الجالية السورية في ألمانيا.. جسر للاستثمار الاقتصادي أم ملف سياسي شائك؟
في القاعة الكبرى لفندق “أدلون كيمبينسكي” العريق ببرلين، مع إطلالة مباشرة على بوابة براندنبورغ التي شهدت سقوط جدران التاريخ، تجسدت ملامح “سوريا الجديدة” بأرقام وتوجهات اقتصادية وسياسية، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع للعاصمة الألمانية. لم تكن هذه الجولة مجرد رحلة ديبلوماسية روتينية، بل كانت بمثابة إعلان تجاري واسع النطاق لفتح أبواب سوريا أمام الماكينة الصناعية الألمانية، بعد أكثر من عقد من الحرب والدمار الذي حوّل البلاد إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
الزيارة حملت دلالات سياسية واقتصادية عميقة، حيث التقى الشرع المستشار الألماني فريدريش ميرتس في أول قمة من نوعها منذ سنوات القطيعة بين البلدين. اللقاء لم يقتصر على البروتوكول الدبلوماسي، بل تضمن أجندة اقتصادية طموحة، تمحورت حول إعادة إعمار سوريا، وضم منتدى للأعمال الألماني السوري، شارك فيه كبار رجال الأعمال والمستثمرين الألمان، بهدف تقديم الفرص الاستثمارية الجاذبة.
وصف الرئيس السوري اللقاء بأنه كان “مثمراً وجيداً جداً”، مشيراً إلى أن النقاشات ركزت على آليات تحفيز الاستثمار الألماني في سوريا، بينما شدد ميرتس على أن ألمانيا تنظر إلى سوريا ما بعد الحرب كشريك محتمل، داعياً إلى تهيئة الظروف المناسبة لدفع عجلة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
اقرأ أيضاً: سوريا والطاقة: السلام المشروط وإعادة تعريف الاستقرار – 963+
حجم الفرص الاقتصادية في سوريا
في المستشارية الألمانية، حيث يتقاطع التاريخ مع الحسابات الاقتصادية، ناقش الشرع مع ميرتس معادلة من طرفين: سوريا تعرض سوقاً تحتاج أكثر من 216 مليار دولار لإعادة بنائها، وألمانيا تبحث عن حل لمليون سوري يشكلون عبئاً سياسياً داخلياً، مع صعود اليمين المتطرف.
يقول خبير التخطيط الاستراتيجي رياض قنوت، في تصريح لـ”963″، إن الشرع جاء على رأس وفد وزاري رفيع يضم وزراء الخارجية والاقتصاد والطاقة والطوارئ، مشيراً إلى أن هذه التشكيلة تعكس طابع الزيارة الاستثماري بالدرجة الأولى، وليس السياسي فقط. تأتي هذه الزيارة بعد 14 عاماً من الانقطاع الرسمي بين برلين ودمشق، حيث لم يزر رئيس سوري العاصمة الألمانية منذ اندلاع الأزمة السورية، وقد أعادت برلين فتح سفارتها في دمشق قبل عام بالضبط، بينما فتحت سوريا قنصليتها في بون فبراير الماضي، في خطوات محسوبة لتقوية الروابط الاقتصادية والسياسية.
ويوضح قنوت أن سوريا، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب، تمثل واحدة من أكبر فرص إعادة الإعمار في التاريخ الحديث، حيث تقدر تكلفة إعادة البناء بما يزيد عن 216 مليار دولار، مع أضرار مباشرة في البنية التحتية والسكن بحوالي 108 مليارات دولار، وتراجع الناتج المحلي من 60 مليار دولار عام 2010 إلى نحو 32 مليار دولار عام 2025. الموازنة المخططة لعام 2026 بلغت 10.5 مليار دولار، ونسبة السوريين تحت خط الفقر وصلت إلى نحو 90% وفق الأمم المتحدة، بينما تحتاج البلاد إلى نحو 2 مليون وحدة سكنية جديدة. التعهدات الاستثمارية المعلنة بلغت أكثر من 50 مليار دولار، غير أن ما يتحقق فعلياً من هذه التعهدات يُقدّر بـ10% فقط بسبب البيئة التنظيمية المتعثرة والبنية المصرفية غير المستقرة، وهو ما جاء الشرع لمعالجته عبر بناء الثقة مع المستثمرين الألمان وتحويل التعهدات إلى عقود موقعة.
أوراق التفاوض: الطاقة والموقع والجالية السورية
يوضح قنوت أن الرئيس السوري ركّز في المنتدى الاقتصادي على ثلاثة محاور استثمارية رئيسية: الطاقة، الموقع الجغرافي، والجالية السورية. فسوريا تشكل حلقة استراتيجية في سلاسل إمداد الطاقة، بينما يبلغ عدد السوريين المقيمين في ألمانيا أكثر من 1.3 مليون نسمة، بينهم 6 آلاف طبيب يعملون في المستشفيات الألمانية، ما يوفر قاعدة من الخبرات يمكن توظيفها كجسر استثماري.
في المنتدى الاقتصادي، قدم الشرع عرضاً متكاملاً للمستثمرين الألمان، ارتكز على التشريعات الجاذبة، الموقع الجغرافي، والثروات الطبيعية، موضحاً أن دمشق قامت بـ”تعديلات واسعة” على قانون الاستثمار لتبسيط الإجراءات، وتشجيع رؤوس الأموال الأجنبية، وتوفير حماية قانونية للشركات، بما في ذلك تسهيلات لتحويل الأرباح بالعملة الصعبة، وحماية الملكية من التأميم أو المصادرة تحت أي ظرف سياسي.
كما يشدد على أن سوريا يمكن أن تصبح ممر أمني لإمدادات الطاقة بين الخليج والبحر المتوسط، ما يقلل التكاليف ويزيد أمان الإمدادات الأوروبية، في وقت تعاني فيه أوروبا إعادة هيكلة سلاسل الطاقة بعد الأزمة الأوكرانية.
ويشير إلى أن البنية التحتية المتضررة تحولت من عائق إلى فرصة استثمارية ضخمة في قطاعات النفط والغاز وإعادة التأهيل، مستهدفة الشركات الألمانية العملاقة المتخصصة في البناء والطاقة المتجددة.
فيما يخص الجالية السورية، كانت الرسالة دقيقة، إذ لم يطالب ميرتس ببقاء السوريين في ألمانيا، بل اقترح جعل الجالية جسراً للاستثمار عبر برامج “هجرة دائرية” تمكن الكوادر السورية من المشاركة في إعادة الإعمار دون إجبارهم على اختيار بين الوطنين.
اقرأ أيضاً: سوريا بين برلين ولندن: نحو شراكة اقتصادية واستقرار إقليمي برؤية جديدة – 963+
التحديات السياسية والقانونية
تشير الباحثة الاقتصادية ديالا الخطيب إلى أن الزيارة تمثل نقطة تحول في العلاقات الثنائية، حيث تحولت سوريا من مربع الملف الأمني والإنساني إلى مربع الفرص الاقتصادية. لكنها حذرت من تحديات ملموسة أمام تحويل الوعود إلى استثمارات فعلية، بما في ذلك العقوبات الغربية، الفساد الإداري، ضعف الشفافية، والاستقرار الأمني غير المكتمل، فضلاً عن ضرورة تدريب الشباب السوري لاستيعاب سوق العمل الجديد، في ظل استمرار الجدل السياسي الداخلي الألماني حول التعاون مع الحكومة السورية، لا سيما في ظل المطالب المتعلقة بعودة اللاجئين.
وفي لقاءات جانبية مع وفد رجال الأعمال الألمان، كشف مصدر مطلع لـ”963+” أن الرئيس الشرع قدم ضمانات لتسهيل الاستثمار، تشمل حماية المشاريع، تسهيلات التأشيرات للخبراء والكوادر السورية، إعفاءات ضريبية، وحوافز تصل إلى 10 سنوات للمشاريع الإنتاجية، بالإضافة إلى تسهيلات لتحويل الأرباح بالعملة الصعبة. وأكد الرئيس أن دخول الشركات الألمانية سيزيد الإنتاج ويقلل البطالة، مستثمراً خبرات الجالية السورية كحلقة وصل بين الشركات الألمانية والسوق المحلية.
ويشير رجل الأعمال الألماني هانز مولر إلى أن المستثمرين يبحثون عن الاستقرار القانوني قبل الربح، مؤكداً أن التعديلات على قانون الاستثمار التي تحدث عنها الشرع تمثل خطوة إيجابية. بينما يعتبر الدكتور أمين رمضان، مستثمر سوري-ألماني، أن الجالية هي الضمانة الميدانية، حيث يمكن نقل التكنولوجيا الألمانية بعقول سورية، مستفيدين من البنية التحتية المتضررة التي تشكل فرصة ذهبية للشركات الإنشائية.
سوريا في خضم التنافس الجيوسياسي
يرى الباحث في الاقتصاد السياسي شيرو جمشيد أن زيارة برلين تأتي في سياق تنافس جيوسياسي واقتصادي، إذ تتسابق العواصم الخليجية للحصول على عقود إعادة الإعمار، بينما تتمركز تركيا في الشمال الصناعي والتجاري، وتسعى روسيا للحفاظ على موطئ قدم اقتصادي. وتواجه أوروبا وألمانيا تحديات بسبب تحفّظ المستثمرين على النشاط في مناطق لم تكتمل فيها المنظومة القانونية والمصرفية، وعدم وضوح مصير العقوبات الأمريكية المتبقية.
ويشير جمشيد في تصريحات لـ”963+” إلى أن الرئيس الشرع وجّه رسالة دبلوماسية لدول الخليج، مؤكداً دعمها ورفض الاعتداءات الإيرانية، لتوفير بيئة أكثر استقراراً لجذب الاستثمارات الخليجية. وأوضح أن ألمانيا التي تستضيف أكبر جالية سورية في أوروبا، يمكن أن تستفيد من هذه الكفاءات المدربة واللغة المزدوجة لتسهيل إعادة الإعمار.
كما يلفت إلى أن التوتر حول ملف اللاجئين، حيث طالب ميرتس بعودة 80% من السوريين خلال ثلاث سنوات، وهو مطلب أثار انتقادات واسعة في ألمانيا، بما في ذلك من الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر، نظراً لتعقيدات حقوق اللجوء والوضع الأمني في سوريا، وهو ما يجعل الواقع القانوني والاجتماعي يتعارض مع الخطاب الانتخابي.
لجنة العمل المشتركة: خطوة عملية أولى
يشير جمشيد إلى أن تأسيس لجنة العمل المشتركة بين البلدين يمثل أول خطوة عملية لتحويل الوعود إلى واقع، إذ ستباشر اللجنة عملها قريباً، تليها زيارات لوفود ألمانية إلى دمشق، في إطار دراسة جدوى للاستثمارات قبل التنفيذ.
انتهى المؤتمر الصحفي بمصافحة حارة بين الشرع وميرتس، لكن العمل الحقيقي يبدأ الآن. التحول من “ساحة صراع” إلى “ممر آمن للطاقة” يتطلب استمرارية في الاستقرار السياسي، وتنفيذ التسهيلات الاستثمارية التي وُعد بها. الرسالة من برلين كانت واضحة: سوريا جاهزة للعمل، وألمانيا جاهزة للعودة، والرهان الأكبر هو على الإنسان السوري الذي سيشارك في إعادة بناء بلده، مسلحاً بخبرات وكفاءات الماكينة الألمانية، في محاولة لتحقيق تكامل اقتصادي وسياسي يربط بين إعادة الإعمار والتوظيف الفعّال للجالية السورية.
The post الجالية السورية في ألمانيا.. جسر للاستثمار الاقتصادي أم ملف سياسي شائك؟ appeared first on 963+.



