“الغيث” ينعش خلايا النحل وترقب إنتاج وفير للعسل

شهدت غالبية الولايات، خلال هذا الموسم، تساقط كميات معتبرة من الأمطار، وصفت من قبل المختصين بـ”أمطار الخير”، لما حملته من آثار إيجابية على مختلف الأنشطة الفلاحية، وعلى رأسها تربية النحل وإنتاج العسل، حيث ساهمت الأمطار الغزيرة في إنعاش الغطاء النباتي بشكل لافت، أين امتلأت المراعي والأراضي البرية بمختلف أنواع الأزهار والأعشاب الرحيقية التي يعتمد عليها النحل في جمع الرحيق وحبوب اللقاح، هذا التنوع النباتي يعد عاملا أساسيا في تحسين إنتاج العسل من حيث الكمية والنوعية، إذ يمنح النحل مصادر غذاء غنية ومتعددة.
ويرى النحال بوغالم قويدر من عين تموشنت، أن السوق سيشهد هذا الموسم تنوعا كبيرا في أنواع العسل، مثل عسل الجرجير، وعسل السدر، والعسل متعدد الأزهار، وعسل الحمضيات، وكلها تتميز بقيم غذائية عالية ونكهات مميزة، وأضاف بوغالم، أن وفرة الأمطار لا تؤثر فقط على الكمية، بل تساهم أيضا في تحسين جودة العسل، من حيث الطعم واللون والتركيبة الطبيعية، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال بعض التحديات قائمة، مثل الحاجة إلى تنظيم أفضل لعمليات التسويق، وحماية المنتوج من الغش، بالإضافة إلى ضرورة دعم المربين بالتكوين والتقنيات الحديثة، كما يبقى الحفاظ على البيئة والغطاء النباتي أولوية لضمان استدامة هذا النشاط.
وأشار النحال “ع. الحبيب” إلى نقطة مهمة، وهي أن خلية النحل لم تعد في أفضل حالاتها، نتيجة تدخلات بشرية غير مدروسة، على رأسها الاستخدام العشوائي للمبيدات الحشرية، وتأثيرها المباشر على النحل، الذي يعد عنصرا أساسيا في عملية تلقيح الأشجار والنباتات وضمان استمرارية التنوع البيولوجي، مشيرا إلى أن الاستعمال المكثف وغير المنظم للمبيدات تسبب في نفوق أعداد كبيرة من النحل، وتسمم خلاياه، بل وتلوث منتجاته، وهو ما يشكل تهديدا حقيقيا لصحة المستهلك.
ولم تقف التحديات عند هذا الحد، إذ أشار إلى أن الحرائق التي شهدتها عدة مناطق، خصوصا الجبلية منها، ألحقت أضرارا جسيمة بمزارع النحل، وقضت على مساحات واسعة من الغطاء النباتي الذي يعتمد عليه هذا النشاط في توفير الرحيق، ما أدى إلى تراجع الإنتاج بشكل ملحوظ، كما تلعب العوامل الطبيعية، وفي مقدمتها التغيرات المناخية وموجات الجفاف التي ضربت البلاد في السنوات الأخيرة، دورا سلبيا إضافيا، حيث أثرت على دورة حياة النحل وعلى جودة وكميات الإنتاج، في ظل اختلال مواعيد الإزهار وندرة الموارد الطبيعية.
اللصوص يؤرقون المربين
وفي سياق متصل، برزت ظاهرة سرقة المناحل كهاجس جديد يؤرق مربي النحل، بعدما ظهرت عصابات متخصصة في تتبع مواقع الخلايا داخل الغابات والسطو عليها، مستغلة عزلتها وصعوبة مراقبتها، وهو ما زاد من حجم الخسائر التي يتكبدها المربون، ودفع البعض منهم إلى العزوف عن ممارسة هذا النشاط رغم أهميته الاقتصادية والبيئية.
ورغم هذه العراقيل، لا يزال نشاط تربية النحل يمثل موردا هاما للإنتاج المتنوع، حيث يوفر العسل بمختلف أنواعه، إلى جانب منتجات أخرى ذات قيمة غذائية وعلاجية عالية مثل غذاء الملكات، وصمغ النحل، وحبوب اللقاح، والشمع الطبيعي الحر، وهي منتجات تشهد إقبالا متزايدا في الأسواق المحلية.
غير أن السوق بدورها لا تخلو من الإشكالات، إذ تلاحق تهمة الغش العديد من مربي النحل، في ظل غياب معايير واضحة وآليات رقابة فعالة تضمن جودة المنتج، حيث يجد المستهلك نفسه عاجزا عن التمييز بين العسل الطبيعي والمغشوش، معتمدا في الكثير من الأحيان على مؤشرات غير دقيقة، مثل لون العسل أو قابليته للتجمد، وهي معايير لا تعكس بالضرورة جودته الحقيقية، وبين ضعف الوعي لدى المستهلكين وغياب مخابر مختصة للرقابة، تصبح الثقة الشخصية هي العامل الحاسم في عملية الشراء، ما يفتح المجال أمام التلاعب ويزيد من تعقيد المشهد في هذا القطاع الحساس.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن موسم العسل الحالي سيكون من بين أفضل المواسم في السنوات الأخيرة، بفضل أمطار الخير التي أنعشت الأرض وأعادت التوازن للنظام البيئي، ويبقى الأمل معقودا على استثمار هذه الظروف بشكل أمثل لضمان استمرارية الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي والتنمية الريفية.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post “الغيث” ينعش خلايا النحل وترقب إنتاج وفير للعسل appeared first on الشروق أونلاين.




