وفيما صار الثناء والضوء يسلطان لاحقا على الأدب الفلسطيني في الشتات أو داخل الأرض المحتلة عام 1948 خاصة بعد إلقاء غسان كنفاني الضوء عليه، فإن الأدب الفلسطيني الذي كان يكتب في قطاع غزة في تلك الفترة لم يحظ بالكثير من الاهتمام، رغم أن منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة عموم فلسطين قبلها، كانتا ناشطتين في غزة بشكل لافت، بل إن أول اجتماع لاتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين عقد في غزة عام 1966 وحضره غسان كنفاني، وخلال مكوثه في فندق أبو هويدي على ساحل البحر كتب إحدى رسائله الى غادة السمان كما هو مبين في الرسالة، وبالطبع هناك استوحى فكرة رائعته "ما تبقى لكم" التي تدور في مخيم الشاطئ.
حراك
جزء من هذا النسيان مرده أن غزة كانت تحت الإدارة المصرية، رغم أن هذا لم يعن أن المشهد الثقافي في غزة كان جزءا من المشهد العام في مصر، نظرا لثراء الأخير ولكونه مركز الثفافة العربية في ذلك الوقت. فالكثير مثلا من الكتاب الفلسطينيين المقيمين في غزة كانوا يكتبون في الصحف المصرية بشكل متقطع، لكنهم لم يكونوا جزءا من الحراك الصحافي والأدبي في مصر، كما أن الزيارات الأدبية والفنية المصرية لغزة التي كانت تضم شعراء وكتاب وفنانين، كانت جزءا من سياسات الدولة المصرية والتزاماتها القومية تجاه القضية الفلسطينية.
على سبيل المثل، أقيمت خلال تلك الفترة مهرجانات الشعر التي كان يشارك فيها كبار الشعراء الصريين. ففي 1964 نظم مهرجان الشعر العربي السابع وحضرته نخبة من كتاب وشعراء مصر منهم الكاتب أنيس منصور والروائي عبد الكريم الشرقاوي والشاعرة ملك عبد العزيز والشاعر العوضي الوكيل والشاعر عبد الرحمن صدقي، وفي صورة خلدت الزيارة المصرية، تظهر إلى جانب المشاركين المصريين ثلة من الأدباء والكتاب الفلسطنيين من غزة مثل عبد الكرمي السبعاوي وموسى سابا وزهير الريس.
ورغم غياب توثيق كامل لمثل هذه الفعاليات، إلا ان مراجعة ملاحق الصحف التي كانت تصدر في ذلك الوقت والأخبار الفنية والأدبية فيها، تكشف لنا الكثير حول الحياة الأدبية والثقافية في غزة في تلك المرحلة، وهذا في حاجة لجهد بحثي من أجل تسليط الضوء أكثر على مدى ثراء تلك المرحلة أدبيا وفنيا. وتوفر مراجعة الصحف المصرية مادة أخرى حول العلاقات الثفافية وحول الحضور الأدبي الفلسطيني من غزة. مثلا، حقيقة أن الصورة المشار إليها والتي تضم كوكبة من شعراء مصر وشعراء فلسطين في غزة، والتقطت على هامش مهرجان الشعر العربي السابع، تكشف أن دورات شعر أخرى سبقت تنظيمه. وكنت قد حظيت برؤية هذه الصورة وصور أخرى من المرحلة نفسها من الأرشيف الشخصي لعيسى سابا، رئيس جمعية الشبان المسيحية في غزة وهو ابن الراحل موسى سابا الموجود في الصورة.
ساهم القرب من مصر وكون القاهرة كانت مركز الفعل السياسي والاقتصادي والثقافي، ووجود إذاعة صوت العرب، وعمل الكثير من مثقفي غزة في البرامج الفلسطينية فيها، وبعد ذلك وجود "صوت فلسطين" التابعة لمنظمة التحرير اثر تأسيسها عام 1964، ساهم هذا كله في تعزيز الحياة الأدبية في القطاع وتنشيطها. إلى جانب ذلك، فإن وجود صحافة مطبوعة ساهم في تشجيع الموهوبين على نشر أعمالهم، وبالتالي رعاية الكتاب الشباب وتطوير ملكتهم الإبداعية.

مساحات إبداعية
خلال تلك الحقبة صدرت في غزة عشر صحف لعل أكثرها شهرة كانت "أخبار فلسطين" عام 1963 ورأس تحريرها زهير الريس، وتضم قائمة الصحف إلى جانب "أخبار فلسطين" كلا من "الشرق" (1949)، و"السلام" (1950)، و"الرقيب" (1951)، و"غزة" (عام 1951)، و"الوطن العربي" (1953)، و"الصراحة" (1952)، و"اللواء" (1954)، و"العودة" (1956)، و"التحرير" (1958). واتسمت هذه الصحف بعدم الاستدامة، إذ كانت تصدر لفترات محدودة وبأحجام صغيرة في الكثير من المرات، ولعل "أخبار فلسطين" كانت أول صحيفة، على ما يكتب عبد الكريم السبعاوي أحد محرريها، تصدر بالحجم الطبيعي وطبعت بمعدات حديثة. هذا بالإضافة إلى مجموعة من المجلات التي كانت تصدر بشكل متقطع وغير منتظم. وعلى صفحات تلك الصحف كانت تظهر قصائد ونصوص وكتابات أدباء غزة في ذلك الوقت، مثل هارون هاشم رشيد، ومعين بسيسو، ومحمد حسيب القاضي، ومحمد جلال عناية، وعلي هاشم رشيد، وفوزي العمري، وزين العابدين الحسيني، وعلي لبد، ومحمد جاد الحق، وحسن المشهراوي، وخالد الهشيم، ورامز فاخرة، ومحمد برزق، وسعيد فلفل، وعبد الكريم السبعاوي.













