“الغضب الاقتصادي الأميركي” يطوّق العراق.. تعليق شحنات الدولار يهزّ السوق والعملة
تابع المقالة “الغضب الاقتصادي الأميركي” يطوّق العراق.. تعليق شحنات الدولار يهزّ السوق والعملة على الحل نت.
بدأت الإدارة الأميركية توظيف “سلاح الدولار” بصورة مباشرة في الضغط على الحكومة العراقية، في خطوة تكشف انتقال المواجهة مع بغداد من مستوى الرسائل السياسية والأمنية إلى مستوى أكثر حساسية يرتبط بالبنية النقدية والمالية للاقتصاد العراقي.
فبحسب صحيفة “وول ستريت جورنال” عمدت وزارة الخزانة الأميركية والبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى تعطيل شحنات نقدية ضخمة كانت مخصصة للبنك المركزي العراقي، بينها شحنة تُقدّر بنحو 500 مليون دولار من الأوراق النقدية، وهي أموال ناتجة عن مبيعات النفط العراقي وتُودع قانونياً في نيويورك قبل إعادة ضخها في السوق المحلية.
حلقة جديدة من التعليق المتكرر
تعد هذه الشحنة الثانية التي يتم تعليقها منذ اندلاع النزاع مع إيران في أواخر شباط/فبراير الماضي، في أعقاب سلسلة هجمات شنتها فصائل مسلحة موالية لطهران على منشآت ومواقع أميركية في المنطقة، ما يعكس بوضوح أن الدولار بات أداة ضغط سياسية بامتياز، لا مجرد مسار تقني لتحويل الأموال.
وتعتمد آلية تزويد العراق بالدولار على اتفاقية هيكلية تعود إلى عام 2003، حيث تُودع عائدات النفط العراقي في حساب لدى “فيدرالي نيويورك”، الذي يقوم بدوره بشحن المبالغ النقدية إلى بغداد، والتي تصل قيمتها إلى حوالي 13 مليار دولار سنوياً لتسيير اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على النقد.

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُقطع فيها الإمدادات، إذ سبق لواشنطن أن أوقفت الشحنات لفترة وجيزة عام 2015 لمنع وصول الأموال لتنظيم “داعش” الإرهابي، ومع ذلك، يرى مسؤولون أميركيون اليوم أن السيطرة على تدفقات الدولار تمنح واشنطن “نفوذاً حاسماً” لدفع الحكومة العراقية نحو تحجيم نفوذ الفصائل المسلحة.
في موازاة تعليق الشحنات، لم تكتفِ واشنطن بالضغط المالي بحسب الصحيفة، بل وسّعت نطاق إجراءاتها لتشمل إبلاغ بغداد بتعليق العمل في برامج التعاون الأمني والعسكري، وتجميد تمويل مخصص لمكافحة الإرهاب وتدريب القوات المسلحة.
شروط سياسية لاستئناف الدعم
كما أوضحت الصحيفة أن الإدارة الأميركية اشترطت لاستئناف هذه المساعدات أن تتخذ حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني خطوات ملموسة وحقيقية للسيطرة على الفصائل ووقف هجماتها التي تستهدف المنشآت الحيوية والدبلوماسيين، وهو ما يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من “الغضب الدبلوماسي” إلى “الغضب الاقتصادي” لدفع صناع القرار في بغداد إلى الاختيار بين الحفاظ على الاستقرار المالي والارتباط بالنظام المالي العالمي، وبين استمرار السماح بنفوذ هذه الفصائل.
محلياً، لم تكن التداعيات طويلة الأمد، بل انعكست فوراً على واقع السوق العراقي الهش، فقد سجل سعر صرف الدينار العراقي تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار في السوق الموازية، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع المستوردة، في بلد يعاني من حساسية مفرطة تجاه أي قيود على تدفق العملة الصعبة، كونه يعتمد عليها بالكامل في تأمين الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية.
الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي حذّر في منشور له عبر منصة “فيسبوك”، من أن أي إيقاف لشحنات الدولار النقدي الموجهة إلى العراق قد يعيد أزمة سعر الصرف إلى الواجهة بشكل مباشر، في ظل تزايد المؤشرات على توجه أميركي لتقييد تدفق العملة الصعبة إلى البلاد، موضحاً أن التقارير المتداولة، تعزز من احتمالية هذا السيناريو، ما قد يضع البنك المركزي العراقي أمام ضغوط متصاعدة لإدارة شح الدولار النقدي.
استنزاف الاحتياطيات وارتفاع المخاطر
بيّن الهاشمي أن الخيارات المتاحة أمام البنك المركزي ستكون محدودة وصعبة، وقد تدفعه إلى استخدام احتياطياته من الدولار النقدي لتغطية احتياجات أساسية مثل السفر والعلاج والدراسة، وهو ما من شأنه استنزاف هذه الخزائن سريعاً.

وحذّر من أن استمرار هذا النهج قد يقود لاحقاً إلى استبدال الدولار بالدينار في بعض التعاملات الخارجية، الأمر الذي سيدفع شرائح واسعة من المواطنين إلى التوجه نحو السوق الموازية للحصول على العملة الصعبة، بما يخلق طلباً إضافياً يضغط على سعر الصرف ويرفعه بشكل ملحوظ.
وأشار إلى أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في احتمال قيام واشنطن بتعطيل نظام الحوالات المالية العراقية بشكل كامل، وهو ما قد يضع الحكومة العراقية أمام أزمة مالية معقدة تمس قدرتها على تمويل التزاماتها الأساسية، وتفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية واسعة يصعب احتواؤها على المدى القريب.
احتياطيات خارجية تحت الضغط
من جانبه، حذّر الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبدالرحمن المشهداني من تداعيات خطيرة لأي توقف محتمل لشحنات الدولار، معتبراً أن هذا الملف يرتبط مباشرة بقدرة البنك المركزي العراقي على إدارة السيولة الدولارية في السوق المحلية، واستقرار سعر الصرف في حال استمرار الضغوط الخارجية.
أوضح خلال تصريحات تلفزيونية، أن هذا السيناريو ليس جديداً بالكامل، إذ سبق أن شهد العراق خلال السنوات الماضية انقطاعاً مماثلاً استمر لأشهر، في ظل تهديدات بعقوبات وضغوط رقابية على النظام المصرفي، مما انعكس آنذاك على السوق النقدية ورفع منسوب التقلبات في سعر الصرف.
الأكاديمي والخبير الاقتصادي الدكتور عبدالرحمن المشهداني
لكن المشهداني يرى أن البنك المركزي العراقي يمتلك هامشاً من المناورة، وإن كان محدوداً، وذلك بفضل احتياطياته الخارجية الموزعة في عدد من البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية في بريطانيا وفرنسا والإمارات وتركيا وسنغافورة، والتي تُقدّر بنحو 20 إلى 25 مليار دولار.
وأشار إلى أن هذه الأرصدة تُستخدم في الأصل لتغطية تمويل التجارة الخارجية وتسوية المدفوعات بالعملات المحلية، إلا أنها قد تتحول في حال انقطاع شحنات الدولار بشكل نهائي إلى أداة رئيسية لضبط السيولة، محذراً من أن أي استنزاف غير مدروس لهذه الاحتياطيات قد ينعكس بشكل مباشر على سعر الصرف ويرفع مستويات الطلب على الدولار في السوق الموازية بصورة حادة.
مخاطر جيوسياسية مضاعفة
ربط الخبير الاقتصادي بين هذه الأزمة المالية والمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، موضحاً أن أي اضطراب في هذا الممر البحري الحيوي، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العراقية، قد يُكلّف الاقتصاد خسائر يومية تتجاوز 220 مليون دولار، مؤكداً أن هذه العائدات تمثل المصدر الأساسي لتمويل الرواتب والنفقات التشغيلية للدولة، ما يجعل أي اضطراب في التصدير تهديداً مباشراً للاستقرار المالي والاجتماعي.
أما على صعيد ملف تهريب العملة، والذي يعد محور التوتر الدائم بين بغداد وواشنطن، فأشار المشهداني إلى أن استمرار التجارة غير الرسمية أو شبه الرسمية مع إيران يعقّد بشكل كبير مسألة ضبط تدفقات العملة الأجنبية.

وأوضح أن العراق يستورد يومياً ما بين 25 إلى 30 مليون دولار من السلع عبر منافذ متعددة، بعضها يمر عبر قنوات غير رسمية، ما يفتح المجال أمام تسرب الدولار خارج النظام المصرفي المنظم، مضيفاً أن هذا الواقع يرتبط أيضاً بزيادة واضحة في استيراد الذهب خلال العام الماضي، حيث ارتفع حجم الواردات من 24 طناً إلى نحو 54 طناً، وهو ما اعتبره مؤشراً خطيراً على استخدام الذهب كأداة بديلة لتسوية المعاملات المالية أو كوسيلة للتحوط في ظل القيود المشددة على الدولار.
وختم المشهداني تحليله بالتأكيد على أن استمرار هذه الضغوط المتداخلة بين السياسة النقدية والتجارة الخارجية والمخاطر الجيوسياسية يضع الاقتصاد العراقي أمام اختبار وجودي معقد، تتقاطع فيه تحديات التمويل والاستقرار النقدي مع معادلات إقليمية مضطربة، مما يستدعي حزمة إجراءات عاجلة وجذرية لإنقاذ ما تبقى من قدرة شرائية للدينار وضمان الأمن الغذائي والاجتماعي للعراقيين.
- “الغضب الاقتصادي الأميركي” يطوّق العراق.. تعليق شحنات الدولار يهزّ السوق والعملة
- محامو الرقة يحتجون: النقابة تمارس “انتقاماً سياسياً”
- ولاية ألمانية تحذر من تأثر قطاع الأدوية بعودة اللاجئين السوريين
- هل تُحاك مؤامرة على الدواجن السورية؟.. الفروج التركي يغرق السوق لصالح نافذين
- ريف درعا: عشرات الإصابات بالتهاب الكبد الوبائي بسبب الإهمال
تابع المقالة “الغضب الاقتصادي الأميركي” يطوّق العراق.. تعليق شحنات الدولار يهزّ السوق والعملة على الحل نت.





