الجزائر تعيد تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا… مراجعة براغماتية بعد اختبار التصعيد

لم يكن استقبال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لوزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، مرفوقاً بإعلان إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون بين البلدين، مجرد خطوة بروتوكولية، بل حمل دلالات سياسية عميقة تعكس تحولاً في مقاربة الجزائر لعلاقاتها الإقليمية، بعد مرحلة من التوتر الحاد على خلفية موقف مدريد من قضية الصحراء المغربية.
ويُنظر إلى هذا التطور، وفق متابعين، باعتباره إعادة تقييم واقعية لحدود أدوات الضغط التي اعتمدتها الجزائر خلال الأزمة، خاصة في ظل ارتفاع كلفة القطيعة الاقتصادية والدبلوماسية مع إسبانيا، دون تحقيق مكاسب ملموسة على مستوى تغيير مواقفها السياسية.
في هذا السياق، اعتبر المحلل السياسي رفيق بوهلال أن قرار الجزائر يعكس تراجعاً دبلوماسياً واضحاً، بالنظر إلى أنه لم يواكبه أي تعديل في موقف مدريد الداعم لمقترح الحكم الذاتي، مشيراً إلى أن تجميد العلاقات لم ينجح في التأثير على القناعات الإسبانية، بل أدى إلى خسائر اقتصادية معتبرة، خصوصاً في ما يتعلق بعائدات الطاقة وتراجع جاذبية السوق الجزائرية.
وأضاف أن الأزمة كشفت حدود توظيف الورقة الطاقية كأداة للضغط السياسي، خاصة في الفضاء الأوروبي، حيث أدى وقف بعض قنوات الإمداد إلى تداعيات عكسية على الاقتصاد الجزائري، في مقابل تعزيز الشراكات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا خلال الفترة نفسها.
من جانبه، يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية هشام معتضد أن إعادة تفعيل المعاهدة تعكس تموضعاً اضطرارياً أكثر منه اختياراً سيادياً، في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة أعادت ترتيب أولويات الدول الأوروبية، التي باتت تفضل استقرار الشراكات الاقتصادية بعيداً عن التقلبات السياسية.
وأوضح أن الرهان الجزائري على ربط العلاقات الثنائية بملف الصحراء لم يعد فعالاً في السياق الدولي الحالي، حيث يُنظر إلى هذا الملف داخل الأطر الأممية، لا كأداة ضغط في العلاقات الثنائية، وهو ما قلّص من هامش المناورة الدبلوماسية للجزائر.
كما أشار إلى أن هذا التحول يعكس محاولة لإعادة التوازن بين الخطاب السياسي والضرورات الاقتصادية، في ظل حاجة الجزائر إلى الانخراط مجدداً في الديناميات الاقتصادية المتوسطية، وتفادي مزيد من العزلة في سياق دولي يتسم بالتقلب.
ويخلص مراقبون إلى أن الجزائر انتقلت، من خلال هذه الخطوة، من منطق التصعيد إلى منطق احتواء الخسائر، في محاولة لاستعادة التوازن في علاقاتها الخارجية، بعد اختبار محدودية أدوات الضغط التقليدية، في بيئة دولية تحكمها اعتبارات البراغماتية والمصالح المتشابكة أكثر من الحسابات الإيديولوجية.
The post الجزائر تعيد تفعيل معاهدة الصداقة مع إسبانيا… مراجعة براغماتية بعد اختبار التصعيد appeared first on أشطاري 24 | Achtari 24 - جريدة الكترونية مغربية.




