الحرب التي تجاوزت الميدان: كيف أعادت المواجهة رسم الاقتصاد العالمي من هرمز إلى طوكيو؟ #عاجل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب -زياد فرحان المجالي
لم تعد الحروب الكبرى تُقرأ فقط من خلال عدد الصواريخ أو اتساع رقعة الدمار، لأن أثرها الأعمق يبدأ عادة عندما تغادر الجبهة العسكرية إلى الموانئ، وإلى أسعار الطاقة، وإلى البورصات، وإلى سلاسل التوريد، وإلى القدرة اليومية للناس على شراء الطعام والتنقل والعمل. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو المواجهة الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أكثر من مجرد حرب عسكرية؛ إنها اختبار فعلي لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات.
في قلب هذا المشهد يقف مضيق هرمز. فالمسألة لم تعد مجرد احتمال إغلاقه الكامل، بل أخطر من ذلك: تحويله إلى ممر مكلف، متوتر، خاضع للخوف والرقابة والرسائل السياسية. وحين يصبح المرور نفسه مخاطرة، لا تحتاج الأسواق إلى إغلاق رسمي حتى تبدأ بالاختناق. يكفي أن تدخل التجارة العالمية في مناخ من الشك حتى ترتفع كلفة النقل والتأمين، وتبدأ الأسعار بالتحرك على أساس الخطر.
هذا هو جوهر التحول الراهن. فإيران لا تحتاج إلى إقفال المضيق حتى تصيب الاقتصاد العالمي، بل يكفي أن تجعل عبوره أقل أمانًا. عندها تتحول الملاحة إلى أداة ضغط، وترتفع أسعار النفط، وتضطرب حركة الشحن، وتبدأ الشركات بإعادة حساباتها على مستوى الإمدادات والمخزون والعقود.
وقد ظهرت التداعيات سريعًا في آسيا. ففي الصين، لا ينحصر القلق في ارتفاع الأسعار، بل يمتد إلى احتمال انتقال الأزمة إلى قلب الصناعة والإنتاج والاستهلاك. فتعطل الشحن أو ارتفاع كلفته لا يضرب مستوردي الطاقة فقط، بل يطال أيضًا القطاعات المرتبطة بالتصدير والبناء والبنية التحتية والصناعات الثقيلة. وهكذا لا تعيد الحرب تسعير برميل النفط فقط، بل تعيد تسعير كلفة الإنتاج العالمي كله.
وفي اليابان، تبدو الصورة مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الجوهر. فالتذبذب في الأسواق المالية، والقلق من ارتفاع كلفة الوقود، والتحرك لحماية الإمدادات، كلها مؤشرات إلى أن الحرب تُقرأ هناك كصدمة اقتصادية مركبة. فحين تتوتر الطاقة، تتأثر البورصات والطيران والصناعة والحكومة معًا، ويتحول حدث جيوسياسي بعيد إلى عنصر يومي في صناعة القرار الاقتصادي.
أما في باكستان، فإن الأثر يبدو أكثر مباشرة على الحياة اليومية. فارتفاع المحروقات وتراجع القدرة الشرائية ينعكسان بسرعة على الغذاء والنقل والسلع الأساسية. وهذا هو الوجه الأكثر قسوة لاقتصاد الحرب: أن يدفع المواطن العادي ثمن صراع لا يملك فيه قرارًا، لكنه يجد نفسه في النهاية أمام حياة أكثر غلاء وضيقًا.
وفي ماليزيا، يأخذ المشهد بعدًا إضافيًا، لأن أزمة الطاقة لا تقف عند حدود الأسعار، بل تمتد إلى الأمن الداخلي وسياسات الدعم وضبط الحدود ومنع التهريب. وهكذا لا تعيد الحرب تشكيل الاقتصاد فقط، بل تعيد أيضًا تشكيل الإدارة والسلوك والسياسات العامة.
أما الولايات المتحدة، فليست خارج هذه المعادلة، حتى لو كانت الطرف الأقوى عسكريًا. فكل خطوة تصعيدية ضد إيران تحمل معها سؤالًا أكبر: كيف يمكن إدارة الحرب من دون دفع الاقتصاد العالمي إلى موجة جديدة من الاضطراب؟ لأن أي ضغط عسكري إضافي قد يعني، عمليًا، ضغطًا إضافيًا على هرمز، وعلى أسواق الطاقة، وعلى الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الاستقرار البحري.
من هنا، لم تعد المعادلة هي من ينتصر في الميدان فقط، بل من ينجح في رفع كلفة الزمن على خصمه من دون أن يرتد العبء عليه وعلى العالم كله. فالحرب الحالية أصبحت صراعًا على مفاصل الاقتصاد العالمي: على الطاقة، وعلى الممرات، وعلى الثقة. وفي هذا النوع من المواجهات، لا يكون السؤال فقط من أصاب من، بل من نجح في جعل استمرار الحرب أكثر كلفة من أي تسوية ممكنة.
