الجميع يقول إن إيران انتصرت.. فهل انتهى الصراع حقا؟
أحمد بن علي الشيزاوي
يتبين لنا من الأخبار التي نشرتها وكالات الأنباء العالمية المعتبرة، أن ما أطلق عليه اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية في حقيقته وقف مؤقت لإطلاق النار، محدد الأجل، قد انعقد على سبيل التمهيد للتفاوض.
ولما كان الثابت كذلك أن ما صدر عن الجانب الأمريكي لم ينصرف إلا إلى إقرار محدود بوقف النار وتأمين الملاحة، دون أن يمتد إلى جوهر المطالب العشرة المطروحة، وكان ما نقلته المصادر الموثوقة يدل على أن القبول قد تعلق بالإطار العام للتفاوض دون التفاصيل الملزمة، فإن ذلك يفيد أن الإدارة الأمريكية لم تتجه إلى إنشاء التزام نهائي، وإنما انصرفت إلى فتح باب التفاوض، الأمر الذي ينتفي معه القول بقيام قبول مكتمل أو انعقاد اتفاق ملزم، إذ لا يكفي في ذلك مجرد التعبير عن الاستعداد للبحث دون اقترانه بإرادة جازمة تنصرف إلى الالتزام.
ولما تواترت القرائن على أن ميزان القوة في مثل هذه المنازعات لا يقوم على ظاهر التصريحات، بل على حقائق القدرة وإمكانات التنفيذ، وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها لا يزالون يحتفظون بسبق عسكري ظاهر، في حين تحتفظ إيران بقدرة مؤثرة على الملاحة في شريان ملاحي حاكم، وكانت التقارير قد أجمعت على ما يكتنف فرض السيطرة بالقوة من صعوبات جمة وتكاليف باهظة، فإن التوازن القائم لا يعدو أن يكون توازن اضطرار، فرضته معطيات الواقع، دون أن يبلغ حد الحسم أو ينتهي إلى ترجيح قاطع لأي من الطرفين.
وحيث يتبين أن الشروط المطروحة لا تقوم على نسق واحد، بل ينصرف بعضها إلى تسوية مرحلية قابلة للقبول، كفتح مضيق هرمز وتنظيم المرور فيه مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، مع ما يستتبع ذلك من تعديل في الصياغة، بينما يصطدم بعضها الآخر بأصول ثابتة، وعلى رأسها فرض رسوم سيادية على المرور أو تقييد العمل العسكري أو إلزام أطراف إقليمية، وهو ما يجعله أقرب إلى الرفض الحاسم.
وإذ قدم في المقابل تصور أمريكي يربط تخفيف العقوبات بالتزامات تشمل فتح الممر الملاحي دون قيد، وتجميد النشاط النووي مع الرقابة الدولية، ووقف الدعم العسكري للحلفاء، وتأمين الأصول الأمريكية، فإن ذلك يكشف عن اتجاه لتوسيع نطاق التفاوض ليشمل تحركاتها الإقليمية.
بيد أن الموقف الإيراني، وإن أبدى مرونة في بعض الجوانب، كفتح المضيق وعدم التصعيد في التخصيب، فإنه يتمسك بمقابل سيادي أو مالي، ويرفض تقويض قدراته النووية أو إدراج علاقاته الإقليمية ضمن التفاوض، بما يبقي نطاق التلاقي محدود، ويجعل مسار التفاوض رهين بإعادة صياغة المطالب دون المساس بجوهرها.
وبما أن المهلة الزمنية المقررة لا تتسع بطبيعتها لتصفية المسائل الجوهرية، فإن المؤشرات الواقعية تفيد أن مآل المفاوضات يدور بين ثلاثة احتمالات مفتوحة متكافئة الرجحان، وهي:
•تمديد مؤقت تفرضه ضرورات التفاوض.
* أو اتفاق جزئي محدود النطاق.
* أو عودة إلى التصعيد عند تعذر التوفيق في المسائل الأساسية، ولا سيما ما يتعلق بالبرنامج النووي والعقوبات وترتيبات الأمن الإقليمي، وخصوصا الملاحة عبر مضيق هرمز.




