الجار والعدو: قراءة العرب بين الدائم والمؤقت!
بقلم/ فرج بوخروبة
تمرُّ المنطقة العربية اليوم بمرحلة حرجة تتسم بتشابك التهديدات وتداخل الصراعات، بحيث صار العقل الجمعي العربي يعيش في حالة من “السيولة المفاهيمية” تعوق القدرة على التمييز بين الأخطار الجوهرية والمصطنعة، بين ما يسعى إلى الاقتلاع والتهجير وما يهدف إلى النفوذ الطبيعي. أخطر ما يواجه العرب في هذه اللحظة هو الانزلاق في وهم تساوي الأخطار، وهو وهم يجعل الصراع مع كيان استيطاني إحلالي مثل إسرائيل مساويًا للصراع مع دولة إقليمية لها جذور تاريخية وجغرافية مثل إيران. إسرائيل ليست دولة قومية تقليدية تهدف إلى حماية شعب، بل مشروع استيطاني يقوم على نفي الآخر ومحاولة محو هويته وتاريخه، وجودها مشروط بإنكار الفلسطينيين ومحاولة طمس ارتباطهم بالأرض، والعداء معها ليس صراعًا حدوديًّا وإنما صراع وجودي بنيوي. هي ثكنة متقدمة للقوى الكبرى، مهمتها الأساسية منع قيام أي كتلة عربية موحدة، والتفوق العسكري والتقني الإسرائيلي يفرض على المحيط العربي ضعفًا وتجزئة. هذا الخطر ثابت، لا يتأثر بالتغيرات السياسية أو الحكومات العابرة، بل هو جزء من “الجينات السياسية” للكيان، ما يجعل أي حسابات تكتيكية عاجزة عن تغيير جوهر المشكلة. تفصيل هذه الطبيعة البنيوية يكشف أن أي تبرير لتعايش العرب مع إسرائيل أو اعتبارها “طرفًا طبيعيًّا” هو عبث استراتيجي، لأنه يحوِّل الاحتلال إلى حقيقة قابلة للشرعية، ويضع الأمة في حالة صراع وهمي بعيد عن جوهر المعركة.
على النقيض، تمثل إيران حقيقة جغرافية وتاريخية راسخة، ليست زائرًا أو دخيلًا، بل جار دائم يرتبط بالعالم العربي بمصالح متشابكة ومساحات نفوذ مشتركة، وتظل العلاقة معها محكومة بمنطق الدولة الوطنية وطموحات النفوذ الإقليمي. إيران لا تسعى إلى محو هوية العرب أو الاستيلاء على أرضهم، لكنها تستخدم أوراق الضغط السياسية والمذهبية والعسكرية لتعزيز أمنها القومي وتوسيع نفوذها، وفهم هذه الحقيقة يفرض التعامل معها بعقلانية وحساب، لا بالتهور أو الانفعال. أدوات المواجهة مع إيران مختلفة جذريًّا عن أدوات مواجهة العدو الاستيطاني، فهي قابلة للردع والحوار وإبرام ترتيبات أمنية تضمن مصالح الأطراف كافة، لأنها جار أبدي لا يمكن تجاوزه أو تجاهله، وأي تجاهل لهذا الواقع يعرض العرب لمخاطر مستمرة، ويحول الصراعات الإقليمية إلى متاهة دون نهاية.
تكمن الكارثة الفكرية في قبول البعض لمعادلة تساوي الأخطار بين إسرائيل وإيران، وهو انتحار استراتيجي يخدم المشروع الصهيوني، إذ يمنح الاحتلال شرعية ضمنية ويحوِّله إلى “طرف طبيعي” في المنطقة أحيانًا، وحتى إلى حليف محتمل لمواجهة خطر آخر. هذا الخلط يعمي الأمة عن حاسة التمييز الاستراتيجي، ويقود إلى تفتيت الجبهة العربية واستنزاف الموارد في معارك جانبية، ما يتيح لإسرائيل تعزيز وضعها الاستيطاني وتوسيع نفوذها تحت غطاء مواجهة عدو مشترك. المثقف العربي المتنور يدرك أن إدارة الصراعات تتطلب تجزئة الملفات وعدم دمجها في سلة واحدة؛ فتهديد إيران، رغم مخاطره، يطال السياسة ويظل قابلًا للمواجهة بالمصلحة والتفاوض، بينما تهديد إسرائيل يطال الأرض والوجود ويسعى إلى محو الهوية. الانجرار وراء معادلة “عدو عدوي صديقي” هو الذي أغرق المنطقة في أزمات متتالية، والحكمة تقتضي بناء توازن قوى مع الجار الإقليمي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على جبهة رفض شاملة للكيان الدخيل، مع إدراك أن الصراع مع إسرائيل لا يقايض، وأن التفاوض مع إيران لا يلغي حدود القوة والسيادة.
إعادة بناء الوعي العربي اليوم تبدأ من إدراك أن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع عاطفي أو رمزي، بل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي العربي ضد مشروع توسعي لا يعرف حدودًا، وأن أي تجاهل لهذه الحقيقة هو خيانة استراتيجية. وفي الوقت نفسه، يجب التعامل مع القوىالإقليمية مثل إيران بمنطق المصلحة والندية، وبناء نظام عربي قوي قادر على فرض شروطه في الحوار مع الجيران، بدل الاعتماد على حماية خارجية أو التحالف مع عدو وجودي. الفرق بين إسرائيل وإيران هو الفرق بين “المرض العضال” الذي يهدد الحياة ويستدعي اليقظة القصوى، و”العارض الصحي” الذي يمكن مواجهته بالعقل والتفاوض والحكمة. إسرائيل كيان طارئ، تستمد قوتها من ضعف عربي متكرر ودعم دولي متقلب، وهي بلا جذور في هذه الأرض، بينما إيران حقيقة جغرافية وتاريخية راسخة، تحدد معها العلاقات حدود الصراع والنفوذ الممكن.
وفي النهاية، تكمن القوة الحقيقية في استعادة البوصلة المفقودة؛ البوصلة التي تميز بين العدو الذي يسعى إلى محو وجودك والخصم الذي يتنافس على النفوذ، بين ما يتطلب رفضًا مطلقًا وما يمكن مواجهته بالعقل والمصلحة. من يفقد هذه البوصلة يضيع الأرض والقرار معًا، ومن يستعيدها يبني وعيه الاستراتيجي، يحمي أرضه، ويرسم مستقبله. فالخطر الحقيقي ليس فقط فيمن يقاتلنا، بل فيمن يجعلنا نساوي بين العابر والمستقر، بين الغزاة والجيران، وبين ما يُبنى وماذا يُهدَم. استعادة البوصلة العربية تبدأ حين نتعلم أن نسمي الأشياء بمسمياتها، ونواجه الحقيقة بشجاعة، فبدون ذلك تبقى السياسة مجرد صدى خافت للصراعات، والعقل العربي رهينة بين “غبار المعارك العابرة” و”الزلازل التي تقتلع الوجود”، ويظل من يختلط عليه الفرق بين العدو والخصم محكومًا بالارتباك المستمر والضعف المزمن، بينما التاريخ لا يرحم إلا من يعي أين يقف.
The post الجار والعدو: قراءة العرب بين الدائم والمؤقت! appeared first on الموقف الليبي.





