الجمعة العظيمة... "وصرخ يسوع بصوت عظيم"
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
فادي بوراشدأستاذ في كلّية اللّاهوت والدراسات البيبلية فيالجامعة الأنطونيّةيُحكى أن المُرمّم الإيطالي الشهير(Gianluigi Colalucci)، الذي قاد عملية ترميم (Chapelle Sixtine) في الفاتيكان ما بين عامَي 1980 و1994، عندما وصل إلى جدارية السقف، حيث خلّد (Michelangelo) لحظة خلق آدم الشهيرة، ساورته رهبة عظيمة، فتوقّف عن العمل مراراً ويده ترتجف أمام عين الله الناظرة إلى آدم قبل أن يرمّمها، خشية أن يمحو ما في تلك النظرة من سلطان، أو أن يُطفئ جمالها الأسطوري الذي رسمته ريشة (ميكيلانجيلو) مرةً واحدة إلى الأبد. ولا عجب في ذلك، ففي الحياة أمورٌ لا يُدنى منها بغير خوف ورِعدة لما فيها من قدسيّة يصعبُ فهمُها وتفسيرها. فإن كان ما رسمته يد الإنسان أحياناً تحفة نهاب مسّها، فكيف بالحريّ ما خطّته يد الله؟! وصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح، كلمات ألهمها روح الله نفسه في الكتاب المقدّس، وفيها من السّر ما يُهيب بنا أن نقرأها ونحن ساجدون، على الرُكب. في صرخة يسوع سرّ عظيم إذاً، وما كان الوحي الكتابي ليذكرها لولا وجود قصد إلهي من ذلك، لأن الكتاب كلّه من وحي الله كما يعلّمنا القديس بولس. فما سرّ هذه الصرخة؟ وماذا يريد الروح أن يقول لنا فيها؟إن القراءة المتأنّية للعهد الجديد، تضعنا أمام تصاعد تدريجي (Crescendo) لصرخات يسوع. فالنصوص أشبه بسيمفونية يقودها روح الله ليكشف عن غور مشيئته لنا بالمسيح يسوع. في الهيكل، وفي منتصف عيد المظال، صرخ يسوع بأعلى صوته قائلًا: تعرفونني وتعرفون من أين أنا... ذاك الذي أرسلني هو حقّ وأنتم لا تعرفونه... إنها صرخة إعلان هوية شخصيّة في وجه جهل روحيّ يطال حقيقة الآب والابن وارتباطهما؛ وفي آخِر أيّام العيد أيضًا، صرخ يسوع بصوت عظيم قائلًا: إن عطش أحد، فليجئ إلي ليشرب... ومن آمن بي تفيض من صدره أنهار ماء حيّ وهي صرخة إرواء تحضّ الإنسان العطشان ليأتي إليه فيرتوي ويُشبع ظمأه الكياني من نهر الحياة. وفي ختام خدمته العلنية في أورشليم، صرخ يسوع أيضاً وقال: ... من رآني رأى الذي أرسلني ...جئت نورًا إلى العالم، فمن آمن بي لا يقيم في الظلام... ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم... إنها صرخةُ الخلاص، واتّحادُ النورِ بالنور، ليُخرجَ الناسَ من دهاليز الظلام ويخلّصَ العالم. بعد هذه الصرخات التي أوردها يوحنا في إنجيله تباعاً، وبصورة تصاعدية كما ذكرنا، تأتي إحدى صرخات يسوع الأكثر دويّاً قبل عيد فصحه الأخير، صرخة سلطانه على الموت لحظة إحياء لعازر: وصرخ يسوع بصوت عظيم: لعازر أخرج!، مُظهراً بذلك أنّه القيامة والحياة، وأن من آمن به يحيا وإن مات. متّى ومرقس من ناحيتهما، يشيران صراحة إلى صرختين عظيمتين أطلقهما يسوع من على الصليب، واحدة باتجاه الآب إلهي، إلهي لماذا تركتني؛ وصرخة تسليم الروح. بينما يسجّل لنا لوقا صرخة واحدة ليسوع يستودع فيها روحه بثقة بنويّة بين يدي الأب قبل أن يُسلم الروح. إلّا أننا في ختام أسبوع الآلام، سنتوقف عند صرختين جوهريتين: صرخة إحياء لعازر؛ وصرخة الموت على الصليب، لارتباطهما الوثيق بسرّ الموت، الأولى، هي صرخة السلطان المطلق عليه، والثانية هي صرخة الغلبة عليه من الداخل.فلنتصور الآن دراميّة تلك اللحظات: أمام قبر لعازر، وقف يسوع أمام حقيقة الموت وجهًا لوجه، وطلب إزاحة الحجر؛ لسنا هنا أمام الموت كفكرة مجرّدة، بل أمام مَيت أنتن في قبره منذ أربعة أيّام بشهادة أخته مرتا. فلا مجال لأي حلول تأويلية؛ فإمّا أن يرينا يسوع مجد الله فيُظهر أنه هو حقّاً القيامة والحياة، وإمّا أن تتهاوى ادعاءاته بأنه مُرسلٌ من عند الآب وأنه والآب واحد. يشهد العهد القديم أن الموت يفتح شدقه ولا يشبع، وأن له سلطاناً يختم به أبواب قبورنا لئلّا يخرج منها أحد؛ أيحيا أحدٌ ولا يرى هوّة الموت؟ إنه حقًّا العدوّ الذي لا يُغلب. لكن يسوع سيصرخ بصوت عظيم: لعازر، أُخرج! فخرج.فيا لها من آية تفوق كل متوقّع! فلابن الإنسان سلطان على عالم الأموات ومثواهم الأخير. ألم يقل الكتاب: الرب يُميت والربّ يُحيي، يُهبط إلى الهاوية ومنها يُصعِد (1صموئيل 2: 6)؟ لقد اقتحم يسوع بصرخته العظيمة مثوى الأموات، واستردّ من شدقه غنيمتَه، مُظهرًا أن الأموات منذ الآن يسمعون صوته، وأن عنده للموت... مخارج.لقد استبقت صرخة إحياء لعازر عند يوحنا صرختَي الصليب: إلهي، إلهي لماذا تركتني، وصرخ يسوع بصوت عظيم... الواردتَين في مرقس ومتّى؛ كما صرخة الثقة عند لوقا أيضاً: في يديك استودع روحي. غير أن لاهوت يوحنا يعود ليجمع أبعاد هذه الصرخات في بوتقة واحدة مكثّفة: فلما ذاق يسوع الخلّ قال: تم كل شيء. وحنى رأسه، وأسلم الروح. لقد ترك الله يسوع يموت حقّاً على الصليب، إذ ليس في الأمر مظهرية؛ ولقد قبل يسوع هذا الموت بطاعته اللامحدودة، مجتازاً الصليب باستيداع روحه بين يدي الآب. غير أن الأناجيل تمايزت في وصف صرخته الأخيرة، وهذا قصد إلهي جليل؛ فما من إنجيليّ كان بمقدوره وحده أن يضع اللمسة الأخيرة على سرّ الفداء بكل أبعاده. أمام قبر لعازر، صرخ يسوع في وجه الموت ليستردّ منه غنيمته؛ أمّا على الصليب، فصرخُ يسوع ليجتاح الموت ويغلبه من الداخل. إنّها صرخة الظافر قبل حسم المعركة: فما إن أسلم يسوع الروح حتى استسلم قائد المئة الوثني معترفاً بألوهيته؛ فكان اعترافه عربوناً لانتصار أفقيّ أوّل سيمتدّ في بشارة الكنيسة لاحقاً ليطال المسكونة كلّها. وعندما تشققت الصخور وتزلّزل باطن الأرض، حدث انتصارٌ عموديّ ثان اخترق به يسوع عالم الموت ليفككه من الداخل؛ وصار الصليب بهما انتصاراً كاملاً، فانهارت أمام فيضه الأبواب الموصدة، وبات لزاماً أن تجثو لاسم يسوع كل ركبة في السماء وفي الأرض وتحت الأرض.لقد تمّ كل شيء... أهي النهاية أم البداية؟ إنها نهاية ما يجب أن ينتهي، وبداية ما يجب أن يبدأ. فالمسيح هو ألفُ الخلاص وياؤه؛ إذ به كان كل شيء، وبه تمّ كل شيء. على الجُلجُلة، لم يطلق يسوع صرخاتِ مجرمِِ مصلوبِِ، ولا أنينَ آثِمٍ متألّم غلبته خطيئة العالم، ولم يُهزم على صليبه وهو يحاول دحرجة صخرة القدَرِ بلا نهاية كما في أسطورة (Sisyphe)؛ بل اقتحم أبواب الموت الدهرية، وحطّم مغاليقها بصوته العظيم، ودخل إلى عالم الأموات ففجّره من الداخل. كتَبَ الكاردينال (Cantalamessa): ما إن صرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح، حتى انشقّ حجاب الهيكل شطرَين من أعلى إلى أسفل. وتزلزلت الأرض وتشقّقت الصخورُ وانفتحت القبور... إشارة إلى ما يجب أن يتمّ في قلوبنا. فما بالُ الله بالصخور الحجريّة، بل بصخور أخرى عليها أن تلين وتتفتّت، قاصداً بذلك إنساننا الباطني وقلوبنا المتحجّرة. وهكذا يتحوّل الموتُ إلى بدايةِِ جديدةِِ ومعبرِِ إلى الحياة، إذ في المسيحِ ينقلبُ السقوطُ قيامةً، والظلامُ نوراً. ولعلّ أبلغ ما يُجسّدُ انتصارَ المسيحِ على الموتِ، ما قاله أميرُ البيان، أمين ناصر الدين: قهرتَ الموتَ بالموتِ الزُّؤامِ... فأنتَ الحيُّ في عُمقِ الرَّغام.




