الحوار الاجتماعي بين الوعود والتجميل السياسي.. لقاءات بلا أثر وأجور تذوب تحت الغلاء
مرة أخرى، يعود ملف الحوار الاجتماعي إلى الواجهة خلال جولة الجمعة 17 أبريل 2026، وسط سقف مرتفع من المطالب النقابية المتعلقة أساساً بالزيادة المباشرة في الأجور والمعاشات، في مقابل مقاربات حكومية توصف بأنها تميل إلى الحلول غير المباشرة، وعلى رأسها مراجعة الضريبة على الدخل.
الجولة التي ترأسها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بحضور عدد من أعضاء الفريق الحكومي، عكست من جديد حجم التباين بين خطاب رسمي يتحدث عن “تفاؤل إيجابي” وبين واقع اجتماعي يزداد ضغطاً بفعل ارتفاع كلفة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.
النقابات، من جهتها، شددت على أن اللحظة تستدعي قرارات فورية وملموسة، لا مزيداً من النقاشات المؤجلة، معتبرة أن تحسين الدخل لم يعد مطلباً ظرفياً بل ضرورة اجتماعية ملحة. غير أن التجارب السابقة، وفق متابعين، تجعل الكثيرين يتعاملون مع هذه الجولات بنوع من الحذر، في ظل غياب تنزيل فعلي للعديد من الالتزامات المعلنة.
في هذا السياق، تتصاعد الانتقادات الموجهة لطبيعة الحوار الاجتماعي نفسه، الذي يتحول في نظر فئات واسعة إلى ما يشبه “محطة بروتوكولية” أكثر منه آلية لإنتاج حلول حقيقية. لقاءات متكررة، صور رسمية، وبلاغات مطمئنة، تقابلها في الميدان أوضاع معيشية لا تتغير بالوتيرة نفسها.
الأكثر إثارة للجدل، حسب أصوات نقابية، هو ما تعتبره استمرار فجوة بين ما يُعلن داخل قاعات الحوار وما يُطبق فعلياً، حيث تبقى مخرجات العديد من الاتفاقات السابقة معلقة أو جزئية التنفيذ، في انتظار جولات جديدة تعيد نفس النقاش من البداية.
في المقابل، تتهم بعض الأصوات النقابية المركزيات الكبرى بالانخراط في منطق “التدبير التوافقي الهادئ” مع الحكومة، حيث تُدار الملفات الحساسة بإيقاع بطيء، بينما يستفيد جزء محدود من الامتيازات والنتائج، في حين يظل الأجراء والموظفون في مواجهة مباشرة مع الغلاء وتآكل الدخل دون أثر ملموس على أرض الواقع.
هذا الوضع يغذي لدى فئات واسعة شعوراً بأن الحوار الاجتماعي لم يعد بالضرورة أداة ضغط فعالة بقدر ما أصبح مساحة لتدوير المطالب وتأجيل الحسم فيها، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى قرارات واضحة تعيد التوازن بين الدخل وكلفة العيش.
النقابات الأكثر تشدداً داخل هذا النقاش ما تزال تطالب بزيادات مباشرة في الأجور، وبإصلاحات ضريبية عادلة، إلى جانب تحسين أوضاع المتقاعدين والفئات الهشة، معتبرة أن أي حلول جزئية لن تكون كافية لوقف نزيف القدرة الشرائية.
لكن في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال المطروح بإلحاح: هل يتحول الحوار الاجتماعي إلى آلية فعلية لإنتاج قرارات قابلة للتنفيذ، أم يظل مجرد موعد دوري لإدارة التوتر الاجتماعي وتخفيفه دون معالجة جذوره؟
وبين من يرى فيه فرصة للتفاوض ومن يعتبره مجرد واجهة شكلية، يظل الأكيد أن الفجوة بين النقاشات والواقع المعيشي ما تزال هي العنوان الأبرز لهذه الجولة الجديدة من الحوار الاجتماعي.


