... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
38292 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7762 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

الحسين المجاهد.. حكمة الصمت وقوة الفعل

العالم
هسبريس
2026/03/27 - 23:06 501 مشاهدة

حكمة الصمت وقوة الفعل

في زمن يشتد فيه السعي نحو الأضواء، يختار الأستاذ الحسين المجاهد أن يشتغل في صمت، بعيدا عن الأضواء والواجهة، تاركا لأثره أن يتحدث عنه، مؤمنا بأن الأثر الحقيقي يقاس بما ينجز لا بما يعلن. لذلك يبدو، في جوهره، نموذجا نادرا للمثقف الموسوعي الذي جمع بين الفكر والممارسة، وبين الإنتاج المعرفي والتدبير المؤسساتي. فهو واحد من أولئك الرجال الذين راكموا تجربة غنية ومتعددة الأبعاد، ممتدة من الصحافة إلى الجامعة، ومن البحث العلمي إلى التدبير الإداري.

ولد ببلدة إيغرم بإقليم تارودانت، في حضن بيئة أمازيغية أصيلة، حيث تشكلت ملامح شخصيته الأولى بين صرامة الجبال وروح الجماعة. في كتاب القرية، بدأ رحلته مع التعلم، فحفظ القرآن الكريم وتشرب أسس المعرفة التقليدية، قبل أن ينتقل إلى العاصمة الرباط في سن مبكرة، ليواصل تعليمه في المدرسة العصرية، دون أن ينفصل عن تكوينه الديني. هذا التوازن المبكر بين الأصالة والانفتاح سيظل سمة بارزة في مجمل تجربته، كما أن هذا المسار العلمي المتين شكل الأساس الذي بنى عليه مشروعه الفكري والأكاديمي.

في الرباط، تفتحت آفاقه العلمية، فالتحق بثانوية مولاي يوسف، ثم بجامعة محمد الخامس، حيث تخصص في اللغة الفرنسية وآدابها، قبل أن يشد الرحال إلى السوربون بفرنسا، حيث تعمّق في علوم اللغة، محصلا على دكتوراه السلك الثالث، ثم دكتوراه الدولة في اللسانيات. هناك، تبلورت رؤيته العلمية، وتأسست علاقته باللسانيات الحديثة، التي سيجعل منها لاحقا مدخلا علميا لفهم اللغة الأمازيغية وتقعيدها.

ينتمي الحسين المجاهد إلى جيل تشكل على روح النضال الثقافي، إذ كانت بداياته منخرطا في العمل الجمعوي، خاصة داخل الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، حيث ساهم في بلورة تصورات استراتيجية للعمل الثقافي الأمازيغي. ولم يكن هذا الانخراط منفصلا عن مساره الأكاديمي، بل كان امتدادا له، يعكس وعيا مبكرا بأن الثقافة ليست فقط موضوع بحث، بل أيضا مجال فعل وتأثير.

بدأ مساره المهني من الصحافة، التي كانت عشقه الأول، حيث اشتغل في جريدة “الأنباء” مترجما ومحررا منذ سبعينيات القرن الماضي، وكتب مبكرا عن الثقافة الأمازيغية في زمن لم يكن فيه هذا الموضوع يحظى بما يستحق من اهتمام.

هذه التجربة صقلت حسه اللغوي، ومنحته قدرة على تبسيط المعرفة ونقلها، ومهّدت لانخراطه اللاحق في مجالات الترجمة والعمل الموسوعي.

وفي هذا الإطار، ساهم في ترجمة موسوعات كبرى ضمن منشورات عكاظ، وشارك في تحرير أعمال مرجعية مثل “موسوعة الحضارة المغربية” و”معلمة المغرب”، حيث كان حاضرا بقوة في التعريف بالثقافة الأمازيغية وإدماجها في الذاكرة الوطنية المكتوبة. ولم يكن هذا الجهد مجرد عمل أكاديمي، بل كان جزءا من مشروع فكري يروم إعادة الاعتبار لمكوّن أساسي من الهوية المغربية.

أما في مجال تخصصه الدقيق، أي اللسانيات الأمازيغية، فقد كان من بين الرواد الذين سعوا إلى مقاربة هذه اللغة بمناهج علمية حديثة، مستلهما اللسانيات التوليدية كما نظر لها نعوم تشومسكي. ومن خلال مؤلفاته، مثل “النحو التوليدي في الأمازيغية” و”النحو الجديد للغة الأمازيغية” و”النحو البنيوي” و”النحو الوظيفي”، أسهم في بناء أسس علمية متينة لتقعيد الأمازيغية، وجعلها لغة قابلة للتدريس والتداول داخل المؤسسات.

لكن ما يميز تجربة المجاهد ليس فقط عمقها العلمي، بل أيضا بعدها العملي. فقد راكم تجربة مهمة في التدبير الأكاديمي والإداري، حيث اشتغل أستاذا جامعيا وباحثا وخبيرا، قبل أن يتولى مسؤوليات كبرى، من بينها الكتابة العامة لمعهد الدراسات الإفريقية، ثم الأمانة العامة للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية منذ تأسيسه سنة 2002. في هذا الموقع، لعب دورا محوريا في ترسيخ دعائم المؤسسة وضمان استمراريتها، وتوجيه عملها في إطار رؤية استراتيجية واضحة، إذ كان فاعلا مؤسساتيا بارزا داخل المعهد، الذي يعد أحد أعمدته الأساسية منذ تأسيسه.

ومن موقعه كأمين عام للمعهد، اضطلع بدور محوري في ترسيخ دعائم هذه المؤسسة، واضعا خبرته ورؤيته الاستراتيجية في خدمة مشروع النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين. وفي كل هذه المسؤوليات التي تولاها، ظل وفيا لمنهج التدبير الهادئ والفعال، القائم على الحكمة والتبصر.

وإلى جانب رفيق دربه أحمد بوكوس عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، شكل المجاهد ثنائيا متكاملا في قيادة المعهد، حيث جمعا بين الرؤية الفكرية والتدبير العملي، وقادا سفينة المؤسسة في سياق وطني وثقافي معقد، تميز بتعدد التحديات وتلاطم الرهانات. ومع ذلك، استطاعت هذه التجربة المتميزة أن تحقق إنجازات نوعية، جعلت من المعهد فاعلا مركزيا في ورش تهيئة الأمازيغية وتقعيدها وإدماجها في السياسات العمومية.

يعرف الحسين المجاهد بتعدد اهتماماته وتكامل تكوينه؛ فهو الصحافي، والمترجم، واللساني، والمدبر الإداري.

فهذا التعدد ليس مجرد تنوع في المسارات، بل هو تعبير عن رؤية شمولية للثقافة باعتبارها فعلا مركبا يجمع بين إنتاج المعرفة وتدبيرها وتثمينها. وقد مكنه هذا التكوين المركب من النجاح في مختلف المواقع التي شغلها، بفضل حسه الثقافي العالي وقدرته على الربط بين الفكر والممارسة.

على المستوى الإنساني، يتميز الحسين المجاهد بخصال إنسانية ومهنية رفيعة؛ هدوء في الطبع، رصانة في التفكير، ودقة في التحليل. يترك أثرا خاصا لدى كل من يلتقيه؛ لا يميل إلى الاستعراض، ولا يتكلف في الحديث، لكنك حين تجالسه تشعر أنك أمام موسوعة حية في الفكر واللغة والأدب؛ رجل يستحضر المعارف بسلاسة، ويقارب القضايا بعمق واتزان، دون ادعاء أو استعراض، ويقنع بالحجة لا بالصوت.

وقد حظي هذا المسار الغني بتقدير وطني مستحق، توج بحصوله على وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الممتازة سنة 2019، كما يواصل حضوره داخل مؤسسات علمية مرموقة، مثل أكاديمية المملكة المغربية، مساهما في التفكير في قضايا الترجمة والثقافة والتعاون العلمي.

في المحصلة، يظل الحسين المجاهد أكثر من مجرد باحث أو إداري؛ إنه مثقف متكامل، آمن بأن الثقافة مسؤولية، وبأن النهوض باللغة الأمازيغية ورش حضاري يتطلب عملاً هادئا ونفسا طويلا.

رجل جمع بين النضال والعلم والتدبير، وبين الوفاء للقضية الأمازيغية والانفتاح على الأفق الإنساني الواسع، وظل وفيا لأسلوبه الخاص: الاشتغال في صمت… وترك الأثر يتحدث.

-باحث جامعي

The post الحسين المجاهد.. حكمة الصمت وقوة الفعل appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤