا الصمت الرسمي العربي مشبوها، ويصل الى التواطؤ لتمرير عملية السلام، هو ترافقه مع إغفال تام لذكر هذه المواضيع في المناهج المدرسية.
لهذا فأقل الواجب دوام التذكير بهذه القضية.
هذا المحتوى القدس عربية ظهر أولاً في سواليف.





