الفيول العراقي و”الأثر المضاعف”.. هل تتحوّل سوريا إلى ممر مستدام للإمدادات الإقليمية؟
أكد أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أن عبور الفيول العراقي عبر سوريا يعد خطوة مهمة لتحريك الدورة الاقتصادية وتعزيز الدور الإقليمي.
وأوضح لـ”الوطن” أن بدء دخول قوافل صهاريج الفيول العراقي إلى الأراضي السورية عبر منفذ التنف/ الوليد باتجاه مصفاة بانياس يمثل تطوراً اقتصادياً مهماً، يعكس توجهاً عملياً نحو إعادة تفعيل دور سوريا كممر إقليمي للطاقة، واستثمار موقعها الجغرافي ضمن رؤية اقتصادية أكثر تكاملاً تقوم على توظيف الإمكانات المتاحة وتعزيز الانفتاح على مسارات التعاون الاقليمي.
ونوه بأن هذه الخطوة تكتسب أهميتها من كونها لا تندرج ضمن إطار النقل التقليدي فحسب، بل تشير الى بداية استعادة دور سورية كمركز عبور طاقي، وما يرتبط بذلك من تحريك منظومة اقتصادية أوسع تمتد آثارها إلى قطاعات متعددة.

دورة اقتصادية متكاملة
ويرى أستاذ إدارة الأعمال أنه لا يمكن اختزال أهمية هذا التطور في كونه مصدراً لإيرادات مباشرة من رسوم العبور، إذ إن الأثر الحقيقي يمتد ليشمل تنشيط مجموعة واسعة من القطاعات المرتبطة به، بدءاً من النقل والتخزين، وصولاً إلى الخدمات الفنية واللوجستية.
وأشار إلى أن هذه الحركة تنعكس على السوق الداخلية عبر ما تولده من إنفاق وتشغيل، بما يسهم في إعادة تغذية الدورة الاقتصادية، ويحدث ما يعرف بالأثر المضاعف (Multiplier Effect)، حيث لا يتوقف الأثر عند قيمة الإنفاق الأولي، بل يمتد ليولد نشاطاً اقتصادياً متكرراً ومتراكماً.
وأضاف: للتوضيح، فإن كل مليون دولار يتم توليدها من نشاط النقل والخدمات المرتبطة به يمكن أن تخلق أثراً اقتصادياً إجمالياً يتجاوز 2 إلى 3 ملايين دولار داخل الاقتصاد، نتيجة تكرار الإنفاق عبر قطاعات متعددة.
وقال: لا يرتبط تحقيق هذه القيمة بحجم التدفقات فقط، بل يتوقف بدرجة كبيرة على كفاءة الكوادر البشرية القادرة على إدارة وتشغيل هذه الأنشطة، بما يضمن تعظيم القيمة المضافة وتقليل الهدر، والحد من الفاقد الاقتصادي الذي قد يتسرب من هذه العمليات، وتحويل هذه الحركة إلى أثر اقتصادي فعلي ومستدام وليس مجرد نشاط عابر.
سوريا في سياق إعادة تشكيل خريطة الطاقة
ولفت حمدان إلى أن هذه التطورات تأتي في ظل توجه عالمي متزايد نحو تنويع مسارات نقل الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات التقليدية، الأمر الذي يعزز من أهمية أي مسار بديل قادر على دعم استقرار تدفقات الطاقة.
وفي هذا السياق، نوه حمدان بأن سوريا تمتلك مقومات تؤهلها للعب دور متقدم في ربط مصادر الطاقة في الشرق بالأسواق عبر البحر المتوسط، بما يعيد لها موقعاً فاعلاً في منظومة الطاقة الإقليمية، ويفتح المجال أمام اندماجها مجدداً في سلاسل الإمداد المرتبطة بقطاع الطاقة.
من العبور إلى بنية تحتية استراتيجية
يرى حمدان أنه ورغم أهمية النقل بالصهاريج في المرحلة الحالية، إلا أنه يمثل نمطاً مرتفع التكلفة ومحدود الكفاءة على المدى الطويل، ما يجعله مرحلة انتقالية أكثر من كونه حلاً دائماً.
وقال: من هنا، فإن تعظيم الاستفادة يتطلب الانتقال نحو تطوير بنية تحتية متكاملة لقطاع الطاقة، تشمل خطوط أنابيب النفط، ومرافق التخزين، ومحطات الضخ، وربطها بالموانئ، بما يحقق وفورات الحجم ويخفض تكاليف النقل ويزيد من موثوقية الإمدادات.
كما أن هذا التحول لا يمكن أن يتحقق دون تكامل بين الاستثمار في البنية التحتية والاستثمار في رأس المال البشري، بحيث تعمل الكوادر المؤهلة على تشغيل هذه المنظومة بكفاءة، وتحويلها من نشاط عبور محدود إلى قطاع اقتصادي مولد للقيمة ومصدر لتعزيز القدرة التنافسية.
وأكد أن ذلك يتطلب في الوقت ذاته تبني أطر حوكمة فعالة تضمن كفاءة إدارة الموارد، وتعزز الشفافية، وتحد من الهدر، بما يضمن تحقيق أقصى عائد اقتصادي ممكن من هذه العمليات.
الاستقرار مدخل لتعظيم الفرص الاقتصادية
شدد حمدان على أن توسيع الاستفادة من هذه الخطوة يرتبط بشكل مباشر بمدى توفر بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، حيث إن الاستثمارات في قطاع الطاقة تتسم بكونها كثيفة رأس المال، وتتطلب مستويات عالية من الاستقرار لضمان استمراريتها.
وقال: من هنا، تبرز أهمية الحفاظ على مسار يركز على الاستقرار الداخلي والابتعاد عن بؤر التوتر، بالتوازي مع تسريع جهود إعادة الإعمار، بما يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني ويدعم جذب الاستثمارات، ويفتح المجال أمام شراكات طويلة الأجل، مع ضرورة إدراك أن تحقيق هذه المكاسب يظل مشروطاً بحسن إدارة المخاطر المرتبطة بالبيئة الإقليمية.
وختم حمدان بالقول: إن عبور الفيول العراقي عبر الأراضي السورية يمثل خطوة إيجابية تتجاوز بعدها المالي المباشر، لتسهم في تحريك الدورة الاقتصادية وتنشيط قطاعات متعددة، وتعكس إمكانية استعادة دور اقتصادي فاعل في المنطقة.
ويبقى التحدي في القدرة على البناء على هذه الخطوة وتحويلها الى مسار استراتيجي متكامل، يقوم على تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز الحوكمة، بما يرسخ مكانة سوريا كممر مستدام للطاقة ويعزز من قدرتها على تحقيق قيمة اقتصادية طويلة الأجل.





