الحكومة أمام فجوة التنفيذ في تحديث القطاع العام
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
في الاجتماع الذي ترأسه جلالة الملك عبد الله الثاني في قصر الحسينية، بحضور سمو ولي العهد ورئيس الوزراء وعدد من المسؤولين، جدد جلالته التأكيد على المسار المحوري في عملية تطوير الدولة الأردنية، والمتمثل في تحديث القطاع العام، بما يشمل تطوير آليات التعيين، وتوسيع الرقمنة، ورفع كفاءة الإدارة الحكومية، بما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين وتعزيز فاعلية الجهاز الحكومي.
ورغم وضوح هذا التوجه الملكي وعمق الرهان عليه، إلا أن واقع التنفيذ ما يزال يكشف عن فجوة ملحوظة بين مستوى الطموح المعلن وسرعة التحول على الأرض، ما يضع الحكومة أمام اختبار مباشر في ترجمة التوجيهات إلى سياسات وممارسات ملموسة داخل الجهاز الحكومي.
فالدعوة الملكية إلى ترسيخ الشفافية والعدالة في التعيين، وإعادة بناء بيئة وظيفية جاذبة للكفاءات، لا تزال تصطدم في التطبيق اليومي بتفاوت واضح في المعايير بين مؤسسة وأخرى، وباستمرار أنماط إدارية تقليدية تعيد إنتاج نفسها داخل الجهاز الحكومي، ولو بواجهات تنظيمية حديثة، ما يعكس قصوراً في تحويل التحديث إلى ثقافة مؤسسية راسخة ضمن مسار الإصلاح الإداري.
وفي ملف الرقمنة، ورغم التقدم الذي تحقق على المستوى المركزي في إطلاق الخدمات الإلكترونية ومراكز الخدمات الحكومية الشاملة، إلا أن الواقع في بعض الوزارات والمديريات التابعة لها في المحافظات يشير إلى وجود قصور واضح في إيلاء هذا الملف الأهمية الكافية. إذ ما تزال بعض الجهات تتعامل مع الرقمنة بوصفها مساراً ثانوياً لا أولوية استراتيجية، مع استمرار إجراءات تقليدية، وضعف في الجاهزية التقنية والإدارية، ما يصنع فجوة بين المركز والأطراف ويحد من تكامل التحول الرقمي على مستوى الدولة.
كما أن ضعف التكامل بين قواعد البيانات، واستمرار الازدواجية بين الورقي والإلكتروني في بعض المعاملات، يعكس أن الرقمنة لم تصل بعد إلى مستوى إعادة هندسة شاملة للإدارة العامة، بل ما تزال في حدود التحسين الجزئي للأداء الخدمي.
وفي جانب آخر، يبرز تحدٍ مرتبط بمسألة التخصصية في بعض المواقع داخل الجهاز الحكومي، حيث تُمنح في بعض الحالات مواقع إدارية بوصفها امتيازات وظيفية أو مواقع توزيع إداري، أكثر من كونها مسؤوليات قائمة على الكفاءة والخبرة. وهذا الواقع ينعكس سلباً على جودة القرار الإداري، ويضعف فاعلية المؤسسات، ويحد من قدرة بعض المواقع على إحداث أثر تطويري حقيقي.
أما في ما يتعلق بإعادة هيكلة الوزارات والمؤسسات الحكومية، فإن ما جرى إقراره من تعديلات تنظيمية يُقدَّم باعتباره خطوة تحديثية تهدف إلى رفع الكفاءة وتبسيط الهياكل الإدارية، إلا أن القراءة الواقعية تشير إلى أن جزءاً معتبراً منه لا يزال أقرب إلى إعادة توزيع للمواقع داخل الجهاز الحكومي، أكثر من كونه إعادة هندسة حقيقية لوظائف الدولة أو معالجة جذرية للتشابك البيروقراطي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى فعالية هذه الهيكلة في تحقيق أهداف تحديث القطاع العام.
وتأتي هذه المتابعة الملكية المستمرة، إلى جانب الحضور الميداني الفاعل لسمو ولي العهد من خلال زياراته المتكررة لقطاع الاقتصاد الرقمي والريادة ولقائه المباشر مع الفرق الفنية والتطويرية، بما في ذلك زيارته الأخيرة إلى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، لتؤكد أن مسار تحديث القطاع العام في الأردن يحظى برؤية استراتيجية متكاملة تقوم على دعم التحول الرقمي كأداة رئيسية لتبسيط الإجراءات الحكومية وتعزيز كفاءتها. كما تعكس هذه الزيارات توجهاً واضحاً نحو ترسيخ مفهوم الحكومة الذكية، وتطوير منصات الخدمات الرقمية مثل "سند”، باعتبارها ركيزة أساسية في تحسين جودة الخدمة العامة وتقليل البيروقراطية، بما ينسجم مع أهداف الدولة في بناء جهاز حكومي أكثر فاعلية واستجابة لاحتياجات المواطنين.
إن المتابعة الملكية المباشرة لهذا الملف تعكس إدراكاً واضحاً بأن تحديث القطاع العام ليس خياراً إدارياً بل ضرورة استراتيجية، إلا أن نجاحه يظل مرهوناً بقدرة الحكومة على سد فجوة التنفيذ، والانتقال من إدارة التغيير إلى صناعته، ومن إعادة ترتيب الهياكل إلى إعادة بناء منطق الإدارة العامة ذاته.
وفي المحصلة، فإن اختبار الحكومة الحقيقي لا يكمن في إعلان البرامج أو إعادة الهيكلة، بل في قدرتها على تحويل الرؤية إلى واقع ملموس ينعكس على جودة الخدمة العامة، ويضع المواطن في قلب معيار الأداء، باعتباره الهدف النهائي لأي عملية تحديث.
وفي ظل تداخل التحديات الداخلية المرتبطة بالبيروقراطية وتفاوت الأداء المؤسسي وضعف تكامل مسارات الرقمنة، إلى جانب التحديات الهيكلية في إدارة عملية إعادة التنظيم الإداري، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والتحولات الإقليمية المتسارعة، فإن نجاح مشروع تحديث القطاع العام يتطلب مقاربة أعمق من مجرد إعادة الهيكلة الشكلية.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة متزايدة إلى مقاربة تقوم على إعادة تشكيل الفريق التنفيذي الحكومي على أسس أكثر تخصصية وكفاءة، عبر توزيع الحقائب ضمن أطر واضحة تشمل الحقائب السيادية، والاقتصادية والخدمية، والتنموية، بما يضمن انسجام القرار التنفيذي مع متطلبات التحديث، ويحول الرؤية الإصلاحية إلى واقع إداري قابل للقياس والتنفيذ.





