الغلاء يعمق فجوة الدخل بالسويداء.. زيادة الرواتب لا تواكب التكاليف
تشهد محافظة السويداء تدهورًا متسارعًا في الأوضاع المعيشية وتكاليف الحياة، في ظل الفجوة المتسعة بين دخل الأسر ومصاريفها الأساسية، مع استمرار الأزمات الخدمية والارتفاع المتزايد في أسعار المواد الغذائية والأدوية.
ورغم الزيادات الأخيرة على الأجور وفق المرسوم التشريعي رقم “67”، الذي قضى بزيادة 50% على أجور العاملين في القطاع العام والمشترك والتعاوني، ليصبح الحد الأدنى للرواتب 1,256,000 ليرة سورية شهريًا، سيتم صرفها اعتبارًا من 1 من أيار المقبل، فإن هذه الزيادة لم تشمل المتقاعدين، مع وعود لاحقة بمراجعة أوضاعهم، ما فاقم الشعور بعدم المساواة بين فئات الموظفين.
وتواصل “اللجنة القانونية العليا” وقوات “الحرس الوطني” تسيير أمور محافظة السويداء الإدارية، وهما جهتان تتبعان للرئاسة الروحية للطائفة الدرزية بعدما رفضت “اللجنة القانونية”، في تشرين الأول 2025، أي تدخل مما سمّتها “حكومة دمشق” في شؤون السويداء، مطالبة جميع العاملين في الشأن العام بالالتزام بروح “المسؤولية الوطنية”، والوقوف صفًا واحدًا في وجه محاولات “الهيمنة والتفكيك”، والعمل من أجل صون كرامة السويداء واستمرار مؤسساتها في خدمة الناس، بعيدًا عما وصفته بـ“التبعية والانقياد”.
زيادة بلا أثر ملموس
يرى أهالٍ من السويداء أن هذه الزيادة حتى في حال تطبيقها لن تنعكس بشكل ملموس على حياتهم اليومية، حيث تتجاوز تكاليف الحياة الكريمة الشهرية لعائلة مؤلفة من خمسة أفراد 8,000,000 ليرة سورية، وفق تقديرات محلية غير رسمية، ما يجعل الراتب غير كافٍ لتغطية سوى جزء محدود من الاحتياجات.
في السويداء، تختصر سناء، وهي ممرضة في مستشفى “السويداء الوطني” (فضلت عدم ذكر اسمها الكامل)، الواقع بقولها إن راتبها “لا يكفي أكثر من أسبوع بين أقساط وتسديد ديون تراكمت في أثناء انتظارها الراتب”، مضيفة أنه “في ظل العلاقة الطردية بين الأجور والأسعار، لا تُعتبر الزيادة مخرجًا حقيقيًا”.
وقالت سناء لعنب بلدي، إنها باتت تعتمد على تقليل كميات الطعام والاستغناء عن بعض الأصناف الأساسية.
الخدمات الأساسية عبء إضافي
لا تقتصر الأعباء على الغذاء، إذ تتفاقم الأوضاع المعيشية مع ارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية، فسعر أسطوانة الغاز المنزلي يبلغ نحو 150,000 ليرة سورية، مع فترات انتظار قد تصل إلى شهرين، بينما يتجاوز سعرها في السوق السوداء 500,000 ليرة سورية.
أما الكهرباء، فبرغم ما تشهده من انقطاعات لساعات طويلة، فإن الفواتير تسجل أرقامًا مرتفعة مقارنة بالدخل، ما يدفع الكثيرين إلى عدم تسديدها.
وفيما يتعلق بالمياه، يعتمد غالبية الأهالي على شراء الصهاريج، التي يتراوح سعرها بين 100,000 و500,000 ليرة بحسب السعة، وتحتاج الأسرة وسطيًا إلى نحو 20 برميلًا شهريًا كحد أدنى، أي ما يُقدّر بحوالي 180,000 ليرة سورية أو أكثر، ما يشكل عبئًا إضافيًا على الميزانية.
ومن جهة أخرى قال “أبو خالد”، أحد عمّال النظافة التابعين لمجلس مدينة السويداء لعنب بلدي، “عليّ تسديد إيجار منزلي المتراكم وإلا سوف أُطرد، إذ لم أستلم راتبي منذ ثلاثة أشهر، وأعيش حاليًا على الاستدانة ومساعدة الأقارب، الوضع لا يطاق”.
وتشهد بعض القطاعات الحكومية تأخرًا بسداد الرواتب، وخاصة في مدينة السويداء،
المتقاعدون.. عناء في تسلم الرواتب
إلى جانب ذلك، يواجه المتقاعدون صعوبات في استلام رواتبهم، وذلك يتعلق بآلية الاستلام.
وأفاد مصدر في بريد السويداء في حديثه لعنب بلدي، أن رواتب المتقاعدين تُصرف حاليًا حصرًا من بلدة الصورى أو من دمشق، ما يضطرهم إلى التنقل لمسافات طويلة وسط مخاوف من مخاطر الطريق نتيجة حوادث متكررة تنسب لجهات خارجة عن القانون، في حين يواجه كبار السن منهم صعوبة مضاعفة في تحمل عناء الرحلة، سواء من الناحية المادية أو الجسدية.
وأضاف المصدر أن بعض المتقاعدين تمكنوا بالفعل من استلام مستحقاتهم عبر هذه المراكز، في حين تحاول الجهات المعنية في السويداء إيجاد آلية بديلة تتيح لهم قبض رواتبهم داخل المحافظة دون الحاجة إلى السفر.
ميساء، وهي موظفة متقاعدة، ائتمنت أحد أقاربها في دمشق على بطاقة الصراف الخاصة بها ليقبض راتبها نيابة عنها، ويرسله عبر مكاتب التحويل.
وهذه واحدة من الطرق التي يتبعها موظفو السويداء لاستلام مستحقاتهم.
معادلة صعبة
مع استمرار هذه الظروف، يلجأ عدد متزايد من السكان إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، سواء عبر أعمال حرة أو الاعتماد على الحوالات الخارجية، التي أصبحت موردًا أساسيًا لكثير من العائلات.
في المقابل، تتراجع قدرة الأسر على الادخار، وتتزايد وتيرة الاستدانة لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل غياب الاستقرار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل مستمر.
وفي ظل ذلك الواقع المعيشي المتشعب، تتقاطع الأعباء اليومية لتشكل ضغطًا متزايدًا على الأسر، وتعيد تشكيل أنماط الاستهلاك والادخار والحراك الاجتماعي ليجد سكان السويداء أنفسهم أمام معادلة يومية صعبة، دخل محدود ونفقات متصاعدة.
في حين أن الأجور متواضعة وغير قادرة على مواكبة هذه الارتفاعات، ما يفرض عليهم أنماط عيش أكثر قسوة، ويجعل تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة تحديًا مستمرًا.
رفوف مليئة وجيوب فارغة
تناولت عنب بلدي في تقرير سابق الأوضاع المعيشية واقتصادية المعقدة في السويداء، إذ تتداخل وفرة السلع في الأسواق مع عجز الأهالي عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، وسط غياب الدخل وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة.
وبينما يعتمد السكان على جهود فردية، ومساعدات إنسانية، وحوالات المغتربين لتأمين احتياجاتهم، تتفاقم الأعباء في مختلف القطاعات الحيوية، من الصحة والسكن والتعليم، إلى المياه والطاقة والنقل.
وتسلط المعطيات الميدانية الضوء على حجم التحديات التي تواجه الأهالي، إذ تختلف حدة الأزمة من قطاع إلى آخر، لكنها تشترك جميعها في أثرها المباشر على الاستقرار المعيشي للسكان.
أحداث السويداء
بدأت أحداث السويداء، في 12 من تموز 2025، بعد عمليات خطف متبادلة بين سكان حي المقوس في السويداء، ذي الأغلبية البدوية وعدد من أبناء الطائفة الدرزية، تطورت في اليوم التالي إلى اشتباكات متبادلة.
تدخلت الحكومة السورية، في 14 من تموز، لفض النزاع، إلا أن تدخلها ترافق مع انتهاكات بحق مدنيين من الطائفة الدرزية، ما دفع فصائل محلية للرد، بما فيها التي كانت تتعاون مع وزارتي الدفاع والداخلية.
في 16 من تموز، خرجت القوات الحكومية من السويداء، بعد تعرضها لضربات إسرائيلية، ما أعقبه انتهاكات وأعمال انتقامية بحق سكان البدو في المحافظة، الأمر الذي أدى إلى إرسال أرتال عسكرية على شكل “فزعات عشائرية” نصرة لهم.
وبعد ذلك، توصلت الحكومة السورية وإسرائيل إلى اتفاق بوساطة أمريكية، يقضي بوقف العمليات العسكرية.
وشكلت الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية “اللجنة القانونية العليا” في السويداء، في 6 من آب 2025، وهي هيئة لإدارة شؤون المحافظة خدميًا وأمنيًا، بعد خروج القوات الحكومية، وضمت “اللجنة” ستة قضاة، إضافة إلى أربعة محامين آخرين.



