“الجزائر العمودية”… هل ستقلب معادلة التنمية في البلاد؟

راجت في الأيام الأخيرة على المنصات الاجتماعية رؤية يقول أصحابها إنها ستقلب معادلة التنمية في البلاد، محورها “الجزائر العمودية”، والتي تتمدد بشكل عمودي لا أفقي نحو عمقها الصحراوي وصولا إلى إفريقيا، بدل التركّز التقليدي على الشريط الساحلي الضيق.
ويرتكز هذا التصور على ربط عمودي يقوم على ثلاثة أشرطة كبرى للتنمية، عبر إنشاء محاور رئيسية للنقل والطاقة والعمران، تمتد من الساحل المتوسطي شمالا إلى الحدود الجنوبية مع دول الساحل الإفريقي، بما يحوّل الامتداد الجغرافي الهائل للبلاد إلى شبكة متكاملة من الممرات الاقتصادية واللوجستية ومراكز النمو الجديدة.
وتعود هذه الرؤية إلى المهندس المعماري، نسيم باغلي، أحد مؤسسي شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا، حيث قدم تصورا سماه “الجزائر العمودية”، يقوم على إعادة تعريف علاقة التنمية بالمجال الجغرافي، بعيدا عن النمط الأفقي الذي ظل يحكم التوسع الحضري والاقتصادي في الجزائر لعقود.
ويؤكد صاحب الطرح، في منشور له على حسابه على “لينكد إن”، أن الفكرة لا تنفصل عن نقاشات فكرية أوسع سبق أن أثارها الباحث والمخترع الجزائري بلقاسم حبة، والمعروف في أوساط سيليكون فالي بالولايات المتحدة الأمريكية، حول ضرورة إعادة هندسة العلاقة بين الجغرافيا والتنمية على أساس شبكات ربط جديدة تعيد الاعتبار للعمق الصحراوي باعتباره مجالا استراتيجيا لا مجرد هامش جغرافي.
وينطلق هذا التصور من قراءة ديمغرافية ومجالية تعتبر أن الاختلال التنموي في الجزائر مرتبط أساسا بتمركز السكان والنشاط الاقتصادي في الشمال، مقابل امتداد جغرافي واسع في الجنوب لم يدمج بشكل كاف في الدورة الاقتصادية.
فحسب هذا المنظور، يعيش غالبية السكان في مساحة لا تتجاوز جزءا محدودا من التراب الوطني، ما أدى إلى ضغط عمراني متزايد على المدن الساحلية والهضاب العليا، وارتفاع الطلب على السكن والخدمات والبنى التحتية، في مقابل بقاء الجنوب خارج ديناميكية النمو المندمج رغم ما يتوفر عليه من موارد طبيعية ضخمة ومساحات قابلة للاستثمار.
ويقوم جوهر فكرة “الجزائر العمودية” على قلب هذا المنطق، عبر الانتقال من نموذج تنموي أفقي يربط مدن الشمال بعضها ببعض، إلى نموذج عمودي يعيد ربط الشمال بالجنوب عبر ثلاثة أشرطة تنموية كبرى.
ويمتد الشريط الغربي من ولايات الغرب نحو الجنوب الغربي، أين يخصص للفلاحة الموسعة وتربية المواشي واستغلال الثروات المنجمية، مع فتح امتدادات لوجستية نحو موريتانيا ومالي، بما يجعله فضاء لإنتاج غذائي واستثماري مرتبط بالعمق الإفريقي الغربي، ويخفف في الوقت نفسه من تبعية الاستيراد في بعض السلع الأساسية.
أما الشريط الأوسط، فيرتكز على محور الطريق الوطني رقم 1 والطريق العابر للصحراء، انطلاقا من الجزائر العاصمة مرورا بالهضاب العليا وغرداية، ثم الأحواض الصحراوية وصولا إلى تامنراست والحدود الجنوبية.
وينظر إلى هذا المحور باعتباره العمود الفقري المستقبلي لحركة البضائع والأشخاص والخدمات الرقمية، بالنظر إلى كونه يربط مباشرة بين الشمال المتوسطي والعمق الإفريقي، كما يطرح كمسار استراتيجي لتطوير اللوجستيك العابر للصحراء، وربط الأسواق الداخلية بالأسواق الإفريقية، وخلق ديناميكية جديدة في التجارة والخدمات والنقل.
في حين يخصص الشريط الشرقي لتطوير القاعدة الطاقوية والصناعية، انطلاقا من الموانئ والمناطق الصناعية في الشرق نحو الداخل وصولا إلى الجنوب الشرقي، حيث تتركز أهم الحقول النفطية والغازية، إلى جانب مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
وينظر إلى هذا الشريط باعتباره فضاء للتحول الطاقوي وإعادة تموقع الجزائر في الاقتصاد العالمي للطاقة، عبر الجمع بين الموارد التقليدية والطاقات المتجددة، وتحويل الجنوب الشرقي إلى منصة إنتاج وتصدير نحو إفريقيا والمتوسط.
ويقترح أصحاب هذه الرؤية مرافقة هذا التقسيم بإطلاق مراكز عمرانية جديدة على طول هذه المحاور، تُنشأ على مسافات تتراوح بين 400 و500 كيلومتر، وتضم وحدات سكنية وجامعات ومؤسسات صحية ومناطق نشاط اقتصادي ومنصات لوجستية، تحسبا لبلوغ الجزائر عتبة 100 مليون ساكن.
وتقدم هذه المراكز كمدن مستقبلية متكاملة الوظائف، وليست مجرد محطات عبور، بل فضاءات حياة وإنتاج قادرة على خلق توازن جديد في توزيع السكان، وتقليص الفوارق بين الشمال والجنوب، وتخفيف الضغط المتزايد عن المدن الساحلية الكبرى.
كما يربط هذا الطرح بين نجاح هذا النموذج وبين تطوير البنية التحتية للنقل بشكل جذري، من خلال توسيع شبكة السكك الحديدية نحو الجنوب، وتعزيز الطرق السريعة، واستشراف حلول نقل عالية السرعة في المستقبل، بما يسمح بتقليص الزمن الجغرافي بين مختلف مناطق البلاد. في هذا السياق، تصبح المسافة أقل تأثيرا في قرارات الاستثمار والسكن، ويصبح الجنوب أكثر قابلية للاستقطاب السكاني والاقتصادي.
ويستند هذا التصور أيضا إلى المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها في الجنوب، وعلى رأسها منجم غار اجبيلات للحديد ومشاريع الفوسفات وبرامج الطاقات المتجددة، والطريق العابر للصحراء، باعتبارها نواة اقتصادية يمكن البناء عليها لإعادة إدماج الجنوب في الدورة الإنتاجية الوطنية.
كما تطرح هذه المشاريع كرافعة لتحويل الصحراء من مجال استخراج خام إلى فضاء تصنيع وتحويل وتصدير، بما يعزز القيمة المضافة داخل التراب الوطني بدل تصديرها في شكل مواد أولية فقط.
وفي البعد الإفريقي، يضع أصحاب الفكرة هذا التوجه ضمن سياق أوسع مرتبط بتعزيز التكامل القاري، خصوصا في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، حيث يُفترض أن تتحول الجزائر إلى عقدة ربط بين شمال إفريقيا وعمقها الإفريقي.
وينظر إلى هذا الموقع الجغرافي كعنصر قوة استراتيجي يمكن تعزيزه عبر تطوير الممرات اللوجستية، بما يسمح للجزائر بلعب دور محور عبور وتبادل في مجالات التجارة والطاقة والخدمات.
كما يطرح التصور بعدا آخر يرتبط بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجال، من خلال تحويل الجنوب من فضاء ذي كثافة سكانية ضعيفة إلى مجال استقرار وتنمية مستدامة، عبر سياسات تحفيزية للسكن والاستثمار وربط ذلك بخدمات الطاقة والمياه والبنية التحتية، بما يجعل الإقامة في هذه المناطق خيارا اقتصاديا مجديا وليس مجرد توجيه إداري أو تنموي.
وفي المحصلة، تقدم “الجزائر العمودية” كتصور لإعادة رسم خريطة التنمية داخل البلاد، يقوم على تحويل الصحراء من فضاء جغرافي إلى مركز ثقل اقتصادي واستراتيجي، وإعادة تنظيم العلاقة بين الشمال والجنوب على أساس التكامل بدل التمركز، في أفق نموذج تنموي طويل المدى يعيد تعريف وظيفة المجال الوطني داخل معادلة الدولة والاقتصاد والجغرافيا في آن واحد، ويضع الجزائر أمام تصور جديد لدورها كقوة قارية ممتدة بين المتوسط وعمق إفريقيا.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post “الجزائر العمودية”… هل ستقلب معادلة التنمية في البلاد؟ appeared first on الشروق أونلاين.





