يصعّد الحوثيون هجماتهم في توقيت تتزايد فيه احتمالات عودة الحرب داخل اليمن، ما يضع قدرتهم على القتال على جبهتين أمام معادلة أكثر صعوبة. فخلال الأسابيع الأخيرة، استهدفت الجماعة معسكرات حكومية في مأرب وحضرموت والمخا، ووسعت هجماتها ضد السعودية والملاحة، فيما حذرت الأمم المتحدة من أن اليمن يواجه أخطر احتمال للعودة إلى حرب شاملة منذ هدنة 2022.
عسكرياً، خسرت الجماعة جزءاً مهماً من هامش حركتها. فالضربات الأميركية والإسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية ومراكز قيادة وتخزين وبنى ساحلية، وفقد الحوثيون شخصيات سياسية وعسكرية بارزة. ومع ذلك، احتفظت الجماعة بقدرتها على استخدام الصواريخ والمسيّرات وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وتنفيذ هجمات داخل السعودية.
وتشير هذه المعادلة إلى استنزاف في القيادات واللوجستيات وحرية الحركة، مع بقاء جزء أساسي من القوة العسكرية التي تسمح للجماعة بمواصلة التصعيد.
جبهة داخلية مرهقة
يسيطر الحوثيون على مؤسسات الدولة في صنعاء وعلى معظم تدفقات الضرائب والجمارك والزكاة، ويديرونها ضمن نموذج شديد المركزية يعطي الأولوية للأمن والحرب. وفي المقابل، يعاني مئات آلاف الموظفين غياب الرواتب المنتظمة، وسط توسع الجبايات والقيود على القطاع الخاص والعمل المدني.
وتشير بيانات حديثة إلى أن نحو 10 في المئة من الأسر في مناطق سيطرة الحوثيين أفادت بأن أحد أفرادها قضى يوماً وليلة كاملة من دون طعام.
ويرى رئيس تحرير موقع "كريتر سكاي" ماهر درهم أن "الحوثيين لا يزالون يمتلكون أدوات عسكرية قادرة على إحداث تأثير إقليمي، لكن قدرتهم على استخدام هذه الأدوات بالزخم نفسه ستواجه اختباراً صعباً إذا عادت الحرب البرية الواسعة داخل اليمن".
ويضيف لـ"النهار" أن الجماعة استفادت خلال السنوات الماضية من غياب جبهات داخلية مفتوحة، ما أتاح لها توجيه مواردها نحو الصواريخ والمسيّرات والبحر الأحمر، فيما سيجبرها فتح جبهات عدة في مأرب والساحل الغربي ومناطق أخرى على إعادة توزيع المقاتلين والذخائر والموارد.
ويعتقد درهم أن التحدي داخلي أيضاً، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وأزمة الرواتب والجبايات وتراجع مستوى المعيشة، وهي عوامل ضغط متراكمة قد ترفع كلفة التعبئة على المجتمع إذا طالت الحرب.
وبشأن إيران، يرى أن "الحوثيين سيظلون جزءاً مهماً من حسابات طهران الإقليمية، لكن الجماعة باتت في الوقت نفسه تمتلك مصالح وحسابات يمنية خاصة، ولذلك فإن مساحة قرارها لا يمكن اختزالها في مجرد تلقي الأوامر من إيران".

كلفة الاستنزاف
ويركز المحلل السياسي اليمني وائل القباطي على قدرة الجماعة على الحفاظ على جبهتها الداخلية، معتبراً أن "مواصلة القتال تعتمد على إبقاء المجتمع تحت السيطرة وتحمل كلفة التعبئة الطويلة إلى جانب امتلاك السلاح".
ويقول لـ"النهار" إن سنوات الأزمة خلقت حالة من الإنهاك الاقتصادي والاجتماعي في مناطق سيطرة الحوثيين، وإن أي حرب جديدة ستبدأ "فوق أرضية شعبية مرهقة أصلاً".
ويضيف أن الجماعة تمتلك قبضة أمنية قوية وأجهزة تعبئة وتنظيم فعالة، فيما تحتاج الحرب الطويلة إلى مزيد من المقاتلين والموارد والتمويل، ما يزيد الضغط على القبائل والأسر والقطاع التجاري، وقد يوسع دائرة التذمر.
وبحسب القباطي، ستكون قدرة الحوثيين على الحفاظ على التعبئة في حال تحول القتال إلى استنزاف طويل "عاملاً حاسماً"، خصوصاً مع ارتفاع الخسائر البشرية وتراجع الاقتصاد والخدمات. وأي تصدع في العلاقة مع القبائل أو اتساع الغضب الشعبي "سيرفع كلفة الحرب" حتى مع بقاء الترسانة الصاروخية والعسكرية.
اقتصادياً، تواجه مناطق سيطرة الحوثيين ضغوطاً معيشية متفاقمة رغم الاستقرار النسبي للعملة، فيما يؤدي ضعف الدخل وتراجع الاستهلاك إلى مزيد من الضغط على الأسواق والأسر.
ولا تزال الجماعة قادرة على ترميم جزء من خسائرها عبر التصنيع والتجميع المحلي وشبكات التهريب، فيما يبدو تعويض القيادات النوعية والمكونات المتقدمة والبنى اللوجستية أكثر صعوبة. كما أن إعادة تنظيم القوات الحكومية بدعم سعودي ترفع كلفة أي مواجهة داخلية جديدة.
ويستطيع الحوثيون، وفق هذه المعطيات، مواصلة هجمات إقليمية متقطعة حتى مع اشتعال الجبهات الداخلية. لكن حرباً برية طويلة ستفرض توزيع المقاتلين والذخائر والتمويل بين الداخل والبحر الأحمر والجبهة الإقليمية، ما قد يقلص قدرتهم على استخدام ترسانتهم بالوتيرة والنطاق نفسيهما.





