... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
214585 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7155 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

الحروب المقدسة باسم الدين

العالم
هسبريس
2026/03/28 - 20:54 506 مشاهدة

(لم يمت أحد في التاريخ دفاعاً عن الله، كل من مات إنما مات دفاعاً عن رجل يدّعي أنه يتكلم باسم الله)

دعوني أبدأ بما يخشى الجميع قوله بصوت عالٍ: رجال الدين، على اختلاف أديانهم وألوانهم وعماماتهم وأثوابهم وقلنسواتهم، هم المسؤولون الأوائل عن أكثر الفظائع دموية في تاريخ الإنسانية. ليس الشيطان من أشعل الحروب الصليبية، بل رجل يرتدي ثوباً أبيض ويجلس على عرش في روما. وليس إبليس من أفتى بذبح المخالفين، بل رجل يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويدّعي أنه يفسّر مراد الله. وليست قوى الظلام من حرّضت على المذابح الطائفية عبر القرون، بل رجال يلبسون القداسة كما يلبس غيرهم البدلات ويسكنون القصور بينما يموت أتباعهم في الحروب التي اخترعوها لهم.

هذا ليس تجديفاً. هذا ما يقوله التاريخ حين تقرأه بعقلك لا بما زرعوه فيك منذ الطفولة.

قبل تسعة قرون، وقف أبو الوليد ابن رشد في قرطبة وقال ما لم يجرؤ أحد على قوله في زمانه: إن رجال الدين الذين يوظّفون النص الإلهي لخدمة السلطان لا يختلفون عن المزوّرين، إنهم يزوّرون كلام الله ليقولوا ما يريده الحاكم. وكان ثمن هذه الجرأة الفلسفية النادرة أن أحرقوا كتبه ونفوه ذليلاً في شيخوخته، لأن قول الحقيقة في وجه رجال الدين كان ولا يزال الجريمة التي لا تُغتفر. طاردوا ابن رشد لأنه كشف ما يفعلونه، ولأن الفضيحة تؤلم أكثر من الرمح حين تخترق قناع القداسة.

لكن من هو ابن رشد الذي يقدر اليوم على قول ما يجب قوله؟ ما الذي يجب قوله بالضبط؟

يجب القول بأن الصراع الذي دام قروناً بين المسلمين واليهود والمسيحيين لم يكن يوماً صراعاً على الحق الإلهي، لم يكن تنافساً روحياً بين ثلاثة طرق تؤدي إلى الله، لم يكن خلافاً لاهوتياً حقيقياً بين أناس يبحثون عن المطلق. كان في جوهره صراع نفوذ وأرض ومال وسلطة، والدين كان القناع الذي يجعل هذا الصراع القبيح يبدو نبيلاً في عيون الرعية التعيسة التي تحمل السيوف وتموت بينما يبقى الكهنة ورجال السلطة في مآدبهم.

جاء إدوارد سعيد ليكشف في كتابه الاستشراق كيف صنع الغرب المسيحي صورة المسلم الهمجي المتوحش، لا لأن هذه الصورة كانت حقيقية، بل لأن الاستعمار يحتاج إلى وحش قبل أن يبني سجوناً. لكن سعيد نفسه لو عاد اليوم لأضاف فصلاً جديداً إلى كتابه، فصلاً يقول فيه إن المسلمين أيضاً صنعوا صورة اليهودي المتآمر والمسيحي الصليبي بالآلية ذاتها تماماً، وأن رجال الدين في كل الأطراف كانوا المصنع الحقيقي لهذه الصور المشوّهة التي تحوّل الإنسان إلى شيطان قبل أن تحوّله إلى جثة.

الحروب الصليبية التي تُقدَّم في الكتب الدينية على أنها مواجهة بين الإسلام والمسيحية كانت في حقيقتها مشروعاً سياسياً أوروبياً من الطراز الأول. حين وقف البابا أوربانوس الثاني عام 1095 في مجمع كليرمون وخطب في الحشود المتجمّعة قائلاً “إن الله يريد ذلك”، لم يكن يتحدث باسم الله، كان يتحدث باسم الأزمة السياسية الأوروبية الخانقة، باسم النبلاء المتقاتلين الذين يهددون استقرار القارة، باسم الكنيسة التي تريد توسيع نفوذها شرقاً. الله لم يقل له شيئاً. لكن الله كان مفيداً جداً ليُقنع الفلاحين الفقراء والجنود الجياع بأن الموت في فلسطين أفضل من الحياة في فرنسا. هذه ليست قراءة متحيزة للتاريخ، هذا ما تقوله الوثائق والمراسلات البابوية ذاتها لمن يقرأها بعيون مفتوحة.

وفي المقابل، حين كان القادة المسلمون يُعلنون الجهاد ضد الصليبيين، لم يكن كثير منهم يتحرك لله، بل كان يتحرك لأرضه ونفوذه. صلاح الدين الأيوبي، البطل الذي يُكلَّل في الرواية الإسلامية بهالة الجهاد المقدس، كان قبل كل شيء سياسياً عسكرياً بارعاً يفهم أن استرداد القدس سيمنحه شرعية لا يستطيع أي منافس مسلم الطعن فيها. الدين كان الوقود، لكن المحرك كان السلطة. والفارق بين الاثنين هو الفارق بين ما يُقال على المنابر وما يُدار في خيام القادة.

لكن لنكن أكثر جرأة ولنتحدث عن اليوم لا عن أمس. ما الذي يفعله رجل الدين اليوم في المسجد والكنيسة والكنيس؟ يُنتج الكراهية على أساس يومي باسم تفسير النص المقدس. يُعلّم الأطفال أن “الآخر” مشكوك في إنسانيته قبل أن يشكك في دينه. يُشرعن التمييز والإقصاء ويسمّي ذلك حفاظاً على الهوية. يُصدر الفتاوى والمراسيم والقرارات الكنسية التي تضع بين الناس حواجز غير مرئية أعلى من أي جدار إسمنتي. ثم حين يشتعل الحريق، يرفع يديه ويقول: “الإسلام بريء، المسيحية بريئة، اليهودية بريئة”. نعم، الأديان بريئة، لكنك لستَ بريئاً أيها الكاهن الذي قضيت عمرك تزرع بذور هذا الحريق وتسقيها بماء التفسير المسيّس.

برتراند راسل، الفيلسوف البريطاني الذي خاض معارك فكرية لم يخضها إلا الشجعان، قال في كتابه “لماذا لست مسيحياً” ما أثار عليه غضب العالم المتديّن: إن المؤسسة الدينية عبر التاريخ كانت العائق الأكبر أمام التقدم الأخلاقي الإنساني. لم يقل إن الإيمان شر، لم يقل إن الروحانية وهم، قال إن المؤسسة حين تمتزج بالسلطة تصبح الوجه الآخر للطغيان. وراسل لم يكن مجنوناً ولا أعمى ولا حاقداً على الروح الإنسانية، كان رجلاً يرى ما لا يريد الآخرون رؤيته: أن رجل الدين الذي يمنحه المجتمع سلطة تفسير المقدس، هو أخطر إنسان في أي مجتمع لأنه يملك مفاتيح الجنة والنار ويستخدمها لمن يطيعه ويُسلّمها للشيطان لمن يعصيه.

والأشد مرارةً في هذه المعادلة هو أن الفقراء دائماً هم من يدفعون الثمن. في كل حرب دينية عبر التاريخ، مات الفقراء المسلمون والفقراء اليهود والفقراء المسيحيون، بينما جلس رجال الدين الكبار ورجال السلكة الذين يحمون مصالحهم في أمان كامل يُحصون الغنائم. الفلاح الفقير في أوروبا القروسطية الذي ترك أرضه ومات في الطريق إلى القدس لم يكن يعرف أنه يموت لكي يبقى البابا في عرشه. والشاب المسلم الذي يتجنّد اليوم في ميليشيا طائفية لا يعرف أنه يموت لكي يبقى رجل الدين الذي جنّده في قصره.

وتلك هي الجريمة الكبرى، ليست الكراهية وحدها، بل توظيف الإيمان البريء لإنسان بسيط يبحث عن معنى ويحتاج إلى يقين، لتحويله إلى وقود في حرب لا يفهم أسبابها الحقيقية ولن يجني ثمارها أبداً. الإيمان الحقيقي هو أثمن ما في الإنسان، هو حاجته العميقة إلى أن يكون جزءاً من شيء أكبر منه، حاجته إلى الأمل والمعنى والانتماء. ورجال الدين السياسيون يعرفون هذا جيداً، ولهذا يستغلونه بدقة جراح لا يرحم.

لا يمكن القفز فوق الحقيقة التالية بأي قدر من المجاملة أو الحياء الثقافي: المساجد التي تُدرّس الكراهية، والكنائس التي تُبرر التمييز، والكنُس التي تُسوّغ الاستيلاء على الأرض، كلها مصانع لإنتاج العنف، حتى حين لا تُمسك بيدها سلاحاً. لأن السلاح الذي يُصنع في العقل أخطر من السلاح الذي يُصنع في المصنع. ابن رشد يسمّي هذا إفساداً في الأرض، وإدوارد سعيد يسمّيه استعماراً للوعي، وبرتراند راسل يسمّيه تعبيداً باسم الإله. أيّاً كانت التسمية، الضحية واحدة: الإنسان.

الخروج من هذا النفق الطويل المظلم لا يبدأ بحوارات الأديان المصطنعة التي يتصافح فيها رجال الدين أمام الكاميرات ثم يعودون إلى منابرهم مساءً ليكملوا ما بدأوه من تحريض. لا يبدأ بمؤتمرات “نحن أبناء إبراهيم” التي تُنتج بيانات جميلة لا تغير شيئاً في خطبة الجمعة القادمة ولا في عظة الأحد المقبل. يبدأ بشيء واحد فقط: أن يقرر كل إنسان بشجاعة فردية نادرة أن يقرأ نصه الديني بعقله هو، لا بعقل من يستفيد من جهله. أن يسأل حين يُلقَّن الكراهية: من الذي يربح حين أكره هذا الإنسان الذي لا أعرفه؟

قال موسى لا تقتل، قال عيسى أحبوا أعداءكم، قال محمد إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق. ثلاثة رجال نبلاء جاءوا ليرفعوا الإنسان. ثم جاء من بعدهم آلاف الرجال الذين يحملون أسماءهم ويلبسون ثيابهم ويتكسّبون بمقدّساتهم، لينزلوا بالإنسان إلى حيث لم يتصور الأنبياء أن يصل أحد. هؤلاء ليسوا ورثة الأنبياء. هم من سرق إرث الأنبياء وباعه في سوق السياسة.

الله بريء منهم. والتاريخ شاهد عليهم. والإنسان العاقل لا يحتاج إلى أكثر من هذين الشاهدين.

The post الحروب المقدسة باسم الدين appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤