الحسكة.. احتجاجات في شارعين متقابلين بشأن ملف المعتقلين
شهدت محافظة الحسكة، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، حراكًا احتجاجيًا عكس انقسامًا جغرافيًا وسياسيًا في ملف المعتقلين، إذ خرجت تظاهرات، اليوم، في مدن خاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مقابل وقفات احتجاجية، أول أمس، في مناطق سيطرة الحكومة السورية، في مشهد يختزل تعقيد الملف الإنساني وتشابك أطرافه.
الحراك امتد من الحسكة وريفها ليصل دمشق، وحمل مطالب متشابهة في ظاهرها، لكنها تعكس روايتين مختلفتين حول المعتقلين والمسؤوليات المرتبطة بهم.
احتجاجات في مناطق “قسد”
في مدن الحسكة والقامشلي والدرباسية وعامودا والمالكية، خرج أهالي وذوو مقاتلي “قسد” المحتجزين لدى الحكومة السورية، اليوم، في تظاهرات ووقفات احتجاجية، طالبوا خلالها بالكشف عن مصير أبنائهم والإفراج عنهم.
وردد المشاركون شعارات ركزت على “حق معرفة المصير” و”الإفراج الفوري”، معتبرين أن استمرار احتجاز أبنائهم يفاقم معاناتهم الإنسانية، ويزيد من حالة القلق التي تعيشها العائلات منذ سنوات.
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة خطوات متبادلة بين الحكومة السورية و”قسد”، ضمن اتفاق كانون الثاني الماضي، الذي نص على معالجة ملف المعتقلين تدريجيًا، بالتوازي مع مسار دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة.
دمشق.. رواية مضادة واتهامات لـ”قسد”
شهدت العاصمة دمشق في المقابل، اليوم كذلك، وقفة احتجاجية أمام وزارة الخارجية والمغتربين، نظمها أهالي معتقلين لدى “قسد”، إضافة إلى ذوي أشخاص تم ترحيلهم إلى العراق بتهمة الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وطالب المحتجون الحكومة السورية بالضغط على “قسد” للكشف عن مصير أبنائهم، متهمين الأخيرة بتوجيه “تهم كيدية” واعتقال أشخاص دون أدلة كافية، ومن ثم ترحيل بعضهم إلى العراق.
كما شدد الأهالي على ضرورة متابعة ملف المرحّلين، والعمل على إعادتهم إلى سوريا، مؤكدين أن استمرار غياب المعلومات حول مصيرهم يضاعف من معاناة العائلات.
الحسكة.. احتجاجات ومخاوف
في ريف الحسكة، وتحديدًا ناحية الهول، نظم الأهالي اعتصامات متكررة أمام مبنى الناحية، للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم المعتقلين لدى “قسد”، أو أولئك الذين جرى نقلهم إلى العراق.
وقال “أحمد” (اسم مستعار)، وهو أحد ذوي المعتقلين من الهول، لعنب بلدي، إن العائلات “تعيش حالة من الضياع الكامل”، مضيفًا: “لا نعرف أين أبناؤنا، هل هم في سجون داخل سوريا أم في العراق، ولا توجد أي جهة تعطينا جوابًا واضحًا. نطالب فقط بمعرفة الحقيقة”.
وأشار إلى أن بعض المعتقلين “أُخذوا بتهم جاهزة”، على حد تعبيره، مؤكدًا أن الأهالي سيواصلون احتجاجاتهم حتى الحصول على إجابات.
وفي بلدة تل براك، خرجت وقفة احتجاجية مماثلة، أول أمس، ركزت على ملف المرحّلين إلى العراق، حيث عبّرت “جازية” (اسم مستعار)، وهي والدة أحد المعتقلين، عن مخاوفها من ضياع ملف ابنها بين الجهات المختلفة.
وقالت: “ابني اعتُقل منذ سنوات، ثم علمنا أنه نُقل إلى العراق، ومنذ ذلك الوقت لا نعرف عنه شيئًا. نريد محاكمته هنا في سوريا إن كان مذنبًا، لكن ليس بهذه الطريقة”.
تعكس هذه الشهادات حالة القلق المتزايد لدى العائلات، في ظل غياب قنوات تواصل واضحة، وتضارب المعلومات حول أماكن الاحتجاز.
تحركات رسمية ووعود بالمعالجة
بالتوازي مع الاحتجاجات، عقد محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، لقاءً مع عدد من عائلات المحتجزين من مقاتلي “قسد”، واستمع إلى مطالبهم، مؤكدًا أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى الجهات المعنية.
وأشار إلى أن العمل يجري ضمن آلية اتفاقية الدمج الموقعة في كانون الثاني، والتي تشكل إطارًا لمعالجة القضايا العالقة، بما فيها ملف المعتقلين.
كما التقى مسؤولون محليون، بينهم مدير المنطقة الجنوبية للحسكة، عدنان درويش، ومدير أمن الهول، عبد اللطيف الحمد، ذوي المعتقلين في سجون “قسد”، وكذلك المرحلين إلى العراق، ووعدوا بمتابعة الملف وإعداد قوائم بالأسماء لرفعها إلى الجهات المختصة.
وقال درويش، إن ملف المعتقلين “على رأس الأولويات”، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على استلام السجون من “قسد”، والكشف عن مصير المحتجزين، سواء داخل سوريا أو ممن تم ترحيلهم إلى العراق.
تبادل خطوات وإغلاق سجون
تأتي هذه التطورات في سياق تحركات متبادلة بين الحكومة السورية و”قسد”، شملت الإفراج عن عدد من المعتقلين من الطرفين، وإخلاء بعض السجون.
وبحسب تصريحات رسمية، أُغلق عدد من السجون في الحسكة، مع التوجه لإنشاء سجن مركزي بإدارة حكومية، في خطوة تهدف إلى توحيد إدارة ملف الاحتجاز.
كما يُتوقع الإفراج عن دفعات جديدة من المعتقلين خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع بدء عمل وزارة العدل في المحافظة، وافتتاح القصر العدلي للنظر في القضايا العالقة.
تعقيدات ملف المرحّلين إلى العراق
يزداد ملف المعتقلين تعقيدًا مع قضية ترحيل آلاف الأشخاص إلى العراق، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) نقل آلاف المعتقلين من شمال شرقي سوريا إلى العراق، ضمن عملية قالت إنها تهدف إلى تأمين احتجازهم.
وبلغ عدد السوريين المنقولين إلى العراق أكثر من 3500 معتقل، ضمن إجمالي يتجاوز 5700 شخص من جنسيات مختلفة.
ويرى المحامي محمد النايف، أن محاكمة معتقلين سوريين في العراق تطرح إشكاليات قانونية كبيرة، مشيرًا إلى أن “محاكمة أشخاص خارج الدولة التي ارتُكبت فيها الجرائم تمثل خللًا في مسار العدالة”.
وأوضح النايف أن بعض المرحّلين كانوا قاصرين عند اعتقالهم، وقضوا سنوات طويلة في السجون، ما يطرح تساؤلات حول قانونية الإجراءات المتخذة بحقهم.
وأضاف أن هناك شبهات تحيط بظروف اعتقال بعضهم، لافتًا إلى أن توجيه تهم الانتماء إلى تنظيم “الدولة” كان يُستخدم أحيانًا بشكل تعسفي من قبل “قسد”، وفق تعبيره.
ورأى أن معالجة هذا الملف يجب أن تبدأ بإعادة المعتقلين إلى سوريا، ومحاكمتهم ضمن إطار قانوني وطني، يضمن تحقيق العدالة ومراعاة المعايير القانونية.
وتعكس الاحتجاجات المتزامنة في مناطق سيطرة الحكومة و”قسد” حجم التعقيد في ملف المعتقلين، الذي بات يشكل أحد أبرز التحديات أمام أي تسوية بين الطرفين.
وفي حين تتقاطع مطالب الأهالي حول “معرفة المصير” و”الإفراج”، إلا أن اختلاف الروايات والاتهامات المتبادلة يضع هذا الملف في دائرة التجاذب السياسي، ويؤخر الوصول إلى حلول حاسمة.
ومع استمرار الحراك الشعبي، وتزايد الضغط من العائلات، يبدو أن ملف المعتقلين سيبقى مفتوحًا، بانتظار خطوات عملية تتجاوز الوعود، وتقدم إجابات واضحة لعائلات تنتظر منذ سنوات.





