الفيسبوك… حين تكون الكلمة رسالة خير لا سهماً في قلب إنسان
د علي الطراونة
لم يعد الفيسبوك مجرد مساحة للتواصل وتبادل الصور والأخبار، بل أصبح منبرًا مفتوحًا يستطيع من خلاله الإنسان أن يصل بكلمته إلى مئات وآلاف الأشخاص في لحظات. وهذه القوة الكبيرة في متناول أيدينا ليست مجرد ميزة، بل هي مسؤولية أخلاقية.
فالكلمة التي نكتبها على شاشة صغيرة قد تترك أثرًا كبيرًا في حياة إنسان؛ قد ترفع معنوياته، أو تنقذ شخصًا من اليأس، أو تنشر معرفة نافعة، وقد تكون في المقابل سببًا في جرحه أو التشهير به أو تشويه سمعته
و من المؤسف أن تتحول بعض الصفحات والحسابات إلى ساحات للقدح والتشهير والتنمر، وأن تصبح أخطاء الناس مادة للضحك والتداول، وكأن وراء كل منشور لا يوجد إنسان له مشاعر وكرامة وسمعة.
ليس كل ما نعرفه يُنشر، وليس كل ما نسمعه يُصدّق، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى فضيحة أمام الناس.
قد نختلف مع شخص، وقد ننتقد فكرة أو موقفًا، وهذا أمر طبيعي، لكن الاختلاف لا يمنحنا الحق في إهانة الآخرين أو التشهير بهم أو الخوض في أعراضهم وحياتهم الخاصة.
و قبل أن تضغط زر “نشر”، اسأل نفسك:
هل ما سأكتبه حقيقة أم مجرد إشاعة؟
هل فيه فائدة أم مجرد إساءة؟
هل أقبل أن تُقال هذه الكلمات عني أو عن أحد أفراد أسرتي؟
هل سيبقى هذا المنشور مصدر فخر لي بعد سنوات، أم سيكون شيئًا أتمنى لو أنني لم أنشره؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كلمة جارحة، وتوقف إشاعة، وتحفظ كرامة إنسان.
فليس النجاح في وسائل التواصل أن تحصل على أكبر عدد من الإعجابات والمشاركات، وإنما أن يكون لك أثر طيب في نفوس من يقرأو
و يمكن أن يكون الفيسبوك وسيلة عظيمة للخير إذا أحسنّا استخدامه. ننشر من خلاله المعرفة، ونساعد المحتاج، ونساند أصحاب المبادرات، وننشر القصص الملهمة، ونقدم النصيحة بأسلوب راقٍ، وندافع عن الحق دون ظلم، ونختلف مع الآخرين دون أن نفقد احترامنا لهم.
الكلمة الطيبة لا تحتاج إلى تكلفة، لكنها قد تساوي الكثير في قلب من يسمعها.
وفي المقابل، فإن كلمة واحدة قاسية قد تستغرق ثواني لكتابتها، لكنها قد تحتاج سنوات حتى تُنسى
تذكر قبل ان تنشر ان خلف كل حساب إنسان، وخلف كل اسم قصة، وخلف كل صورة حياة لا نعرف تفاصيلها.
لذلك، لا تجعل من هاتفك أداة لإيذاء الآخرين، ولا تجعل من حسابك منصة للانتقام أو التشهير أو التنمر. اجعله مساحة تعكس أخلاقك وقيمك، وتترك بعدك أثرًا جميلًا.
لا تكن ممن يبحثون عن عيوب الناس ليكشفوها، بل كن ممن يرون الخير في الناس ويساعدون على نشره.
فالفيسبوك يمكن أن يكون منبرًا للوعي، وجسرًا للتواصل، ومساحة للمعرفة، ووسيلة للخير… لكنه قد يتحول إلى أداة للأذى إذا غاب عنه الوعي والضمير.
وفي النهاية نحن لا نتحكم فقط بما ننشره، بل بما نتركه في قلوب الآخرين بعد أن يقرأوه.
فاختر كلماتك بعناية، لأن المنشور قد يُنسى، لكن أثره قد لا يُنسى.
استخدم الفيسبوك لتبني، لا لتهدم… لتصلح، لا لتشوه… لتنشر الخير، لا لتزرع الأذى.
فليكن حضورك في العالم الرقمي شاهدًا على أخلاقك، لا دليلًا عليها.
هذا المحتوى الفيسبوك… حين تكون الكلمة رسالة خير لا سهماً في قلب إنسان ظهر أولاً في سواليف.




