وكما شهد العالم من قبل، ولا سيما خلال "جائحة كوفيد"، ثم أثناء الإغلاق المؤقت لقناة السويس عام 2021، فإن النموذج السائد لسلاسل الإمداد يعتمد على السرعة أكثر من اعتماده على القدرة على الصمود. وهذا يعني أن أي اضطراب- مهما بدا محدودا- قادر على أن يخلّف آثارا واسعة في التجارة العالمية. كما يفتح الباب أمام دول أصغر، مثل إيران، لكي تتحول في لحظة إلى لاعب سياسي عالمي. فالجغرافيا ما تزال، في عام 2026، عنصرا حاسما في تشكيل المصائر، وقد تمسك بخيوطها على نحو مباشر.

ولنعد إلى مضيق هرمز. إن عرض هذا الممر المائي، عند أضيق نقطة فيه، لا يزيد على نحو 24 ميلا، وهو ما يقارب أضيق نقطة في القنال الإنجليزية. غير أن ممرات الملاحة في مضيق هرمز أشد ضيقا بكثير، لذلك يسهل تعطيلها، إذ لا يتجاوز عرض كل مسار مخصص لعبور السفن ميلين في كل اتجاه. ويعبر هذا الممر الضيق سنويا نحو 20 في المئة من نفط العالم، إلى جانب سلع أخرى لا تقل أهمية، منها ثلث الأسمدة في العالم، فضلا عن الهيليوم الضروري لأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وصناعة أشباه الموصلات.
وعليه، فإن السيطرة على الممرات المائية الطبيعية، مثل مضيق هرمز، لا تمنح ثقلا اقتصاديا فحسب، وإنما تفضي أيضا إلى نفوذ سياسي صرف. وهذه حقيقة معروفة منذ زمن. فقد ظل المضيق، على امتداد عقود، أشبه بضمانة استراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية في مواجهة أي تهديد وجودي للدولة الثيوقراطية، من النوع الذي تمثله لها اليوم إسرائيل والولايات المتحدة. ولهذا السبب، تجنبت الإدارات الأميركية السابقة، ديمقراطية كانت أم جمهورية، الانزلاق إلى صراع عسكري طويل مع طهران، رغم ما شهدته العقود الخمسة الماضية من استفزازات متكررة.












