... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
193196 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8607 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بالمغرب:بين طموح العدالة المجالية وتحديات الحكامة والتفعيل والأثر

العالم
مدار 21
2026/04/16 - 09:23 501 مشاهدة

في سياق التحولات العميقة التي يشهدها النموذج التنموي بالمغرب، لم يعد ورش التنمية الترابية المندمجة مجرد أداة جديدة ضمن ترسانة السياسات العمومية، بل أضحى يعكس توجُّها لإعادة بناء منطق الفعل العمومي ذاته ومراجعة مقارباته في شتى أبعادها، وذلك أساساً من خلال نقل مركز الاهتمام من التخطيط القطاعي المجزَّأ إلى المجال الترابي باعتباره فضاءً لإنتاج التنمية وتفعيلها وقياس أثرها.

فبعد سنواتٍ من تراكم البرامج والمخططات، برزت الحاجة إلى تجاوز محدودية المقاربات السابقة التي رغم غناها المفترض على مستوى التصور، لم تنجح بالقدر الكافي في تقليص الفوارق المجالية أو في تحقيق تحول ملموس في شروط العيش داخل مختلف المجالات الترابية التي تعرف خصاصاً متعدداً واختلالات بنيوية وتفاوتات واضحة في مستوى التنمية.

ولقد تعزز هذا المسار من خلال التوجيهات الملكية السامية، خاصة في خطابيْ 29 يوليوز و10 أكتوبر 2025، اللذيْن رسخا اقتناعاً مفاده أن تحقيق التنمية، بمفهومها الشامل والمستدام والعادل اجتماعيا والمتكافئ ترابيا، لم يعد ممكنا في ظل استمرار اختلالات مجالية عميقة، وأن الرهان الحقيقي يكمن في بناء نموذج تنموي مندمج يضمن تكافؤ الحظوظ بين مختلف الجهات. وفي هذا السياق، انبثق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ليؤسس لمرحلة جديدة، ترتكز على إعادة ترتيب أولويات التدخل العمومي وأسلوب حكامته، انطلاقا من الحاجيات المحلية الحقيقية، وعلى الربط بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإيكولوجية في إطار رؤيةٍ أكثر تكاملاً تستهدف تحقيق الأثر والنتائج أكثر مما تستحضر الاعتمادات والإمكانيات والوسائل التي يمكن رصدُها.

غير أنَّ هذا المسار لا يمكن فصله عن السياق العام الذي عرف ارتفاعًا في حجم الاستثمارات العمومية خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي مَكَّنَ من تحقيقِ مكاسب مهمة على مستوى البنيات التحتية وتعزيز الجاذبية الاقتصادية. إلاَّ أن هذا التراكم الاستثماري العمومي، في مقابل ذلك كشف عن مفارقة واضحة بين حجم الموارد المرصودة ومستوى الأثر المحقق، حيث ظلت بعض المجالات الترابية خارج دينامية التحول، واستمرت الفوارق في الولوج إلى الخدمات الأساسية وفُرص الشغل، بما أعاد طرح سؤال الفعالية، لا من زاوية الكم فقط، بل من زاوية القدرة على إحداث أثر متوازن ومستدام كذلك.

في هذا الإطار، شكَّــــل المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 9 أبريل 2026 لحظة دالة في هذا المسار، حيث تم تقديم الخطوط العريضة لحكامة هذا الجيل الجديد من البرامج، من خلال رصد غلاف مالي ضخم يقدر ب 210 مليار درهم لتنفيذ هذه البرامج على مدى ثماني سنوات، في انتقالٍ واضح من مستوى التأطير الاستراتيجي إلى محاولة ضبط آليات التنفيذ. غير أن ما يثير الانتباه في هذه المرحلة ليس فقط طبيعة الأدوات المعتمدة، من قبيل التشخيص الترابي، والمقاربة التشاركية والحكامة متعددة المستويات، بل الإشكالات التي تطرح حول مدى قدرتها على تجاوز الإكراهات التي واجهت التجارب السابقة، خاصة تلك المرتبطة بضُعف التنسيق، وتداخُل الاختصاصات، ومحدودية أثر المشاركة المواطِنة

إنَّ أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في مضامينه التقنية، أو في حجم الموارد المرصودة له، بل في كونه يطرح بحدة، سؤال القدرة على إحداث قطيعة فعلية مع أعطاب الماضي. فالتجربة المغربية، رغم ما راكمته من برامج ومخططات واستراتيجيات، أبانت عن مفارقة واضحة بين غنى التصورات وضعف الأثر، وبين وفرة المشاريع واستمرار التفاوتات. ومن ثم، فإن الرهان اليوم لم يعد في ابتكار أدوات جديدة بقدر ما أصبح في ضمان فعاليتها، وفي تحويلها إلى نتائج ملموسة تنعكس على الحياة اليومية للمواطنات والمواطنين.

من هذا المنطلق، يفرض الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة نفسه كموضوع يستدعي قراءة نقدية متأنية، تتجاوز منطق العرض والوصف، لتلامس عمق الإشكالات المرتبطة بالحكامة، والتشاركية، وتوزيع السلطة بين مختلف المستويات الترابية. فبين طموح بناء نموذج تنموي أكثر عدالة، وإكراهات كشفتها التجربة العملية للتنزيل، يظل السؤال الجوهري قائما: هل نحن أمام تحول حقيقي في فلسفة التنمية، أم أمام مجرد إعادة ترتيب لنفس الإشكالات في قالب جديد أكثر تنظيما؟

من صياغة السياسات إلى رهانات الأثر: أين تقف فعالية النموذج الجديد؟

إن أول ما يثير الانتباه هو تلك الهوة التي غالبا ما تفصل بين هندسة البرامج وأثرها الفعلي على الواقع. فالتجربة المغربية في مجال السياسات العمومية أبانت في أكثر من محطة، عن قدرة واضحة على إنتاج تصورات متقدمة من حيث الصياغة والتخطيط، لكنها في المقابل كشفت عن صعوبات حقيقية في تحويل هذه التصورات إلى نتائج ملموسة، قادرة على تغيير شروط العيش داخل المجالات الترابية، خاصة الأكثر هشاشة.

في هذا الإطار، يُعتبر إطلاق جيل جديد من البرامج التنموية كقطيعة مع منطق التجزئة القطاعية من خلال تبني مقاربة مندمجة تنطلق من تشخيص ترابي دقيق، وتستند إلى تجميع المعطيات السوسيو-اقتصادية، وتحديد الأولويات بناءً على خصوصيات كل عمالة أو إقليم. غير أن الإشكال الذي يطرح هنا لا يتعلق بوجاهة هذه المنهجية في حد ذاتها، بل بمدى قدرتها على تجاوز أحد أبرز أعطاب السياسات السابقة، المتمثل في ضعف ترجمة نتائج التشخيص إلى قرارات استراتيجية ملزمة أثناء التنفيذ.

فكثيرا ما يتحول التشخيص إلى مجرد مرحلة تقنية معزولة، يتم إنجازها وفق معايير دقيقة، لكن دون أن تحدث تحولا نوعيا في ترتيب الأولويات أو في توجيه الموارد، وهو ما يجعلنا أمام مفارقة حقيقية: وفرة في المعطيات مقابل محدودية في الأثر. وهذا ما يعيد طرح سؤال جوهري حول العلاقة بين المعرفة الترابية وصناعة القرار العمومي، وهل نحن أمام تشخيص موجِّه للفعل، أم مجرد أداة لإضفاء المشروعية التقنية على اختيارات قد تكون محددة سلفًا؟

من جهة أخرى، تطرح المقاربة التشاركية، التي تم التأكيد عليها بقوة ضمن هذا الجيل الجديد، إشكالاً لا يقل أهمية، يتعلق بطبيعة هذه التشاركية وحدودها. فتنظيم مشاورات واسعة وعمليات إنصات على المستوى المحلي يعد في حد ذاته تطورا إيجابيا، غير أن التجربة العملية تظهر أن هذه الآليات كثيرا ما تظل محصورة في بُعدها الشكلي، حيث يتم إشراك المواطنين في التعبير عن حاجياتهم، دون أن يكون لهم تأثير فعلي في ترتيب الأولويات أو في تتبع تنفيذ المشاريع.

وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام ديمقراطية تشاركية حقيقية تعيد توزيع السلطة على المستوى الترابي، أم أمام آلية تواصلية تهدف أساسًا إلى تحسين صورة السياسات العمومية وتعزيز قبولها الاجتماعي؟

كما أن اعتماد مقاربة تنطلق من المستوى المحلي، رغم أهميته، يظل رهينا بمدى توفر شروط مؤسساتية وبشرية قادرة على استيعاب هذا التحول. فضُعف الكفاءات التدبيرية، ومحدودية إلمام النسيج الجمعوي في بعض المجالات، وغياب التأطير الكافي للمشاركة المواطنة، كلها عوامل قد تحد من فعالية هذه المقاربة، وتُـــفرغها من مضمونها الإصلاحي.

وعليه، فإن الرهان الحقيقي لهذا الجيل الجديد من البرامج لا يكمن فقط في التخطيط وإعادة الهيكلة، بل في إحداث تحول عميق في العلاقة بين الفاعلين، وفي طريقة اتخاذ القرار العمومي، بما يضمن الانتقال من التشخيص إلى البناء، ومن المشاركة إلى التأثير، وهو ما يشكل الشرط الأساسي للانتقال من هندسة البرامج إلى تحقيق الأثر الفعلي على المستوى الترابي.

بين وعود الحكامة ومخاطر التعقيد المؤسساتي: من يدبر التنمية فعلا؟

إن هذا التحدي لا يقل أهمية عما سبق الحديث عنه، ويرتبط أساس بسؤال الحكامة: من يملك سلطة القرار الحقيقي في تدبير التنمية الترابية؟ وهل تسمح البنية المؤسساتية الجديدة بإنتاج فعل تنموي منسجم وفعال، أم أنها قد تعيد إنتاج نفس مظاهر التعقيد التي طبعت التجارب السابقة؟

فقد تم تصميم هذا الورش الاصلاحي على أساس حكامة متعددة المستويات، تجمع بين المحلي والجهوي والوطني، في محاولة لتحقيق نوع من التوازن بين القرب من المواطن وضمان الانسجام الاستراتيجي. غير أن هذه الهندسة، رغم طابعها المتقدم نظريا، تثير إشكالا جوهريا يتعلق بتداخل الاختصاصات وتوزع المسؤوليات، حيث يصبح من الصعب أحيانا تحديد من يتحمل مسؤولية النجاح أو الفشل، وهو ما قد يُضعف إمكانياتِ تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فالمستوى المحلي، الذي يُفترض أن يكون منطلق المبادرة، يظل في كثير من الأحيان مقيدًا بإكراهات إدارية ومالية، بينما يحتفظ المستوى الوطني بأدوار حاسمة في المصادقة والتوجيه وتعبئة الموارد. أما المستوى الجهوي، فيجد نفسه في موقع وسيط بين الطرفين، دون أن يمتلك دائما سلطة تقريرية كاملة. وبهذا المعنى، فإن تعدد المستويات لا يعني بالضرورة توزيعا فعليا للسلطة، بل قد يتحول إلى نوع من تقسيم القرار بدل تقاسمه.

إن هذا الوضع يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بـضبابية المسؤولية، حيث يتعدد المتدخلون دون وضوح رؤية فاصلة في خطوط القيادة، مما قد يؤدي إلى بُطء في التنفيذ، أو إلى تضارب في الأولويات، أو حتى إلى تعطيل بعض المشاريع نتيجة غياب التنسيق الفعلي.

في نفس السياق، يطرح اعتماد شركات مساهمة كآلية لتنفيذ المشاريع سؤالا إضافيا حول طبيعة الفاعل الذي يَقُودُ التنمية الترابية. فهذا الاختيار، الذي يسعى إلى إدخال مرونة التدبير ونجاعة الأداء، يعكس تحولاً نحو نماذج تدبير مستوحاة من القطاع الخاص. غير أن هذا التحول قد يخلق نوعا من الازدواجية في منطق التدبير، حيث تتداخل اعتبارات المردودية والسرعة مع متطلبات الخدمة العمومية القائمة على الإنصاف والاستمرارية.

كما أن هذا النموذج قد يبعد جزئيا مركز القرار عن الفاعلين المنتخبين، ويعيد توجيهه نحو هياكل ذات طابع تقني أو شبه مستقل، مما يطرح تساؤلات حول مدى خضوع هذه الكيانات للمساءلة الديمقراطية، وحول قدرتها على استحضار البعد الاجتماعي في الاختيارات التنموية، خاصة في المجالات التي لا تحقق مردودية اقتصادية مباشرة.

ولا يقل عن ذلك أهمية ما يرتبط بآليات التتبع والتقييم، حيث تم التنصيص على إحداث منصات رقمية وإخضاع البرامج لتدقيق سنوي. ورغم أن هذه الأدوات تمثل تقدما مهما مبدئيا من حيث الشفافية، إلا أن فعاليتها تظل مرتبطة بمدى إدماجها في منظومة قرار حقيقية، تجعل من نتائج التقييم أساسا للمساءلة والتقويم، وليس مجرد معطيات تقنية تعرض دون أثر فعلي على مسار المشاريع.

وعليه، فإن الرهان في هذا المستوى لا يكمن فقط في بناء هياكل جديدة، بل في ضمان انسجامها ووضوحها، وفي إرساء توازن دقيق بين مختلف مستويات القرار، بما يضمن فعالية التنفيذ دون التضحية بمبادئ الحكامة الجيدة. فالتنمية الترابية، في نهاية المطاف، ليست مجرد مشاريع تنجز، بل هي مسار مؤسساتي معقد يتطلب وضوحا في القيادة، وانسجاما في الفعل، ومساءلة حقيقية عن النتائج.

من طموح الإصلاح إلى رهان التحول الفعلي

في ضوء ما سبق، يتضح أن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة لا يمثل مجرد امتداد للسياسات العمومية السابقة، بل يعكس محاولة واعية لإعادة بناء النموذج التنموي على أسس أكثر تكاملا وارتباطا بالمجال الترابي. غير أن هذا الطموح، على قوته، يصطدم بواقع مؤسساتي معقد، حيث تظل فجوة التنفيذ، وإشكالات الحكامة، وحدود التشاركية، من أبرز التحديات التي قد تعيق تحقيق الأثر المنشود.

فإذا كان هذا الورش قد نجح في تجديد أدوات التخطيط وتوسيع دائرة الفاعلين، فإن الرهان الحقيقي يظل في قدرته على إحداث تحول عميق في منطق الفعل العمومي ذاته، عبر الانتقال من تعدد البرامج إلى وحدة الرؤية، ومن وفرة المعطيات إلى نجاعة القرار، ومن التشاركية الشكلية إلى إشراك فعلي يترجَمُ في ترتيب الأولويات وتقييم النتائج.

كما أن نجاح هذا النموذج يظل رهينًا بإعادة تعريف العلاقة بين المركز والمجال، بشكلٍ يَضمن استقلاليةً حقيقية للفاعل الترابي، ويمنحه القدرة الحقيقية والفعلية على المبادرة واتخاذ القرار، في إطار من المسؤولية والمحاسبة. فبدون هذا التحول، قد تتحول الجهوية المتقدمة إلى مجرد إطار تنظيمي وإداري، بدل أن تكون رافعة استراتيجية وفضاءً ملائماً للتنمية.

في نهاية المطاف، لا يمكن قياس نجاح هذا الجيل الجديد من البرامج بحجم الاعتمادات المالية أو بعدد المشاريع المعلنة، بل بمدى قدرته على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين، خاصة في المجالات الأكثر هشاشة. فالتنمية الترابية ليست مجرد أرقام ومؤشرات، بل هي قبل كل شيء قدرة على بناء الثقة، وترسيخ الإحساس بالإنصاف، وتحقيق الكرامة المجالية.

• ذ. يوسرى رمضان: باحثة في سلك الدكتوراه في القانون؛ وفاعلة سياسية وجمعوية، ومنتخبة عضوة بالمجلس الإقليمي تازة

ظهرت المقالة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بالمغرب:بين طموح العدالة المجالية وتحديات الحكامة والتفعيل والأثر أولاً على مدار21.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤