هذا الرأي، بالطبع ليس من بنات أفكار تايسون، أو تأملاته، بل شائع ومنتشر في الكتابات الثقافية الحديثة. يزعم ذلك الرأي أن الإمام أبا حامد الغزالي (ت 505هـ) كان اللحظة التي أغلق عندها "باب العقل" في الحضارة الإسلامية، وأن كتابه "تهافت الفلاسفة" مثل إعلانا لانحطاط الفلسفة والعلوم. تبدو هذه الفكرة مغرية لأنها بسيطة، ولأنها تقدم تفسيرا جاهزا لمسار تاريخي بالغ التعقيد، شخص واحد، كتاب واحد، ثم صمت طويل.
فكرة استشراقية
هذه الفكرة في أصلها ليست تراثية، ولا نابعة من داخل النقاشات الإسلامية الكلاسيكية، بل تشكلت في سياق استشراقي حديث، ارتبط بمحاولات تفسير صعود أوروبا العلمي، وتخلصها من هيمنة الكنيسة، عبر بناء ثنائية حادة بين "غرب عقلاني" و"شرق ديني جامد". وكأن حركة التراجع أو التقدم تفسر في نظرهم على أنها نتيجة لـ"الصراع بين العقل والنقل".
في هذا السياق، قدم المستشرق الفرنسي ارنست رينان الغزالي بوصفه رمز انتصار اللاهوت على العقل، وربط بين نقده للسببية وبين انهيار التفكير العلمي في الإسلام. وقال المستشرق الألماني الفرنسي سالمون مونك قولته الشهيرة: "لقد وجه الغزالي ضربة قاضية للفلسفة لم تنهض بعدها في الشرق".

هكذا تحول الغزالي، في الرؤية الاستشراقية إلى رجل يستدعى لتفسير "تأخر الشرق" كله، والأخطر من ذلك أن هذه القراءة، مع الزمن، تسللت إلى الخطاب العربي الحديث كحقيقة تفسيرية شبه مسلمة. فالغزالي "درس الفلسفة بنية سيئة، ليسبر غورها، ثم ينشر مساوئها في العالمين"، كما يقول زكي مبارك في كتابه "الأخلاق عند الغزالي". فهو لا يتحرج بأن يقول: "الغزالي أصلى الفلسفة نار العقوق، فقد كانت سبب حصافته، وذيوع صيته، ثم اطمع فيها العامة، ومكن الجهال من تصغير الحكماء، وليس تكفيره لابن سينا والفارابي بالأمر الهين، وإن فعلته تلك لتحسب بذرة هذه التقاليد الممقوتة التي يعانيها المفكرون الأحرار في جميع الأقطار الإسلامية منذ حين".
غير أن التأثير الأعمق جاء مع محمد عابد الجابري الذي أعاد إنتاج هذه الفكرة ضمن مشروعه الكبير، "نقد العقل العربي". قسم الجابري أنماط المعرفة في الثقافة الإسلامية إلى البيان والبرهان والعرفان، واعتبر أن لحظة الغزالي تمثل نقطة التحول الحاسمة التي انتصر فيها البيان والعرفان على البرهان، وأقصي فيها العقل الفلسفي عن مركز الفعل الحضاري.
يتحدث الجابري عن كتاب "تهافت الفلاسفة"، مستعيرا جملة مونك الشهيرة: "فعلا لقد ضرب الغزالي الفلسفة ضربة قاضية لم تقم بعدها قائمة، هذا صحيح إذا اعتبرنا أن فلسفة ابن رشد التي ظهرت في الأندلس قد قامت قائمتها لا في دار الإسلام، بل في أوروبا المسيحية كما هو معروف.. لم تقم للفلسفة العقلية العقلانية بعد الغزالي قائمة في ديار الإسلام، وهذا واقع تاريخي، ولا يمكن تفسير الواقع التاريخي الذي فرض نفسه بدون وضع كتاب تهافت الفلاسفة على رأس قائمة العوامل والأسباب" (الجابري، مكونات فكر الغزالي).

نظرية ساذجة
يشن جورج طرابيشي هجوما على أطروحة الجابري، فهو يرى أن "نظرية الضربة القاضية الغزالية"، فضلا عن سذاجتها وقصورها في التحليل، "إما نظرية ساذجة أو سيئة النية. ساذجة، لأنها تتصور أنه في مستطاع فقيه متكلم -كان فضلا عن ذلك موظفا أيديولوجيا لدى الدولة السلجوقية - أن ينهي بمجرده الفلسفة، ويهير صرحها بمعول النقد "الخاصي"، أو بمعول التبديع "العامي"، وسيئة النية، لأن الغرض المسكوت عنه الذي تقوم عليه هو أن الفلسفة العربية الإسلامية هشة بتكوينها وسريعة العطب بطبيعتها المستوردة وقابلة للسقوط من الضربة الأولى، لأنها مزدرعة ولا جذور لها في تربة الحضارة الإسلامية. وفي الحالين جميعا، فإن نظرية الضربة القاضية ليس لها سوى مؤدى ضمني واحد: إن الفلسفة في حضارة الإسلام عرض عارض، وصدفة تاريخية".










