... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
113757 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9096 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

الهدنة الأخيرة أم امتحان الثقة المستحيل؟ #عاجل

العالم
jo24
2026/04/06 - 09:41 503 مشاهدة

كتب -زياد فرحان المجالي

لا يمكن فهم المواجهة الجارية بين إيران وإسرائيل، ومعهما الولايات المتحدة، باعتبارها مجرد تبادل للضربات أو امتدادًا لسجال سياسي مألوف. ما يجري هو أزمة مركبة تتحرك في وقت واحد على مستويات عسكرية ودبلوماسية ونفسية، فيما تقف المنطقة بين احتمالين: هدنة مؤقتة قد تفتح الباب أمام تسوية أوسع، أو تعثر جديد يدفع الصراع إلى مرحلة أكثر اتساعًا وكلفة. لذلك لم يعد السؤال الأهم ما إذا كان وقف إطلاق النار ممكنًا، بل ما إذا كان يمكن الوثوق بأي وقف لإطلاق النار لا يستند إلى ضمانات واضحة لما بعده.

من هذه الزاوية، تكتسب الهدنة المقترحة أهميتها الحقيقية. فهي ليست مجرد توقف إنساني أو ترتيب ميداني عابر، بل اختبار سياسي لقدرة الأطراف المعنية، الإقليمية والدولية، على منع الحرب من عبور عتبة أكثر خطورة. فقيمة أي هدنة في مثل هذه الظروف لا تُقاس بعدد الأيام التي تنخفض فيها وتيرة النار، بل بقدرتها على فتح مسار تفاوضي قابل للحياة. وإذا لم يحدث ذلك، فإن التهدئة قد لا تكون أكثر من فترة قصيرة لإعادة التموضع، يعقبها استئناف القتال بشروط أسوأ.

غير أن المشكلة الأساسية لا تكمن في نقص الوسطاء. فالقنوات الدبلوماسية لم تُغلق، والتحركات الإقليمية مستمرة، والجهود الهادفة إلى انتزاع تهدئة لم تتوقف. المشكلة الأعمق هي غياب الثقة. فإيران لا تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها ضامنًا يمكن الركون إلى التزاماته بسهولة، في ضوء سجل طويل من التهديدات والانقلابات على تفاهمات سابقة. والولايات المتحدة، في المقابل، لا ترى في إيران شريكًا يمكن الاطمئنان إلى نواياه، بل خصمًا قد يستخدم التفاوض لتحسين موقعه أو شراء الوقت أو تخفيف الضغط من دون تغيير حقيقي في سلوكه. وهكذا تبدو الوساطة ممكنة من الناحية الشكلية، لكنها تظل هشة من حيث الجوهر.

وهذا ما يجعل أي هدنة مقترحة محاطة بالشك قبل أن تبدأ. فالسؤال لا يتعلق فقط بوقف إطلاق النار، بل بما يأتي بعده. من يضمن ألا تتحول التهدئة إلى فراغ سياسي تمتلئ به الرسائل المتناقضة والاستعدادات الصامتة؟ من يضمن ألا ينظر كل طرف إلى الهدنة باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أوراقه، لا خطوة نحو إنهاء الحرب؟ في أزمات من هذا النوع، لا يكفي أن تهدأ الجبهة موقتًا حتى يقال إن الحل صار أقرب. ما لم تقترن التهدئة بآلية سياسية واضحة وبضمانات قابلة للاختبار، فإنها ستبقى مجرد توقف هش فوق أرض قابلة للاشتعال.

لكن الاكتفاء بخط التفاوض لا يشرح الصورة كاملة. فداخل إسرائيل نفسها تتشكل طبقة أخرى من الأزمة. فبنيامين نتنياهو لا يدير هذه الحرب فقط بوصفه رئيس حكومة يواجه خصمًا خارجيًا، بل أيضًا بوصفه سياسيًا يعرف أن مستقبله الشخصي قد يتأثر بكيفية استمرار الحرب وكيفية انتهائها. وهذا يفسر لماذا لم يعد النقاش الإسرائيلي محصورًا في حجم الضربات الإيرانية أو قدرة الدفاعات الجوية أو الكلفة الأمنية المباشرة، بل بدأ يمتد إلى السؤال الأوسع: كيف يُستخدم هذا التهديد الخارجي في إعادة ترتيب الداخل الإسرائيلي؟

لطالما استفاد نتنياهو من معادلة معروفة في السياسة الإسرائيلية: التهديد الخارجي يضغط على التناقضات الداخلية، ويعيد جزءًا من الشارع إلى الالتفاف حول القيادة، أو على الأقل يؤجل الانقسام الحاد معها. لكن هذه المعادلة لا تبدو اليوم بالصلابة نفسها. فاستمرار الحرب، واتساع كلفتها، وتعثر الوصول إلى صورة حاسمة يمكن تقديمها للجمهور، كلها عوامل بدأت تُنتج أثرًا مختلفًا. فبدل أن يتحول الخوف إلى إجماع كامل، بدأ يفتح الباب أمام شك متزايد في جدوى الحرب نفسها.

هنا تحديدًا تبدو نقطة التحول. ففي بداية المواجهة أمكن تسويق الحرب داخل إسرائيل باعتبارها حربًا ضرورية لإزالة تهديد طويل الأمد، وربما لضمان الأمن لسنوات مقبلة. لكن مع مرور الوقت، بقيت الصواريخ تتساقط، وبقيت الكلفة اليومية تتراكم، فيما لم تظهر النتيجة الحاسمة التي وُعد بها الرأي العام. وهكذا تبدل السؤال تدريجيًا: لم يعد السؤال فقط كيف يمكن الانتصار، بل لماذا تستمر الحرب، ولصالح من تستمر.

هذا التحول ليس هامشيًا. فعندما تبدأ الحرب بوصفها حرب دولة، ثم يبدأ جزء من المجتمع برؤيتها على أنها حرب رجل، فإنها تدخل مرحلة سياسية أكثر حساسية. والمفارقة هنا أن ما يُقدَّم على أنه ضرورة أمنية وطنية، بات يُقرأ لدى بعض الإسرائيليين باعتباره ضرورة سياسية شخصية: وسيلة لحماية الموقع، وتأجيل المحاسبة، وإعادة إنتاج صورة القيادة في زمن الأزمة. ومن هذا المنظور، لم تعد الحرب تُقرأ فقط باعتبارها مواجهة مع إيران، بل كذلك باعتبارها أداة لإدارة الداخل الإسرائيلي تحت ضغط الخوف.

ويعزز هذا الانطباع التغير المستمر في الأهداف المعلنة للحرب. ففي بدايتها طُرح هدف محدد، ثم توسعت العناوين، ثم تبدلت من جديد. مرة يجري الحديث عن إزالة تهديد استراتيجي، ومرة عن استعادة الردع، ومرة عن أمن الملاحة، ومرة عن هرمز. هذا الانتقال من مبرر إلى آخر لا يوحي بقدر ما يوحي بأن منطق الحرب لم يعد ثابتًا، وأن الاستخدام السياسي لها بدأ يسبق تعريفها العسكري.

ومن هنا يمكن قراءة الجدل المتصاعد داخل إسرائيل حول التظاهر، والنقاشات القضائية والإعلامية المصاحبة، والاعتراض المتزايد على إبقاء المجتمع في حالة طوارئ مفتوحة من دون أفق واضح. فهذا ليس مجرد خلاف سياسي عادي، بل إشارة إلى أن جزءًا من المجتمع لم يعد مستعدًا للقبول بالحرب كذريعة دائمة لتجميد الأسئلة الداخلية. وربما يكون هذا هو التحدي الأكثر حساسية أمام نتنياهو: ليس فقط الخطر الآتي من الخارج، بل تراجع قدرته على احتكار الرواية في الداخل.

لذلك لا ينبغي النظر إلى الهدنة فقط من زاوية إيران وواشنطن. فنجاحها، إذا تحقق، لن يمنح الوسطاء نافذة لخفض التصعيد فحسب، بل قد يفتح داخل إسرائيل أيضًا نقاشًا أوسع حول طبيعة هذه الحرب: هل كانت فعلًا حرب ضرورة، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى وسيلة لتأجيل استحقاق سياسي داخلي؟ وهل كانت الغاية حماية الدولة، أم حماية الرجل الذي يقف على رأسها؟

أما إذا فشلت الهدنة، فإن الخسارة لن تقتصر على تعثر الوساطة. فذلك سيعني أن غياب الثقة نفسه أصبح عنصرًا فاعلًا في استمرار الحرب. وعندها لن تكون المشكلة أن الأطراف لا تتحدث عن الحلول، بل أن الجميع يتحدث عنها من دون أن يصدقها. وهذه من أخطر اللحظات في أي أزمة: أن يبقى السلام ممكنًا نظريًا، لكنه يتعذر عمليًا لأن الأرضية التي يفترض أن يقوم عليها لم تعد موجودة.

لهذا تبدو الأيام المقبلة شديدة الحساسية. الفرصة ما تزال قائمة، لكنها محدودة، وهشة، ومثقلة بحسابات متعارضة. إيران تريد ضمانات. واشنطن تريد شروطًا. ونتنياهو لا يبدو متعجلًا لإنهاء حرب ما تزال تمنحه مكاسب سياسية داخلية. وبين هذه الحسابات كلها يبقى السؤال معلقًا: هل تكون الهدنة بداية مسار نحو نهاية الحرب، أم مجرد توقف قصير قبل العودة إلى مواجهة أكثر كلفة وأقل ثقة؟

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤