الحرب على إيران: مأزق استراتيجي أمريكي واحتمالات البحث عن "مخرج محدود"
واشنطن: تشير قراءة تحليلية منشورة في مجلة Foreign Affairs إلى أن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى بدأت تكشف عن ملامح مأزق استراتيجي قد يتحول إلى استنزاف طويل الأمد، في ظل غياب رؤية واضحة للنصر أو تصور عملي لإنهاء العمليات العسكرية. ويرى التحليل أن هذا النمط يعيد إلى الأذهان تجارب أميركية سابقة في فيتنام والعراق وأفغانستان، حيث أدت الأهداف غير المحددة والتصعيد التدريجي إلى تعقيد الصراعات بدل حسمها.
وبحسب التقرير المنشور في Foreign Affairs، فإن جوهر المشكلة يكمن في طبيعة الحرب غير المتكافئة بين الطرفين. فالولايات المتحدة تحتاج إلى تحقيق أهداف واسعة النطاق مثل تغيير النظام الإيراني أو إضعافه إلى درجة تمنعه من تهديد الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية. في المقابل، يكفي إيران أن تواصل الصمود وأن تنفذ هجمات متقطعة ومحدودة لكنها ذات أثر اقتصادي ونفسي كبير، مثل استهداف ناقلات النفط أو منشآت الطاقة في الخليج، لإظهار عجز واشنطن عن تحقيق أهدافها.
ويؤكد التحليل أن الضربات العسكرية المكثفة لم تؤدِّ حتى الآن إلى تفكك النظام السياسي في إيران. بل إن التطورات الأخيرة — وفق ما تشير إليه Foreign Affairs — ساهمت في تعزيز تماسك مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، وترسيخ نفوذ التيار المتشدد في هرم السلطة. كما أن انتقال القيادة في ظل ظروف الحرب والضغط الخارجي أدى إلى تثبيت توجهات أكثر صرامة، بدلاً من فتح المجال أمام مراجعات سياسية داخلية كان بعض المراقبين يتوقعونها قبل اندلاع الصراع.
ويرى التقرير أن الأهداف العسكرية المحدودة التي يطرحها صناع القرار العسكري في الولايات المتحدة، مثل تقليص القدرات الصاروخية والبحرية والنووية الإيرانية، تبدو أكثر واقعية من هدف تغيير النظام. غير أن تحقيق هذه الأهداف لا يضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار الإقليمي. فإيران — كما يوضح تحليل Foreign Affairs — لا تحتاج إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل يكفيها الحفاظ على قدرة مستمرة على إرباك أمن الطاقة العالمي من خلال هجمات منخفضة الكلفة نسبيًا لكنها عالية التأثير.
ويحذر التحليل من أن أي تصعيد إضافي قد يضع الولايات المتحدة أمام خيارات شديدة الخطورة. فسيناريو السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، على سبيل المثال، يتطلب عمليات برية معقدة داخل أراضٍ محصنة بشدة، وقد يعرّض القوات الأميركية لخسائر كبيرة. كما أن استهداف جزيرة خرج، التي تمثل شريانًا رئيسيًا لصادرات النفط الإيراني، قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة وارتفاع حاد في الأسعار العالمية، وهو ما يتعارض مع المصالح الاقتصادية الأميركية والدولية.
وتشير Foreign Affairs أيضًا إلى أن دعم حركات معارضة داخل إيران بهدف زعزعة استقرار النظام قد يفضي إلى نتائج غير محسوبة، مثل تفكك الدولة أو اندلاع صراع داخلي متعدد الأطراف، بما يشبه السيناريوهات التي شهدتها سوريا أو ليبيا. وفي هذه الحالة، قد تتدخل قوى إقليمية متعددة لحماية مصالحها، مما يفتح الباب أمام مرحلة طويلة من الفوضى وعدم الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية استراتيجيًا.
وفي ضوء هذه المعطيات، يخلص التحليل إلى أن الخيار الأكثر واقعية أمام واشنطن يتمثل في البحث عن “خروج محدود” من الحرب. ويقترح التقرير أن تعلن الولايات المتحدة تحقيق أهداف عسكرية جزئية، مثل إضعاف بعض القدرات الإيرانية، بالتوازي مع تبني سياسة تهدف إلى خفض التصعيد وإعادة توجيه الضغوط الدولية نحو طهران. ويرى أن هذا المسار قد يلقى دعمًا من قوى دولية رئيسية — مثل الصين والدول الأوروبية ودول الخليج — التي تتقاطع مصالحها في استقرار أسواق الطاقة وتجنب توسع نطاق الصراع.
ويحذر تحليل Foreign Affairs في ختامه من أن استمرار التصعيد بحثًا عن نصر حاسم قد يؤدي إلى تعميق المأزق الاستراتيجي الأميركي وإلحاق أضرار طويلة الأمد بمكانة الولايات المتحدة الدولية. ويؤكد أن التحدي الأساسي في المرحلة الراهنة لا يتمثل في تحقيق انتصار عسكري شامل، بل في تقليص الخسائر وحماية المصالح الحيوية ومنع تحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع يصعب احتواؤه.



