... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
156963 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7888 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانية

الغزالي وخرافة المذنب الوحيد

العالم
مجلة المجلة
2026/04/12 - 08:42 501 مشاهدة
الغزالي وخرافة المذنب الوحيد layout Sun, 04/12/2026 - 09:42
Wikicommons

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي أثار الرئيس السابق لجامعة القاهرة محمد عثمان الخشت جدالا واسعا بإحيائه النقاش حول أبي حامد الغزالي، حين وصفه بأنه يمثل "استقالة العقل" في الحضارة الإسلامية، وبأنه يتحمل المسؤولية عن تراجع العلوم والفلسفة عند المسلمين.

هذا الرأي يذكرنا بمقطع شهير لعالم الفلك الأميركي نيل ديغراس تايسون، تحدث فيه بإعجاب عن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، وكيف أن العرب استطاعوا أن يقدموا منجزات مذهلة في العلوم والمعارف كافة، وبلغت آفاق علمهم الفضاء، فكانت النجوم في السماء تحمل أسماء عربية، وكان المجتمع العلمي آنذاك لا يفرق بين عربي وأعجمي، مسلم أو نصراني أو يهودي، كلهم أسهموا جميعا في بناء واحدة من أعظم الحركات العلمية في التاريخ.

لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ كيف تراجعت هذه الحضارة بعد هذا الأوج والنبوغ والعلمي؟ يقف تايسون مفسرا ومعللا سبب "انهيار الحضارة الإسلامية" فيقول: "في القرن الثاني عشر حدث شيء ما قلب جميع الموازين، قام رجل الدين أبو حامد الغزالي بتحريم الرياضيات والفلسفة، إذ نسبها إلى الشيطان، قائلا إن هذه الفلسفة مصدر الشرور. لذلك انهارت الحضارة الإسلامية، ولم ترجع منذ ذلك الزمن".

بهذا التفسير المباشر البسيط اختصر تايسون السبب وراء تراجع الحضارة والإسلامية في شخص الغزالي، وأرجعها إلى موقف رجل واحد، بسببه انهارت هذه الحضارة، وطويت صفحتها عبر الزمن.

هل كان السبب وراء انحطاط الفلسفة والعلوم في الحضارة الإسلامية؟
09 أبريل , 2026

هذا الرأي، بالطبع ليس من بنات أفكار تايسون، أو تأملاته، بل شائع ومنتشر في الكتابات الثقافية الحديثة. يزعم ذلك الرأي أن الإمام أبا حامد الغزالي (ت 505هـ) كان اللحظة التي أغلق عندها "باب العقل" في الحضارة الإسلامية، وأن كتابه "تهافت الفلاسفة" مثل إعلانا لانحطاط الفلسفة والعلوم. تبدو هذه الفكرة مغرية لأنها بسيطة، ولأنها تقدم تفسيرا جاهزا لمسار تاريخي بالغ التعقيد، شخص واحد، كتاب واحد، ثم صمت طويل.

فكرة استشراقية

هذه الفكرة في أصلها ليست تراثية، ولا نابعة من داخل النقاشات الإسلامية الكلاسيكية، بل تشكلت في سياق استشراقي حديث، ارتبط بمحاولات تفسير صعود أوروبا العلمي، وتخلصها من هيمنة الكنيسة، عبر بناء ثنائية حادة بين "غرب عقلاني" و"شرق ديني جامد". وكأن حركة التراجع أو التقدم تفسر في نظرهم على أنها نتيجة لـ"الصراع بين العقل والنقل".

في هذا السياق، قدم المستشرق الفرنسي ارنست رينان الغزالي بوصفه رمز انتصار اللاهوت على العقل، وربط بين نقده للسببية وبين انهيار التفكير العلمي في الإسلام. وقال المستشرق الألماني الفرنسي سالمون مونك قولته الشهيرة: "لقد وجه الغزالي ضربة قاضية للفلسفة لم تنهض بعدها في الشرق".

غلاف كتاب "تهافت الفلاسفة"

هكذا تحول الغزالي، في الرؤية الاستشراقية إلى رجل يستدعى لتفسير "تأخر الشرق" كله، والأخطر من ذلك أن هذه القراءة، مع الزمن، تسللت إلى الخطاب العربي الحديث كحقيقة تفسيرية شبه مسلمة. فالغزالي "درس الفلسفة بنية سيئة، ليسبر غورها، ثم ينشر مساوئها في العالمين"، كما يقول زكي مبارك في كتابه "الأخلاق عند الغزالي". فهو لا يتحرج بأن يقول: "الغزالي أصلى الفلسفة نار العقوق، فقد كانت سبب حصافته، وذيوع صيته، ثم اطمع فيها العامة، ومكن الجهال من تصغير الحكماء، وليس تكفيره لابن سينا والفارابي بالأمر الهين، وإن فعلته تلك لتحسب بذرة هذه التقاليد الممقوتة التي يعانيها المفكرون الأحرار في جميع الأقطار الإسلامية منذ حين".

غير أن التأثير الأعمق جاء مع محمد عابد الجابري الذي أعاد إنتاج هذه الفكرة ضمن مشروعه الكبير، "نقد العقل العربي". قسم الجابري أنماط المعرفة في الثقافة الإسلامية إلى البيان والبرهان والعرفان، واعتبر أن لحظة الغزالي تمثل نقطة التحول الحاسمة التي انتصر فيها البيان والعرفان على البرهان، وأقصي فيها العقل الفلسفي عن مركز الفعل الحضاري.

يتحدث الجابري عن كتاب "تهافت الفلاسفة"، مستعيرا جملة مونك الشهيرة: "فعلا لقد ضرب الغزالي الفلسفة ضربة قاضية لم تقم بعدها قائمة، هذا صحيح إذا اعتبرنا أن فلسفة ابن رشد التي ظهرت في الأندلس قد قامت قائمتها لا في دار الإسلام، بل في أوروبا المسيحية كما هو معروف.. لم تقم للفلسفة العقلية العقلانية بعد الغزالي قائمة في ديار الإسلام، وهذا واقع تاريخي، ولا يمكن تفسير الواقع التاريخي الذي فرض نفسه بدون وضع كتاب تهافت الفلاسفة على رأس قائمة العوامل والأسباب" (الجابري، مكونات فكر الغزالي).

PATRICK KOVARIK / AFP
رجل يمر أمام مدخل معهد الغزالي اللاهوتي التابع لمسجد باريس الكبير، 19 ديسمبر 2015

نظرية ساذجة

يشن جورج طرابيشي هجوما على أطروحة الجابري، فهو يرى أن "نظرية الضربة القاضية الغزالية"، فضلا عن سذاجتها وقصورها في التحليل، "إما نظرية ساذجة أو سيئة النية. ساذجة، لأنها تتصور أنه في مستطاع فقيه متكلم -كان فضلا عن ذلك موظفا أيديولوجيا لدى الدولة السلجوقية - أن ينهي بمجرده الفلسفة، ويهير صرحها بمعول النقد "الخاصي"، أو بمعول التبديع "العامي"، وسيئة النية، لأن الغرض المسكوت عنه الذي تقوم عليه هو أن الفلسفة العربية الإسلامية هشة بتكوينها وسريعة العطب بطبيعتها المستوردة وقابلة للسقوط من الضربة الأولى، لأنها مزدرعة ولا جذور لها في تربة الحضارة الإسلامية. وفي الحالين جميعا، فإن نظرية الضربة القاضية ليس لها سوى مؤدى ضمني واحد: إن الفلسفة في حضارة الإسلام عرض عارض، وصدفة تاريخية".

ولهذا جاء من بين التيار الاستشراقي نفسه من تصدى لهذه الفكرة، ورفضها، إذ قال المستشرق الهولندي دي بور في كتابه "تاريخ الفلسفة في الإسلام": "كثيرا ما يقال إن الغزالي قضى على الفلسفة في الشرق قضاء مبرما، ولم تقم لها بعده قائمة، لكن هذا زعم خاطئ لا يدل على علم بالتاريخ، ولا فهم لحقائق الأمور، فقد بلغ عدد أساتذة الفلسفة وطلابها في المشرق بغد الغزالي مئات، بل ألوفا".

 FADEL SENNA / AFP
امرأة تزور مدرسة أبو عنانية، وهي مدرسة دينية شُيدت بين عامي 1350 و1355، في مدينة فاس المغربية، 8 يونيو 2022

الغزالي والعلوم

إذا عدنا إلى الغزالي نفسه، فإن الصورة الشائعة تتهاوى سريعا. فالغزالي لم يكن ضد العقل، ولا ضد العلوم البرهانية، ولا دعا يوما إلى هجر الرياضيات أو الطب أو الفلك. نقده في "تهافت الفلاسفة" كان موجها إلى قضايا لاهوتية ميتافيزيقية محددة، لا إلى "الفلسفة" بوصفها نشاطا عقليا. فقد ناقش عشرين مسألة، وكفر الفلاسفة في ثلاث منها فقط: القول بقدم العالم، وإنكار علم الله بالجزئيات، وإنكار البعث الجسدي. وهذه القضايا، في نظره، لا تتعلق بالبرهان الرياضي أو التجريبي، بل بحدود العقل في إدراك الغيب.

بل إن الغزالي ميز بوضوح بين العلوم البرهانية التي تقوم على الضرورة العقلية أو البرهان التجريبي، وبين القضايا الغيبية التي لا يملك العقل الخالص أدوات الحسم فيها. وحذر صراحة من تكذيب العلوم اليقينية باسم الدين، لما في ذلك من إضرار بالإيمان نفسه. ومن هنا، لم يكن مشروع الغزالي إلغاء العقل، بل إعادة رسم مجاله، وضبط العلاقة بين العقل والوحي.

أسطورة موت الفلسفة

الحقائق التاريخية تخبرنا أن الفلسفة والعلوم الطبيعية والتجريبية لم تمت في العالم الإسلامي بعد الغزالي، بل واصلت تطورها بأشكال شتى في المشرق والمغرب. فعلى الرغم من نقد الغزالي الحاد لبعض آراء الفلاسفة، نجد الفيلسوف ابن رشد (ت. 595هـ) بالأندلس ينهض للرد عليه في كتابه "تهافت التهافت"، مما يدل على استمرار حيوية الجدل الفلسفي.

غلاف كتاب "تهافت التهافت"

ولم يكن ابن رشد حالة منفردة، إذ شهد القرنان السادس والسابع الهجريان بروز أعلام آخرين في الفلسفة وعلم الكلام. فهناك فخر الدين الرازي (ت. 606هـ) في المشرق الذي مزج بين الكلام الأشعري والفلسفة المشائية في مؤلفاته، حتى لقب "ابن سينا الثاني".

وواصلت المدرسة الكلامية تطوير أدواتها المنطقية؛ فالغزالي نفسه مهد لتدريس المنطق، ثم جاء بعده كثر في هذا المضمار في القرون اللاحقة، إذ كان القرن الثالث عشر الميلادي عصرا ذهبيا للمنطق والفلسفة في الحضارة الإسلامية. ظهرت في ذلك العصر شروح مستقلة في المنطق وكتب وضعها فلاسفة من أمثال نصير الدين الطوسي (ت. 672هـ) ومحيي الدين ابن عربي (ت. 638هـ) الذي أرسى مع غيره أسس مدرسة إشراقية صوفية فلسفية موازية.

ثم يأتي ابن خلدون، بعد الغزالي بثلاثة قرون، بوصفه البرهان الحضاري الحاسم. ففي المقدمة، لا نجد عقلا مقيدا ولا تفكيرا منكفئا، بل وعيا نقديا يؤسس علما جديدا في فهم العمران، والاجتماع الإنساني، قائما على الملاحظة والمقارنة واستخلاص القوانين العامة.

نهضة علمية وفلكية

من ناحية العلوم التجريبية، نجد ابن الشاطر الدمشقي (ت. 777هـ) - على سبيل المثل- ابتكر نماذج فلكية لحركة القمر والكواكب أكثر دقة من النموذج البطلمي، بالغا في ذلك مستوى يضاهي ما قدمه كوبرنيكوس بعده بقرون. وفي الطب برز علاء الدين ابن النفيس (ت. 687هـ) الذي قدم اكتشافا ثوريا في علم التشريح باكتشافه الدورة الدموية الصغرى (الرئوية) قبل ويليام هارفي بأكثر من ثلاثة قرون. أما بديع الزمان الجزري (ت. 602هـ) فوضع أسس الهندسة الميكانيكية وصناعة الآلات الذاتية الحركة في كتابه "الجامع بين العلم والعمل" متيحا بذلك استمرار تقاليد الابتكار التقني.

ونجد أيضا عالم النبات ابن البيطار (ت. 646هـ) يصنف النباتات والأعشاب بدقة علمية غير معهودة في زمانه، وعالم البصريات كمال الدين الفارسي (ت. 718هـ) يشرح ظاهرة قوس قزح لأول مرة بمنهج تجريبي في كتابه "تنقيح المناظر".

هذه مجرد أمثلة ضمن قائمة تطول من العلماء، كموفق الدين عبد اللطيف البغدادي، ومؤيد الدين العرضي (من رواد الفلك المراغي)، وقاضي زاده الرومي، وغيرهم. بل إن المؤرخ للعلوم جورج صليبا يؤكد بناء على دراساته أن عصر "ما بعد الغزالي" كان "العصر الذهبي لعلم الفلك الإسلامي" الذي استمر بوتيرة قوية حتى القرن السادس عشر الميلادي (عصر كوبرنيكوس)، ولم يبدأ بالانحسار إلا بالتزامن مع انتقال مركز الثقل العلمي إلى أوروبا. ففي الخمسمائة سنة التي تلت زمن الغزالي، ظهرت آلاف النصوص العلمية والفلسفية عبر العالم الإسلامي، ولدينا منها اليوم عشرات آلاف المخطوطات الشاهدة على تلك الحقبة الزاخرة.

ختاما، تبقى إشارة جورج صليبا في كتابه المهم، "العلوم الإسلامية وقيام النهضة الأوروبية"، من أهم الإضاءات في هذا الباب، فهو يرفض "السردية" التي تضع كل الذنب على الغزالي في تراجع العلوم في الحضارة الإسلامية في القرون المتأخرة، بل رد المسألة إلى تغير خريطة العالم نفسه.

فبعد اكتشاف العالم الجديد، تحولت طرق التجارة، وتدفقت الثروات إلى أوروبا، وتبدلت مراكز المال والرعاية، وهي الشروط التي يقوم عليها العلم ازدهارا واستمرارا. ذلك أن المعرفة تحتاج إلى فائض اقتصادي يحملها، وإلى دولة ومجتمع ومؤسسات تنفق عليها.

وحين خسر العالم الإسلامي جانبا من موارده وموقعه في الدورة التجارية الكبرى، انكمشت تبعا لذلك البيئة الحاضنة للعلم. وفي هذا المعنى، فإن التراجع العلمي في الحضارة الإسلامية هو نتيجة لتحولات اقتصادية وجغرافية وسياسية مركبة. فمن غير المعقول أن هذه الحضارة الكبرى التي امتد سلطانها من الصين شرقا حتى أطراف فرنسا غربا، وبقيت مزدهرة مضيئة لقرون عدة، أن يقوضها كتاب واحد، ويطفئ نورها شخص واحد.

12 أبريل , 2026
story cover
Off
Label
Promotion Article
Off
Show on issuepdf page
Off
مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤