الحكومة في عام.. إنجاز محدود واستراتيجية غائبة
موفق الخوجة | أمير حقوق | محمد ديب بظت
عام على تشكيل أول حكومة بعد سقوط النظام السوري السابق، ضمّت شخصيات يفترض أنها جامعة لكل السوريين واعتمدت على الكفاءة لا الولاءات السياسية أو المذهبية.
الحكومة التي شكّلها الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 29 من آذار 2025، وتألفت من 23 وزيرًا، بينهم امرأة واحدة، إلى جانب بعض الشخصيات التي انتقلت من الدائرة الضيقة لـ”هيئة تحرير الشام” (نواة الإدارة السياسية والعسكرية في سوريا)، ولا سيما في الحقائب السيادية، إضافة إلى وزراء آخرين من خلفيات وأيديولوجيات مختلفة.
وكان السوريون يأملون من هذه الحكومة الارتقاء السريع في الواقع المعيشي، الذي شهد تدهورًا حادًا خلال سنوات الثورة السورية، أبرز نتائجه وصول نسبة الفقر إلى 90%، بحسب بيانات الأمم المتحدة.
بالمقابل، فإن الواقع الخدمي شهد تحسنًا طفيفًا، لم يرقَ إلى ما أمله السوريون، في حين أن قطاعات أخرى ما زالت مهمَلة، كما أن السياسات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها الحكومة خلال سنتها الأولى، واجهت نقدًا من خبراء بضعفها وتأثيرها السلبي على الأرض.
على الصعيد الإداري والشفافية، ما زالت الحكومة تعاني من ضعف حوكمي، ما أدى إلى تعذر إمكانية تقييمها بشكل صحيح، بسبب عدم وجود بيانات أو خطط حكومية واضحة، يمكن الاستناد إليها في التقييم.
تناقش عنب بلدي في هذا الملف، مع خبراء وباحثين ومعنيين في الشأن الداخلي، أداء الحكومة السورية في سنتها الأولى، على المستويات الخدمية والاقتصادية والإدارية.
القطاع الخدمي في سوريا.. بين الإنجازات والغياب
يشكّل القطاع الخدمي الواجهة الأكثر مباشرة لعمل أي حكومة، إذ تنعكس قراراته اليومية على تفاصيل حياة الناس، من الكهرباء والمياه والطبابة إلى النقل والاتصالات والخدمات البلدية.
في سوريا، يكتسب هذا القطاع أهمية مضاعفة، باعتباره مرتبطًا بشكل مباشر بقدرة المواطنين على التكيف مع الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، ويعد المؤشر الأكثر وضوحًا على فعالية السياسات الحكومية ومدى اقترابها من احتياجات الشارع.
خلال العام الأول من عمل الحكومة، برزت وزارات القطاع الخدمي بوصفها في قلب التقييم الشعبي والمهني، إذ لم يعد الحديث عن الخطط أو التصريحات كافيًا، بل باتت النتائج الملموسة في مجالات الطاقة والصحة والنقل والاتصالات والإدارة المحلية هي المعيار الأساسي للحكم على الأداء.
وبين محاولات تحسين الواقع الخدمي والقيود المرتبطة بالإمكانات والموارد والبنية التحتية، يبرز هذا المحور لقراءة ما تحقق فعليًا، وما بقي عالقًا بين القرارات والتنفيذ.

مشاركون قالوا إن ساعات التغذية لم تتحسن رغم ارتفاع قيمة الفواتير – 29 من كانون الثاني 2026 (عنب بلدي/ أحمد المسلماني)
وزارة الطاقة.. تحسن في الخدمات وجدل حول الأسعار
قطاع الطاقة شكّل خلال عام 2025 أحد أبرز ملفات التقييم الخدمي، خاصة بعد إحداث وزارة الطاقة بموجب المرسوم الرئاسي رقم “150” لعام 2025، الذي دمج وزارات النفط والثروة المعدنية والكهرباء والموارد المائية، لإعادة هيكلة القطاع وتحقيق التكامل في إدارة الخدمات الأساسية.
شهد العام تحسنًا نسبيًا في الكهرباء واستقرارًا في توفر المحروقات، بالتوازي مع زيادة ساعات التغذية ببعض المناطق، وهو ما ربطته الحكومة بتدفق الغاز الطبيعي الأذربيجاني عبر تركيا خلال آب 2025، ودعم قطاع التوليد وتحسين كميات الوقود المخصصة للمحطات، إلى جانب عودة الثروة المعدنية تدريجيًا إلى مسارها الإنتاجي.
رغم التحسن النسبي، أثار قرار رفع أسعار الكهرباء، في تشرين الأول 2025، حالة من الاستياء، بعد اعتماد تسعيرة جديدة وفق أربع شرائح، قالت الوزارة إنها تهدف إلى إصلاح القطاع الذي يعاني خسائر سنوية كبيرة وتحسين جودة الخدمة.
وامتد الجدل إلى القطاع الصناعي، حيث اعتبر صناعيون أن رفع التعرفة يشكل عبئًا إضافيًا، بينما شهد الشارع احتجاجات ودعوات لعدم تسديد الفواتير، ليبقى ملف الكهرباء من أكثر القضايا حضورًا في النقاش العام.
وفي شباط الماضي، سجلت عدة مناطق نقصًا في أسطوانات الغاز المنزلي، ما أدى إلى ازدحام أمام مراكز التوزيع، قبل أن تؤكد الوزارة في آذار عدم وجود نقص في المشتقات النفطية، مشيرة إلى أن المشكلة مرتبطة بآليات التوزيع وليس بتوفر المادة.
أبرز ملامح قطاع الطاقة خلال عام:
-
إحداث وزارة الطاقة ودمج النفط والكهرباء والمياه والثروة المعدنية.
-
تحسن نسبي في ساعات الكهرباء.
-
تدفق الغاز الأذربيجاني عبر تركيا.
-
استقرار المحروقات رغم ارتفاع الأسعار.
-
رفع تسعيرة الكهرباء وإثارة جدل واسع.
-
أزمة غاز خلال 2026.
الاتصالات.. تحسن محدود في الخدمة
تضرر قطاع الاتصالات بشكل كبير خلال سنوات الحرب، نتيجة تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية وتراجع الصيانة والاستثمار، ما انعكس على جودة التغطية وسرعة الإنترنت.
خلال عام 2025، حاولت وزارة الاتصالات إعادة ترتيب أولويات القطاع عبر خطط لإعادة التأهيل وشراكات خارجية، إلا أن التحسن الملموس في الخدمة بقي محدودًا.
كما واجهت الوزارة تحديات كبيرة بسبب حجم الدمار، وارتفاع تكلفة إعادة التأهيل، ونقص الخبرات المتخصصة نتيجة الهجرة خلال الحرب، وركزت على عقد الربط الرئيسة لضمان استقرار الشبكة الأساسية، ثم التوسع تدريجيًا نحو المناطق الأكثر تضررًا، بالتوازي مع شراكات مع دول وشركات صديقة لتأمين التمويل والدعم الفني، وتطوير برامج تدريب للكوادر الوطنية.
ورغم الخطط المعلنة، لم يلحظ السكان تحسنًا فعليًا في جودة التغطية أو سرعة الإنترنت، إذ استمرت الشكاوى من ضعف الشبكة وارتفاع الأسعار، خاصة مع استمرار ضعف تغطية شركتي الاتصالات ورفع أسعار الباقات بنسب وصلت إلى نحو 70% وحتى 100%.
الإدارة المحلية.. الواقع والخطوات الإصلاحية
في مدينة بحجم حلب، على سبيل المثال، لا تزال مشكلات النظافة وترحيل القمامة، وتزفيت الشوارع، والصرف الصحي قائمة، ما يعكس حجم التحديات المتراكمة خلال سنوات الحرب.
سعت الوزارة إلى تحسين البنى التحتية عبر مشاريع ترميم للطرق وشبكات الصرف الصحي، وإزالة الأنقاض، وضبط المخالفات والتعديات، واستئناف منح رخص البناء وفق المخططات التنظيمية.
كما طورت الأداء الإداري بتفعيل “النافذة الواحدة”، وإعادة تفعيل مراكز خدمة المواطن، وإنشاء أسواق بديلة للإشغالات المؤقتة، وتأسيس قاعدة بيانات للموارد البشرية والآليات والأصول، إلى جانب دراسة عقود الاستثمار المتوقفة لدعم الخطط المستقبلية.
رغم هذه الجهود، يبقى الواقع الخدمي في بعض المدن والبلدات دون المستوى المطلوب، خصوصًا في المدن الكبرى، مثل دمشق، حيث تواجه الخدمات الأساسية تحديات يومية أمام المواطنين.
في شباط الماضي، أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة القرار رقم “13”، الذي منح المحافظين صلاحيات واسعة تشمل الشؤون المالية والقانونية، وعقود الاستثمار، وإدارة العاملين، إضافة إلى مهام حماية البيئة.
كما فتحت الوزارة باب تقديم طلبات العودة للعمل للموظفين المفصولين خلال السنوات السابقة، لاستعادة الكفاءات المفقودة وتعزيز الأداء الإداري في المحافظات.
الصحة.. خطط استراتيجية وتحديات مستمرة
يعاني القطاع الصحي في سوريا من ترهل إداري ونقص في الموارد ودمار واسع في المنشآت الطبية، وهي مشكلات أكثر وضوحًا في أرياف المدن، حيث لا تزال مراكز صحية عديدة خارج الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة، ورغم محاولات وزارة الصحة إعادة تنظيم القطاع خلال عام 2025، لا تزال المعوقات مرتبطة بالبنية التحتية ونقص التجهيزات والكادر الطبي.
أطلقت الوزارة، في كانون الثاني الماضي، الخطة الوطنية الاستراتيجية للأعوام 2026-2028، لتعزيز كفاءة النظام الصحي وتحسين الخدمات، إلى جانب توقيع 16 اتفاقية دولية وتجهيز 26 اتفاقية جديدة مع جهات داعمة.
وذكرت الوزارة أنها قدمت أكثر من 177 ألف خدمة في تنظيم الأسرة، وأكثر من 131 ألف خدمة لرعاية الحوامل، وإعادة تفعيل 36 جهازًا “ماموغرافيًا”، مع تقديم أكثر من 6.7 مليون جرعة لقاح.
رغم هذه الإجراءات، لا تزال شكاوى المواطنين مستمرة، سواء بسبب عدم تفعيل المراكز الصحية المتضررة أو نقص التجهيزات في المستشفيات الكبرى، مثل أجهزة “الإيكو” والرنين المغناطيسي، ما يعكس الفجوة بين الخطط المعلنة والواقع.
التربية والتعليم.. احتجاجات المعلمين وبنية مدرسية هشة
كانت وزارة التربية تحت ضغط كبير خلال العام الماضي، مع احتجاجات متصاعدة لمعلمي الشمال السوري حول التثبيت ورفع الأجور، بالتزامن مع تحركات لمعلمي العقود في الساحل السوري.
وتوزع ملف التعليم بين مطالب بتحسين الرواتب والعقود، ومصير وظيفي غير مستقر، بالإضافة إلى نقص الكتب والمقاعد ووسائل التدفئة، فضلًا عن مشكلات توزيع مادة المازوت.
رغم جهود الوزارة في ترميم وتجهيز بعض المدارس، بقيت البنية المدرسية هشة، خصوصًا في الأرياف والمناطق المتضررة، ما يحد من قدرة القطاع على تحقيق استقرار تعليمي حقيقي.
الشؤون الاجتماعية والعمل.. مخيمات وتسول وخطط استراتيجية
تلقت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل انتقادات بشأن المخيمات، وعدم وجود حلول نهائية لمعاناة آلاف العائلات في الشمال السوري، رغم إطلاق برامج لإعادة اللاجئين وتعزيز الحماية الاجتماعية.
وكانت الوزيرة، هند قبوات، أكدت أن الهدف هو إنهاء مشهد اللجوء والمخيمات، عبر خطة وطنية تحت شعار “وطن بلا خيمة”، تشمل إعادة الإعمار وتأهيل البنى التحتية وتشجيع العودة الطوعية.
ملف التسول شكّل تحديًا آخر، إذ لم تنجح الحملات المشتركة مع المحافظات في الحد منه، مع العمل على إعداد مراكز إيواء للأطفال والنساء، وتقديم برامج تأهيل وتعليم مهني لإعادة دمجهم في المجتمع.
كما أطلقت الوزارة خطتها الاستراتيجية 2026-2028، لضمان الوصول العادل للحماية الاجتماعية، وتعزيز العمل اللائق وتمكين المرأة والتحول الرقمي، مع التركيز على الشراكة مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، رغم التحديات المالية والإدارية الكبيرة.
النقل.. إعادة هيكلة مقابل واقع خدمي متعثر
سعت وزارة النقل إلى إعادة تنظيم عملها وتوحيد المرجعيات الإدارية، مع إطلاق مسار للتحول الرقمي لتقليص البيروقراطية وتسهيل المعاملات، وتحسين النقل بين المحافظات وربط سوريا بشبكات النقل الإقليمية.
رغم الاتفاقيات مع وفود أردنية وتركية وإعادة الربط السككي والطرقي، واجه القطاع انتقادات من المواطنين، بسبب بطء المعاملات واستمرار مشكلات توفر وسائل النقل وارتفاع تكلفتها.
نفذت الوزارة خطة لتأهيل الطرق المركزية، شملت محاور حيوية مثل: حلب- طرطوس- اللاذقية، ومطار “دمشق الدولي”، ودمشق- بيروت، ودمشق- السويداء، إلى جانب أعمال تصريف مطري وصيانة الجسور.
ومع ذلك، لا تزال شبكة الطرق والجسور متأثرة بالتهالك في أجزاء واسعة، ما يحد من كفاءة النقل ويزيد أخطار الحوادث، ويؤثر على حركة التجارة والتنقل بين المحافظات.
تحسن الطاقة مقابل غياب الإنجازات
اعتبر عضو مجلس الشعب عبد العزيز مغربي، أن المشهد الخدمي في سوريا خلال عام 2025 لم يشهد إنجازات واضحة في معظم الوزارات، باستثناء قطاع الطاقة الذي سجل تحسنًا ملحوظًا في ساعات تزويد الكهرباء وانخفاضًا في أسعار المحروقات، رغم استمرار الجدل حول تعرفة الكهرباء، وعدم معالجة الوزارة هذا الملف.
وقال مغربي، في حديث إلى عنب بلدي، إن وزارات خدمية أخرى لم تحقق نتائج ملموسة على الأرض، مشيرًا إلى أن وزارة الاتصالات رفعت أسعار الخدمات بشكل كبير دون تحسن في الجودة، في حين تأخرت وزارة الإدارة المحلية في إصدار هيكليات وقوانين واضحة تنظم عمل الوحدات الإدارية، ما أدى إلى ترهل أداء المجالس المحلية وتراجع مستوى الخدمات.
كما أشار إلى غياب منجزات واضحة في وزارات، مثل التربية والشؤون الاجتماعية والعمل، إضافة إلى وزارة النقل التي لم تنجح، بحسب رأي مغربي، في تنظيم آليات مرنة لتسجيل المركبات أو معالجة فوضى النقل الداخلي في المدن.
على الصعيد الخدمي، لا نكاد نجد إنجازات واضحة إلا في ملف الطاقة، بينما بقية الوزارات ما زالت تدور في إطار الوعود، ما يتطلب خططًا دقيقة وتقارير إنجاز واضحة وإشراكًا أوسع للمجتمع المدني ودراسة الأثر المجتمعي لكل قرار قبل إصداره.
عبد العزيز مغربي
عضو بمجلس الشعب
ويرى مغربي أن تطوير أداء المؤسسات الحكومية مرتبط بدقة الخطط ومدى الالتزام بتنفيذها، إلى جانب إصدار تقارير دورية توضح نسب الإنجاز، مؤكدًا أهمية إشراك المجتمع المدني بشكل أوسع في رسم السياسات الخدمية، ودراسة الأثر المجتمعي للقرارات قبل تطبيقها لضمان فعاليتها.
إنجازات خدمية لا ترقى للتطلعات
من جانبه، قال عضو مجلس الشعب عقيل حسين، إن الأداء الحكومي على مستوى القطاع الخدمي حقق الحد الأدنى المطلوب، لكنه لا يرتقي لتطلعات المواطنين.
وذكر خلال حديثه لعنب بلدي أن بعض الوزارات، مثل الطوارئ والكوارث، سجلت حضورًا واضحًا، في حين بقيت وزارات أخرى بعيدة عن تلبية الاحتياجات اليومية.
الأداء الحكومي في القطاع الخدمي حقق الحد الأدنى من المطلوب، لكنه لا يرتقي لمستوى التطلعات، وما زالت الوزارات بحاجة إلى قرارات مدروسة ومشاورات أوسع مع الفعاليات المجتمعية والمختصين لتلبية احتياجات السوريين.
عقيل حسين
عضو بمجلس الشعب
وفيما يتعلق بوزارة الإدارة المحلية، اعتبر حسين أنها الجهة الأكثر ارتباطًا باحتياجات الناس اليومية، نظرًا إلى دورها في إدارة المجالس البلدية وأعمال المحافظات، ما يتطلب منها دورًا أكثر فعالية في دعم البلديات وتوفير الموازنات اللازمة لها، وتقديم حلول قانونية وإدارية تساعدها على تنفيذ مهامها.
وأكد أهمية أن تصدر القرارات بعد دراسة معمقة ومشاورات مع المختصين والكوادر، لضمان توافقها مع الواقع السوري.

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي مع وزراء ومحافظين لبحث واقع المخيمات والبنى التحتية في المدن المتضررة – 19 شباط 2026 (رئاسة الجمهورية)
اقتصاد تحت الضغط.. نجاحات جزئية وفشل هيكلي
مع دخول الحكومة السورية عامها الأول، برزت ملامح تحرك اقتصادي واسع النطاق، اتسم بإصدار قرارات متسارعة والإعلان عن خطوات إصلاحية شملت السياسات المالية والنقدية وبيئة السوق والاستثمار.
فقد سعت الحكومة إلى إدارة أزمات حادة في السيولة والتضخم وسعر الصرف، بالتوازي مع إطلاق مسار لإعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية وفتح المجال أمام الانفتاح المالي والتجاري.
ورغم هذا الحراك المكثف والزخم الإعلاني المرافق للإصلاحات والقرارات، فإن الأثر الفعلي لهذه الإجراءات على أرض الواقع لا يزال محدودًا وضعيفًا، حيث لم تنعكس هذه التحولات بشكل ملموس على النشاط الاقتصادي أو على معيشة المواطنين، وبقيت كثير من الخطوات في إطار التأسيس أكثر من كونها نتائج مكتملة.
منذ البداية، دخلت سوريا واحدة من أوسع عمليات التحول الاقتصادي، تمحورت حول تحرير السوق وإعادة فتح التجارة، وألغت الحكومة العقوبات السجنية بحق التجار، وسمحت بحيازة الدولار، وخففت القيود على الاستيراد، ومنحت إعفاءات جزئية لمستلزمات الإنتاج، وأعادت تفعيل غرف التجارة والصناعة، وفتحت المعابر أمام حركة البضائع، ووقعت اتفاقيات مع شركات إقليمية وأجنبية في قطاعات متعددة.
وراهنت على الاتفاقيات الاستثمارية الدولية كمدخل لإنعاش الاقتصاد، حيث تم توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات أولية بمليارات الدولارات، بهدف استقطاب رؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل.
إلا أن الأثر الفعلي لهذه الاتفاقيات بقي محدودًا، إذ لا يزال جزء كبير منها في إطار التفاهمات الأولية بانتظار استكمال البيئة القانونية وضمانات التنفيذ.
كما تمحور عمل وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي حول ملفات أساسية، في مقدمتها إدارة أزمة السيولة إلى جانب تثبيت سعر صرف الليرة السورية، وإعادة هيكلة المصرف والمؤسسات المالية التابعة له.
وبالتوازي، جرى العمل على تخفيض الضرائب مع رفع مستوى التحصيلات والحد من التهرب الضريبي، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز إيرادات الدولة.
في هذا السياق، انطلقت مرحلة اتسمت بإعادة هيكلة شاملة للسياسات المالية والنقدية، وإطلاق إصلاحات تشريعية وتنظيمية، ترافق معها تكثيف الجهود لمكافحة الفساد واسترداد الأصول المنهوبة.
كما برز توجه واضح نحو تعزيز معايير الامتثال الدولية والحوكمة في المصارف، وتشديد الرقابة على القطاع المصرفي العام، إلى جانب إدخال إصلاحات حديثة إلى البنك المركزي ووزارة المالية بهدف استعادة الثقة بهما، وفتح الباب أمام الاستثمارات الدولية في قطاعي المالية والمصارف، ودمج النظام المالي الإسلامي مع التقليدي.
على مستوى السياسات النقدية، تجلى دور مصرف سوريا المركزي بشكل محوري في عدد من الإجراءات، كان أبرزها إنهاء العمل بمنصة تمويل المستوردات وتحرير آليات التمويل، وتوحيد نشرات أسعار الصرف، إلى جانب إصدار قرارات متعلقة بشركات الصرافة والحوالات.
وتم منح تراخيص نهائية ومبدئية لنحو 40 شركة صرافة، في خطوة مرتبطة بإدارة السيولة وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي.
بالتوازي مع ذلك، اتخذت وزارة المالية سلسلة إجراءات، كان من أبرزها إصدار التعليمات التنفيذية لزيادة الرواتب والأجور بنسبة 200% للعاملين في الدولة والمتقاعدين.
وفي 20 من آذار الماضي، أعلن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، عن وضع حد أدنى للأجور تراعى فيه معدلات الفقر، وإقرار زيادة في الأجور والرواتب بنسبة 50%، مشيرًا إلى زيادات نوعية للأطباء والمهندسين وبعض المؤسسات التخصصية.
ومن أبرز التطورات النقدية، الإعلان عن العملة السورية الجديدة بست فئات، مع التأكيد على أن حذف صفرين من العملة لا يعني تحسن الاقتصاد بقدر ما يهدف إلى تسهيل التعاملات.
وقرر البنك المركزي تمديد فترة التعايش بين العملة القديمة والجديدة لضمان عملية سلسة.
كما أُصدرت قرارات تتعلق باستيفاء سلفة على ضريبة الدخل عند الاستيراد بنسبة 2%، وتنظيم إبراز براءة الذمة المالية، بالتوازي مع مراسيم تقضي بإعفاءات ضريبية للمنشآت المتضررة، وتسوية الديون المتعثرة في المصارف العامة، مع إعفاءات من الفوائد والغرامات وإعادة جدولة الديون.
في المقابل، بقي القطاع الزراعي خارج أولويات الدعم الفعلي، كما لعبت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير دورًا في تنظيم التجارة عبر تعاميم تحدد المسموح والممنوع من الاستيراد.
على مستوى المؤشرات العامة، شهدت المالية العامة تحسنًا ملحوظًا، حيث قُدرت موازنة عام 2026 بنحو 10.5 مليار دولار، بزيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة.
كما سجلت الموازنة فائضًا خلال عام 2025 تجاوز نصف مليار دولار، في ظل تشديد الرقابة على الإنفاق ومكافحة الفساد، رغم وجود آراء تشكك في استدامة هذا الفائض دون نمو إنتاجي حقيقي.
نجاح نسبي يقابله فشل بمسار التعافي
في قراءة تقييمية للمشهد الاقتصادي خلال العام الأول للحكومة الانتقالية، تباينت آراء خبراء الاقتصاد في السياسات الاقتصادية التي اتخذتها.
يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، أن تقييم أداء الحكومة السورية الانتقالية اقتصاديًا خلال عامها الأول يجب أن يُقرأ ضمن سياق استثنائي معقد، فرضته تركة الحرب، وانهيار البنى التحتية، وتشابك العقوبات، وغياب الرؤية الموحدة للاقتصاد.
وخلص إلى أن الأداء العام اتسم بنجاح نسبي في منع الانهيار المالي، مقابل فشل واضح في إطلاق مسار تعافٍ اقتصادي حقيقي.
فالحكومة، بحسب رأي الخبير الاقتصادي، تمكنت من الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار النقدي، واستمرت في صرف الرواتب، وسدّت جزئيًا فجوة تمويل المستوردات الأساسية، كما أسهم إصدار عملة موحدة في تقليص تعدد أسعار الصرف داخل مناطق السيطرة.
إلا أن هذه الإجراءات بقيت، وفق توصيفه، ضمن إطار إدارة الأزمة، في ظل غياب استراتيجية وطنية شاملة، ما أبقى الاقتصاد في حالة انكماش، دون تسجيل نمو حقيقي، مع استمرار معدلات الفقر والبطالة عند مستويات مرتفعة، وتزايد الاعتماد على التمويل الخارجي.
وأشار إلى أن أبرز السياسات، وعلى رأسها إصدار العملة، حملت طابعًا سياديًا مهمًا، لكنها نُفذت دون غطاء إنتاجي أو احتياطيات كافية.
القطاع المالي بقي مشلولًا ومعزولًا عن الاقتصاد الحقيقي، حيث لم تنجح الحكومة في إعادة دمجه فعليًا بالنظام المالي العالمي.
د. عبد الرحمن محمد
خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
كما أن سياسات الدعم الجزئي منعت انهيارًا معيشيًا، لكنها استنزفت الموازنة وخلقت تشوهات في الأسعار، في حين لم تفلح إجراءات الترشيق الإداري في تجاوز البيروقراطية أو تحسين فعالية الاقتصاد.
رفع العقوبات.. إنجاز لم يقابله تحسن بالسياسات الاقتصادية
في حين يرى الخبير الاقتصادي مجدي الجاموس، أن أبرز ما تحقق خلال العام الأول هو رفع العقوبات والعودة إلى منظومة التحويلات المالية، معتبرًا ذلك إنجازًا مهمًا أزال عوائق قانونية أمام التعافي، رغم أن أثره لم يُفعّل بعد بشكل كامل.
وقّع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، موازنة الدفاع الأمريكية، في 19 من كانون الأول 2025، المتضمنة إلغاء قانون “قيصر” الخاص بالعقوبات على سوريا، بعد أن صوّت كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على إقرار الموازنة.
لكن في المقابل، اعتبر الخبير أن الواقع الاقتصادي ما زال يعاني من فوضى واسعة في مختلف القطاعات، نتيجة غياب خطة استراتيجية موحدة، وتشتت القرارات بين الوزارات، ما انعكس سلبًا على البيئة الاستثمارية.وأشار إلى أن عدم استقرار سعر الصرف، والتوسع في التعامل بالدولار، وارتفاع الأسعار، عوامل أضعفت القدرة الشرائية وأثقلت كاهل الاقتصاد.
كما انتقد ضعف القطاع المصرفي واستمرار سياسات تقييد السيولة، معتبرًا أنه لم يؤدِ دوره في تمويل الإنتاج والاستثمار، وكذلك ضعف العلاقة مع البنوك المراسلة، نتيجة غياب المعايير القانونية والإفصاح، ما يحد من انخراطه في النظام المالي العالمي.
يأتي ذلك في حين أسهمت سياسات مثل رفع أسعار الكهرباء وضعف ضبط المعابر في زيادة تكاليف الإنتاج وإضعاف المنتج المحلي أمام المستوردات.
وقال الخبير الاقتصادي، إن التوجه نحو استقطاب الاستثمارات الكبرى لم يُترجم إلى نتائج فعلية، في ظل عدم تنفيذ الاتفاقيات، وغياب بنية تحتية مناسبة، معتبرًا أن العديد من السياسات انعكست سلبًا أو لم تحقق النتائج المرجوة.
معدلات النمو لا تزال متدنية، والفوضى لا تزال سمة حاضرة في مختلف القطاعات، وهو ما انعكس سلبًا على البيئة الاستثمارية.
د. مجدي الجاموس
خبير اقتصادي وأستاذ جامعي
وانتقد توقيت إصدار العملة، معتبرًا أنه جاء في مرحلة غير مناسبة، وانعكس فقط على تحقيق استقرار مالي هش، دون معالجة حقيقية للاختلالات الاقتصادية.
قرر البنك المركزي السوري تمديد فترة التعايش بين العملة السورية، القديمة والجديدة، لمدة شهرين إضافيين، معللًا ذلك بضمان عملية سلسة ومنتظمة.
وقال حاكم بنك سوريا المصرفي، عبد القادر الحصرية، في 27 من شباط الماضي، إن البنك استبدل أربعة مليارات قطعة نقدية من العملة القديمة من أصل 14 مليارًا.
ويأتي التمديد اعتبارًا من نهاية آذار وحتى نهاية أيار 2026.
من إدارة الأزمة إلى بناء التعافي
مع انتهاء العام الأول، لا يقتصر تقييم الأداء على ما تحقق، بل يمتد إلى ما هو مطلوب للمرحلة المقبلة، خاصة في ظل استمرار التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد.
وهنا، أكد الدكتور مجدي الجاموس ضرورة الانتقال إلى عمل حكومي منظم قائم على قيادة مركزية واضحة، من خلال رئاسة مجلس وزراء فاعلة توحّد القرارات الاقتصادية، بدل استمرار كل وزارة بالعمل بشكل منفصل.
وشدد على أهمية وضع خطة استراتيجية واضحة تنهي حالة الفوضى في القطاعات.
كما أكد ضرورة:
- إعادة بناء الثقة بالقطاع المصرفي والتخلي عن سياسات حبس السيولة.
- إعادة هيكلة المصارف ودمجها ضمن كيان مصرفي حكومي أكثر فاعلية.
- تسهيل إجراءات الترخيص للمشاريع.
- خلق بيئة استثمارية جاذبة تستفيد من الانفتاح الإقليمي والدولي.
- تفعيل المناطق الصناعية وفق خصوصية كل منطقة.
- دعم الإنتاج عبر تمكين التمويل والقروض.
- الاستفادة من الطلب المتزايد في القطاع العقاري، من خلال جذب مستثمرين محليين وخارجيين، والتوسع في مشاريع سكنية منظمة
- دعم القطاع الزراعي واستغلال المواسم الجيدة لزيادة الإنتاج والتصدير.
- ضرورة وضع خطة اقتصادية واضحة، ولو قصيرة الأمد (سنتان على الأقل)، تحدد المسار المستقبلي بشكل مفهوم للمستثمرين والمنتجين.
تغيير فلسفة الإدارة الاقتصادية
أما الدكتور عبد الرحمن محمد، فطرح مقاربة تقوم على تغيير جذري في فلسفة الإدارة الاقتصادية، معتبرًا أن المطلوب ليس تعديلات جزئية بل إعادة بناء شاملة للمنظومة الاقتصادية.
وحدد أولويات المرحلة المقبلة في:
- إطلاق استراتيجية وطنية واضحة للتعافي الاقتصادي بأهداف قابلة للقياس وجدول زمني محدد.
- تنفيذ إصلاح مؤسسي جذري، يبدأ بقانون جديد للمصرف المركزي يضمن استقلاليته، وإعادة هيكلة الوزارات على أساس الكفاءة.
- الانتقال الفعلي إلى مكافحة الفساد عبر إجراءات قانونية نافذة.
- معالجة أزمة الطاقة بشكل فوري، باعتبارها شرطًا أساسيًا لانطلاق أي نشاط اقتصادي.
- تحفيز القطاع الخاص عبر تبسيط الإجراءات، وإقرار قانون استثمار يضمن حقوق المستثمرين.
- إنشاء مناطق صناعية مزودة بالبنية التحتية.
- إعادة هيكلة سياسات الدعم، عبر التحول إلى دعم نقدي موجه بدل الدعم السلعي.
- اعتماد دبلوماسية اقتصادية نشطة للتعامل مع ملف العقوبات وبناء علاقات مالية خارجية.

وزيرا الطاقة والمالية في اجتماع لمناقشة واقع الزراعة في سوريا – 27 أيلول 2026 (الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية)
ضعف في الإدارة والحوكمة.. التقييم متعذر
ما زالت الحكومة تواجه ضعفًا إداريًا وحوكميًا، أدى إلى تعذر إمكانية تقييم الحكومة بشكل صحيح من قبل الخبراء، بسبب غياب البيانات المعلنة والخطة الواضحة.
واعتمدت الحكومة على مبدأ الموازنة “الاثني عشرية” للسنة المالية 2025، وهي موازنة مؤقتة تلجأ الحكومة إلى فرضها لتجاوز أمر طارئ حصل في الدولة، تسبب في استحالة انعقاد جلسة مجلس الشعب لإقرار تلك الموازنة، وفق ما أوضحه الخبير الاقتصادي يونس الكريم، في تقرير سابق لعنب بلدي.
ووفق ما أعلنه وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في تصريحات لإحدى القنوات التلفزيونية في أيلول 2025، سجلت الموازنة العامة في سوريا خلال عام 2025 فائضًا ماليًا خلال الأشهر العشرة الأولى تجاوز نصف مليار دولار، معتبرًا أن هذه النتيجة تعكس تحسنًا في إدارة المال العام نتيجة تشديد الرقابة على الإنفاق ومكافحة الفساد.
وردًا على تساؤلات لعنب بلدي، حول تصريحاته السابقة بشأن الفائض، قال وزير المالية السوري، إن هذه البيانات الواردة فيها “تغيرت بشكل كبير حاليًا، وهي تحتاج إلى تحديث وتعديل”.
وفي تحليل للخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد تسير الفقيه، فإن هناك إجماعًا على أن أي فائض مالي حقيقي يجب أن ينتج عن تنمية اقتصادية حقيقية وزيادة إنتاجية، وليس فقط عن ترشيد الإنفاق أو تأجيل المشاريع.
وإلى جانب الموازنة، فقد سجلت الحكومة خللًا في بنيتها الإدارية، لا سيما مع تغييب ملحوظ للكفاءات، تمثل بفصل أعداد كبيرة من الموظفين القدماء، الذين كانوا على رأس عملهم قبل سقوط النظام السابق.
بالمقابل، فإنها لم تُعد المفصولين بسبب الثورة السورية إلى عملهم إلا بشروط معقدة، ومنحتهم عقودًا مؤقتة (ثلاثة أشهر) ما أدى إلى عزوف العديد من هؤلاء الكوادر عن العودة إلى عملهم.
كما أن الحكومة واجهت اتهامات بتعيين الأقارب في مناصب، بعضها حساس، بسبب الانتماءات والولاءات، لا على مبدأ الكفاءة.
هذه العوامل، إضافة إلى عدم وجود شفافية ممثلة بإصدار البيانات الحكومية، أدت إلى تعذر تقييم الحكومة بشكل صحيح، والارتقاء بمستواها.
التقييم متعذر
خبير الإدارة والحوكمة، ومدير “المعهد الأوروبي للمبادرات السياسية والتحليل الاستراتيجي”، الدكتور باسم حتاحت، يرى أن من الأهمية بمكان، عند التقييم، أن نمتلك خطة الحكومة “العشرية” أو “الخمسية” المعتمدة على أهداف التنمية المستدامة، وذلك من خلال تقييم المؤشرات الحقيقية.
وأوضح أنه في حال تقييم حوكمة الأداء الحكومي، فإن من الضرورة أخذ جميع الجوانب لإنتاج صورة شاملة، تجمع بين الاقتصاد والخدمات والعدالة والأمن وقضايا الاستقرار والرؤية الوطنية والاجتماعية للحكومة ومعايير الرفاهية والنزاهة، التي وضعتها نصب عينيها في المرحلة الراهنة المعقدة وبالأخص الاطلاع على الميزانيات ودراسة المؤشرات، وهذا ما اعتبر أنه يجعل عملية التقييم والحوكمة غير مهنية.
وتتلخص الإشكاليات في عملية التقييم بعدم وجود مجلس شعب ذي صلاحيات رقابية، أو آليات رقابة نافذة، وبقاء الأمر بيد السلطة التنفيذية.
كما أشار إلى عدم وجود مؤسسات رقابية مهنية وفق نظام الجودة المعتمد لدى الحكومات.
وعن الإشكاليات التي تواجه الخبراء في عملية التقييم، أوضح حتاحت أن لها عدة عوامل هي:
- عدم وجود خطة واضحة للحكومة.
- عدم وجود خطة لكل وزارة مبنية على خطة الحكومة.
- عدم وجود مرجعية لجهاز تخطيط الدولة.
- عدم وجود ميزانية للحكومة وميزانية لكل وزارة ودفتر التحملات المصاريفية.
ستة محاور لنجاح التقييم
عند تقييم أداء أي حكومة، يرى حتاحت أن من المهم النظر إلى مجموعة من المحاور الأساسية التي تعكس مدى نجاحها في إدارة الدولة وتحقيق رفاهية المواطنين، من أبرزها:
1. الاقتصاد وإدارة الموارد، إذ إنه لا يوجد معيار لتقييم أداء الحكومة، ولا مؤشرات حقيقية لمعدل النمو الاقتصادي.
ولفت إلى أن نسبة البطالة في سوريا تعتبر من أعلى النسب، خلال السنوات الخمس الأخيرة، إضافة إلى عدم وجود فرص وظيفية ضمن الوظائف الحكومية من خلال التوظيف الحكومي والمعايير الوظيفية، وهو ما أدى إلى ترهل قطاع الموظفين، ووجود وظائف وهمية.
كما تحدث إلى عنب بلدي عن التضخم واستقرار الأسعار، وقال إن البنك المركزي لا يملك أي معايير محددة للتضخم، وكذلك ليست هناك آليات رقابة، ما يجعل عملية التقييم صعبة أو غير صحيحة.
وعن إدارة الدَّين العام، فإن القطاع غائب تمامًا عن الشفافية، وفق حتاحت، لافتًا إلى وجود موارد كثيرة غير تابعة لمداخل الدولة وعدم إمكانية التحكم بها.
وقال حتاحت، إن قطاع الاستثمارات يحكمه الإعلام الاجتماعي، أكثر من نظم وقوانين وسياسات اقتصادية حاكمة لمنظور الاستثمار.
2. الخدمات العامة، وتشمل:
- ترميم وإصلاح المدارس.
- تأهيل المناهج وإدارة فنيات التعليم.
- تأهيل المدرسين وإدارات المدارس.
- تأهيل النظام الصحي وجعله قادرًا على إدارة المرحلة الانتقالية.
- البنية التحتية للطرق، وبالأخص التلوث وإدارة النقل.
- إشكاليات توفر الكهرباء والماء والإنترنت، وعدم وجود خطة منهجية ومرحلية واضحة.
3. حوكمة الأداء القانوني والحقوقي ومؤشرات العدالة الانتقالية، وتشمل:
- إصلاح منظومة القضاء، من النواحي الإدارية والقانونية والحقوقية.
- تأهيل القضاة والنواب العامين.
- استقلال القضاء وفرض القانون على الجميع.
- مستوى أداء محاربة الفساد.
- مستوى الشفافية وسهولة الوصول للمعلومات.
- تطبيق أدوات العدالة الانتقالية وفق معايير دقيقة ونظم وقوانين تتمثل بالمفقودين، والمعتقلين، والمهجرين، وأبناء المخيمات، والاستملاكات، والاستيلاء على الممتلكات.
4. الأمن والاستقرار، ويشملان:
- مستوى الأمن الداخلي.
- مكافحة الجريمة المنظمة والجرائم المجتمعية.
- إدارة الأزمات، وما يتعلق بدور المحافظة والبلديات، وتوفر المواد الإغاثية والطوارئ.
5. السياسات الاجتماعية وتتمثل بـ:
- آليات التضخم الاقتصادي ورفع المعاشات وفق معايير الجودة الشاملة للتنمية.
- برامج واضحة قابلة للحوكمة لدعم الفئات الهشة.
- العدالة الاجتماعية والمحسوبيات.
- فرص العمل للطلاب المتخرجين والشباب.
- تقليل نسبة الفقر.
- دعم الفئات الهشة.
- فرص العمل للشباب.
6. حوكمة العمل الإداري وتتعلق بـ:
- معايير كفاءة المؤسسات الحكومية وهي: معايير الجودة، والتوصيف الوظيفي، ودرجات العمل الوظيفي، ونظم الكفاءات.
- آليات اتخاذ القرارات ومعايير البيروقراطية.
- آليات الرقابة في المساءلة والشفافية والنزاهة.
السياسة الخارجية غير مستقرة
بعكس الجوانب الخدمية، اهتمت الحكومة بالسياسة الخارجية، التي تمثلت خلال الأشهر القليلة الأولى من عمر الإدارة السورية الجديدة، بكسر العزلة التي كان مفروضة على سوريا خلال النظام السوري السابق.
بالمقابل، يرى حتاحت أن السياسة الخارجية ما زالت غير مستقرة، وغير معلَنة، وتعتمد على احتياجات الواقع المعاش، دون رؤية استشرافية بعيدة المدى، ودون ميثاق وطني دولي جديد يحدد القواعد العامة لعلاقات الدولة.
ورغم حداثة الواقع الجديد، يرى حتاحت أن العلاقات الخارجية والدبلوماسية تعتبر من أهم أدوات السياسة السورية الحالية والمستقبلية.
ولذلك، فإن عدم وجود شفافية تحدد الأهداف الحقيقية للمرحلة، وتضع ميثاقًا لاستشراف المستقبل، سيبقي العلاقات الدولية، وفق حتاحت، خارج إمكانية التقييم والحوكمة، خاصة في المحاور التالية:
- العلاقات الدولية.
- قوة التأثير الدبلوماسي.
- حماية المصالح المعتمدة لدى الدولة في الخارج.




