الجزائر تفشل في استثمار أزمة الطاقة العالمية
في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بالشرق الأوسط، خاصة مع احتدام الصراع بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، برزت تحولات عميقة في سوق الطاقة العالمية، فتحت شهية الدول المصدرة للنفط والغاز لتحقيق مداخيل استثنائية بمليارات الدولارات. غير أن هذه اللحظة التاريخية، التي كان من المفترض أن تشكل فرصة ذهبية للجزائر، كشفت في المقابل حدود النموذج الطاقي الذي يديره النظام هناك.
فرصة ضائعة في زمن الأزمات
وأعادت الاضطرابات التي تهدد الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، ترتيب أولويات الدول الأوروبية الباحثة عن موردين بعيدين عن بؤر التوتر. في هذا السياق، حاولت الجزائر تقديم نفسها كبديل محتمل لتعويض أي نقص في الإمدادات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقربها من أوروبا. غير أن هذا الطموح سرعان ما اصطدم بواقع الأرقام والقدرات المحدودة.
أرقام الإنتاج تكشف سقف الإمكانيات
وتشير المعطيات إلى أن صادرات الجزائر من الغاز الطبيعي بلغت نحو 45.7 مليار متر مكعب خلال عامي 2024 و2025، في حين استقر إنتاج النفط الخام عند حدود 0.96 مليون برميل يوميا، مع قدرة تصديرية تصل إلى 762 ألف برميل يوميا. ورغم أن شركة سوناطراك سجلت إيرادات بلغت 45 مليار دولار سنة 2024 وأرباحا صافية قدرها 6.24 مليار دولار، فإن هذه المؤشرات تبقى دون مستوى الطموحات في ظل أزمة عالمية رفعت الطلب بشكل غير مسبوق.
ورغم تسجيل قفزة بنسبة 74% في صادرات الغاز المسال خلال الربع الأول من 2026، لتقترب من مليون طن شهريا، فإن هذه الطفرة تظل ظرفية ولا تعكس تحولاً هيكلياً في القدرة الإنتاجية.
الاستهلاك الداخلي.. العائق الأكبر
وأحد أبرز الاختلالات التي تكبح اندفاعة الجزائر يتمثل في الاستهلاك الداخلي المرتفع، الذي يلتهم أكثر من 43% من إنتاج الغاز، مع نمو سنوي يتراوح بين 3 و6%. هذا الوضع يقلص بشكل مباشر الفائض القابل للتصدير، ويضع البلاد أمام معادلة صعبة بين تلبية الطلب المحلي والحفاظ على موقعها في الأسواق الدولية.
وتعاني منشآت الطاقة، خاصة وحدات تسييل الغاز في أرزيو وسكيكدة، من ضعف الأداء حيث تعمل بأقل من 50% من طاقتها، نتيجة سنوات من نقص الاستثمار والتحديث. هذا الخلل البنيوي يجعل أي حديث عن توسيع الصادرات أقرب إلى الرهان النظري منه إلى مشروع قابل للتحقق على المدى القصير.
قرار إغلاق أنبوب المغرب.. خطأ استراتيجي مكلف
وفي واحدة من أبرز القرارات ذات الخلفية السياسية، أقدمت الجزائر سنة 2021 على إغلاق أنبوب “المغرب العربي–أوروبا”، الذي كان يضخ نحو 10.5 مليار متر مكعب سنويا نحو إسبانيا والبرتغال، ويوفر مداخيل تتراوح بين 10 و12 مليار دولار، إضافة إلى رسوم عبور للمغرب بين 160 و200 مليون دولار.
هذا القرار، الذي فسر على نطاق واسع باعتباره توظيفا سياسيا للطاقة، لم يؤد فقط إلى تقليص القدرة التصديرية، بل أربك أيضا توازنات الإمدادات، رغم محاولات التعويض عبر أنبوب “ميدغاز” وشحنات الغاز المسال، التي لم تنجح في بلوغ نفس الكفاءة.
قيود العقود الطويلة تحرم الجزائر من أرباح الأزمة
وفي الوقت الذي شهدت فيه الأسعار الفورية للغاز ارتفاعا قياسيا، وجدت الجزائر نفسها مقيدة بعقود طويلة الأجل بأسعار أقل، ما حد من قدرتها على الاستفادة الكاملة من الطفرة الحالية، باستثناء كميات محدودة يتم توجيهها للسوق الفورية.
رغم إعلان الجزائر عن برنامج استثماري ضخم بقيمة 60 مليار دولار إلى غاية 2029 لرفع الإنتاج إلى أكثر من 200 مليار متر مكعب سنوياً، فإن هذه الخطوة تأتي متأخرة نسبيا، وتعكس إدراكا متأخرا لحجم التحديات التي تواجه القطاع.
سياسة تقيد الاقتصاد
ويبقى العامل السياسي المحدد الأبرز في أداء القطاع الطاقي الجزائري، حيث تؤدي البيروقراطية وتعقيدات الاستثمار إلى نفور الشركات الأجنبية، رغم محاولات تعديل قانون المحروقات. كما أن ربط القرارات الاقتصادية بحسابات إقليمية، خاصة المرتبطة بالخلاف مع المغرب، جعل القطاع رهينة لمنطق سياسي أكثر منه اقتصادي.
وفي هذا السياق، اتجهت الجزائر إلى منح امتيازات واسعة لشركات أمريكية مثل Chevron وExxonMobil، في خطوة فُسرت على أنها محاولة لكسب دعم واشنطن، أكثر من كونها استراتيجية متكاملة لتطوير القطاع.
حصيلة مأزق طاقي بنكهة سياسية
وتكشف الأزمة الطاقية العالمية أن الجزائر، رغم امتلاكها موارد مهمة، ما تزال عاجزة عن التحول إلى فاعل حاسم في السوق الدولية. فبين استهلاك داخلي متزايد، وبنية تحتية متقادمة، وقرارات سياسية مثقلة بالحسابات الإقليمية، تضيع على البلاد فرص تاريخية كان يمكن أن تعيد رسم موقعها في خريطة الطاقة العالمية.
وفي النهاية، يبدو أن المشكلة لا تكمن في وفرة الموارد، بل في طريقة إدارتها، حيث يظل القطاع الطاقي الجزائري مثالاً صارخاً على كيف يمكن للسياسة أن تعطل الاقتصاد بدل أن تقوده.
المقالة الجزائر تفشل في استثمار أزمة الطاقة العالمية نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز




