الفساد في العراق.. ثروات تُصنع في الظل وتُشرعن على مرأى من الدولة
•سياسةالعراقفي العراق..
•ثروات تُصنع في الظل وتُشرعن على مرأى من الدولةعباس الخشالي2026/7/16١٦ يوليو ٢٠٢٦ لم يعد الفساد في العراق مجرد ملفات تُفتح في أروقة الدولة، بل صار اقتصادًا موازيًا يعيد تدوير الأموال المنهوبة عبر العقا...
•https://p.dw.com/p/5H8qEتشير تقارير وشهادات إلى أن بعض صفقات الفساد نفسها تُعد قناة مباشرة لغسل الأموال، من خلال شراء هدايا باهظة الثمن، أو سيارات فارهة، أو عقارات وأحيانًا حتى عبر المبالغة في المهور...
هذا الخبر من DW عربية. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
سياسةالعراقفي العراق.. ثروات تُصنع في الظل وتُشرعن على مرأى من الدولةعباس الخشالي2026/7/16١٦ يوليو ٢٠٢٦ لم يعد الفساد في العراق مجرد ملفات تُفتح في أروقة الدولة، بل صار اقتصادًا موازيًا يعيد تدوير الأموال المنهوبة عبر العقارات والمشاريع الوهمية والواجهات التجارية، في مشهد يفضح عجز الرقابة واتساع شبكات التبييض. https://p.dw.com/p/5H8qEتشير تقارير وشهادات إلى أن بعض صفقات الفساد نفسها تُعد قناة مباشرة لغسل الأموال، من خلال شراء هدايا باهظة الثمن، أو سيارات فارهة، أو عقارات وأحيانًا حتى عبر المبالغة في المهور أو التزامات اجتماعية ذات قيمة مالية عالية. صورة من: Toby Adamson/Axiom PHotographic/Design Pics/picture allianceإعلانفي العراق، لا يحتاج الزائر إلى وقت طويل كي يلحظ المفارقة الصارخة: شوارع مزدحمة بسيارات فارهة، ومراكز تسوق حديثة، ومبانٍ شاهقة ترتفع بسرعة، يقابلها بنى تحتية متهالكة وشوارع تتفكك وتتشقق مع أول موجة مطر. مشهد يبدو وكأنه يجمع بين بلدين في مكان واحد؛ بلد غني إلى حد الترف، وآخر يعاني من إهمال مزمن في أبسط الخدمات. هذه الازدواجية ليست مجرد خلل عابر، بل تعبير عن نمط اقتصادي مشوّه، تغذيه شبكات الفساد التي أعادت توجيه الثروة بعيداً عن مسارات التنمية الحقيقية. فالأموال التي كان يفترض أن تُستثمر في تحسين البنى التحتية والخدمات العامة، تحولت إلى أدوات للثراء السريع ومظاهر استهلاكية لا تعكس نمواً حقيقياً. في الشارع العراقي، لا تبدو هذه الحقيقة خافية. حتى العامل البسيط أو بائع الشاي يدرك أن ما يجري ليس ازدهاراً اقتصاديا طبيعياً، بل نتيجة مباشرة لعمليات غسل أموال واسعة النطاق. فالمشاريع التي تظهر فجأة، وتُنجز بسرعة قياسية، غالباً ما تفتقر إلى أدنى معايير الجودة أو السلامة، لأن الهدف منها ليس البناء المستدام، بل تدوير الأموال وإضفاء صفة "الشرعية" عليها. الدولار والذهب التحقيقات الأخيرة وحملات ملاحقة الفساد كشفت جانباً من الصورة، حيث عُثر على مبالغ طائلة مخزنة داخل منازل مسؤولين، بالدولار أو الذهب، في مشهد يعكس انعدام الثقة حتى في النظام المصرفي. غير أن ما يتم ضبطه لا يمثل سوى جزء صغير من منظومة أكبر، تتوزع فيها الأموال بين التخزين المحلي، والاستثمار في العقارات، والتحويل إلى الخارج عبر قنوات معقدة. الأخطر من ذلك أن الفساد في العراق لا يعمل بشكل فردي، بل ضمن شبكة مترابطة تبدأ من آليات إقرار المشاريع داخل المؤسسات الرسمية. إذ تشير مصادر مطلعة تحدثت إلى DW عربية إلى أن تمرير العديد من المشاريع يخضع لتقاسم الحصص بين جهات سياسية ومسؤولين، ما يحوّل العملية من خدمة عامة إلى صفقة مغلقة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الوصول إلى المناصب العليا مشروطاً بالولاء السياسي لا بالكفاءة، فيما يُدفع المهنيون وأصحاب الكفاءات إلى الهامش أو يُجبرون على الانسحاب تحت الضغط. وهكذا تتشكل حلقة مغلقة: أموال منهوبة يعاد تدويرها في مشاريع وهمية، تعزز النفوذ السياسي، وتنتج مزيداً من الفساد، دون أن تنعكس على حياة المواطنين. وبينما تتكدس الثروات في جيوب قلة، يبقى الشارع العراقي شاهداً يومياً على فجوة عميقة بين ما يُنفق وما يُنجز. الخبير الاقتصادي وائل منذر : المصارف الحكومية والأهلية ملزمة بموجب القانون بتقديم بلاغ وإشعار لأي حالة نشاط غير اعتيادي لإيداع او تحويل مصرفيصورة من: Morteza Nikoubazl/NurPhoto/picture alliance "اقتصاد الفساد الموازي" ولا يقتصر المشهد الاقتصادي على ما هو معلن في الموازنات أو ما يظهر في بيانات الحكومة، بل يتجاوزه إلى ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الفساد الموازي"، وهو نظام غير رسمي يعمل داخل مؤسسات الدولة نفسها، ويعيد توجيه الموارد بعيداً عن أهدافها الأصلية. ظاهريا، يقوم اقتصاد الدولة على نموذج مركزي يعتمد بشكل شبه كلي على عائدات النفط، التي يعاد ضخها في رواتب الموظفين وتمويل المشاريع الخدمية وتوفير السلع للمواطنين. لكن هذا المسار الرسمي لا يسير بمعزل عن تدخلات واسعة تفرغه من مضمونه. في هذا السياق، يكشف مسؤول حكومي، فضّل عدم الكشف عن هويته، عن آلية بسيطة لكنها شديدة التأثير: "علاج طبي قد لا يتجاوز سعره دولاراً واحداً، يُشترى بثمانية دولارات ضمن عقود حكومية”. الفارق، كما يوضح، لا يذهب هدراً، بل يُوزع كحصص بين سلسلة من الموظفين والمسؤولين، تبدأ من أول توقيع إداري ولا تنتهي إلا عند أعلى مستويات المصادقة. بهذه الطريقة، لا يُهدر المال العام فقط، بل يُعاد إنتاجه داخل شبكة مغلقة، تشكل اقتصاداً موازياً قائماً بذاته. ومع مرور الوقت، تظهر نتائج هذا النظام بوضوح، حين يتمكن موظف لا يتجاوز راتبه الشهري ألف دولار من امتلاك منزل بمئات آلاف الدولارات، وقيادة سيارة فارهة، في مشهد يعكس خللاً عميقاً بين الدخل المعلن والثروة الفعلية. يقول الخبير الاقتصادي الدكتور وائل منذر لـ DW عربية : "أحد أسباب مشكلة غسيل الأموال في العراق أن الاقتصاد غير الرسمي واسع جدا، الأعمال التجارية المربحة الكبيرة غير مسجلة والدولة لا علم لها بها. والسبب هو الترهل الإداري". لكن هذا الاقتصاد الموازي لا يعمل في الظل فقط، بل يترك بصماته على السوق والمجتمع، حيث ترتفع كلفة المشاريع، وتتراجع جودة الخدمات، وترتفع أسعار العقارات بشكل جنوني، حتى أن المتر المربع في بعض المدن التي لا تتوفر فيها الخدمات يبلغ أكثر من سعر المتر المربع في مناطق سكنية في مدن أوروبية شهيرة. بعض وسائل تبييض المال تتعدد وسائل خزن المال المنهوب في العراق، وتتخذ أشكالًا مختلفة تتراوح بين التخزين السري داخل البلاد، والتهريب إلى الخارج، والاستثمار في مشاريع ظاهرها التنمية وباطنها إخفاء مصدر الأموال غير المشروعة. فبعض لصوص المال العام يفضلون الاحتفاظ بالمبالغ النقدية داخل منازلهم، أو تحويلها إلى سبائك ذهبية تُخفى تحت الأرض أو في أماكن بعيدة عن الرقابة، مستندين إلى قناعة بأن مواقعهم السياسية أو الإدارية ستمنحهم الحصانة الكافية. وفي المقابل، يلجأ آخرون إلى أساليب أكثر تعقيدًا، عبر شبكات غسل أموال منظمة تُمكّنهم من تهريب الأموال إلى خارج العراق، ثم توظيفها في شراء عقارات فاخرة في دول مجاورة أو أوروبية، بما يضفي عليها صفة قانونية ويجعل تتبعها أكثر صعوبة. كما تُستخدم الأموال المنهوبة في إنشاء مراكز تسوق كبيرة، أو مشاريع صناعية وتجارية لا يكتمل تنفيذها، لكنها تظهر في النهاية وكأنها استثمارات حقيقية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير تقارير وشهادات إلى أن بعض صفقات الفساد نفسها تُعد قناة مباشرة لغسل الأموال، من خلال شراء هدايا باهظة الثمن، أو سيارات فارهة، أو عقارات في مواقع مميزة، أو قطع أراضٍ وبساتين، وأحيانًا حتى عبر المبالغة في المهور أو التزامات اجتماعية ذات قيمة مالية عالية. وبهذا تتحول ثروات الدولة المنهوبة إلى أصول متنوعة يصعب ربطها بمصدرها الأصلي. يضرب الدكتور وائل منذر أمثلة على غسيل الأموال ويقول: إن من وسائل غسيل الأموال مهور ومؤخرات زواج تصل إلى مليارات الدنانير. يتزوج الشخص أكثر من مرة، ثم يطلق زوجاته، فيدفع مؤخر الصداق، فتحصل الزوجة المطلقة على المؤخر بصورة قانونية، ثم تقوم بشراء عقار في دولة مجاورة بالأموال التي حصلت عليها بشكل قانوني. وتأخذ هي حصتها، بينما يقوم هو لاحقاً بشراء العقار باسمه. ويضيف "بدأ القضاء يلاحظ ذلك، ففي حال شراء عقار بمبلغ كبير جداً، يطلب القاضي إثباتات تؤكد أن المشتري نظيف الذمة، وأن مصدر أمواله مشروع، قبل تسجيل العقار باسمه". كما تُفتح مطاعم أو محال لبيع الملابس تعمل لفترة، رغم أنها لا تحقق مبيعات حقيقية، ثم تُظهر أرباحاً كبيرة وغير حقيقية، وبعد ذلك تُصفّى هذه المحال، فيبدو الدخل الناتج عنها مشروعاً. أو حتى حفلات الزواج المكلفة جداً، إذ تُقدَّم وثائق غير صحيحة تفيد بأن تكلفتها كانت مرتفعة، لتبرير إنفاق أو تحويل مبالغ مالية. حتى أرقام السيارات المميزة، التي يصل سعر بعضها إلى مئة ألف أو مئتي ألف دولار، قد تُستخدم لهذا الغرض، فعندما يبيع الشخص الرقم لاحقاً، يدّعي أن الأموال التي حصل عليها تمثل ربحاً مشروعاً. آليات مراقبة غسيل الأموال تشكل مكافحة غسل الأموال ركيزة أساسية في مواجهة الجرائم المالية في العراق، إذ تمثل خط الدفاع الأول لمنع استغلال النظام المالي في الأنشطة غير المشروعة. ولا يقتصر دور هذه الجهود على الجانب القانوني فحسب، بل يمتد ليشمل دعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز الثقة بالقطاع المالي، بما يسهم في ترسيخ بيئة اقتصادية أكثر أمانًا وجاذبية. في هذا الإطار، يتولى البنك المركزي العراقي مسؤولية تنفيذ وتطبيق تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفي مقدمتها القانون رقم (39) لسنة 2015، الذي يمثل إطارًا تنظيميًا متكاملًا يهدف إلى الوقاية من هذه الجرائم والكشف عنها وملاحقة مرتكبيها. كما يتماشى هذا القانون مع المعايير الدولية، ما يعزز من كفاءة المنظومة الرقابية ويوفر أساسًا قانونيًا متينًا للإجراءات ذات الصلة. يلجأ بعض سراق المال العام إلى أساليب أكثر تعقيدًا، عبر شبكات غسل أموال منظمة تُمكّنهم من تهريب الأموال إلى خارج العراق، ثم توظيفها في شراء عقارات فاخرة في دول مجاورة أو أوروبية، بما يضفي عليها صفة قانونية. صورة من: Andres Victorero/Zoonar/picture alliance وعلى الصعيد الرقابي، تتوزع الأدوار بين عدد من الجهات المعنية بمتابعة تنفيذ هذه التشريعات، في مقدمتها البنك المركزي العراقي الذي يشرف على التزام المؤسسات المالية بالتعليمات والضوابط المعتمدة. وتضطلع وحدة الاستخبارات المالية بدور محوري في تحليل التقارير المتعلقة بالعمليات المشبوهة وتقييم المخاطر المرتبطة بها. إلى جانب ذلك، يبرز دور مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، الذي يعمل تحت إشراف البنك المركزي، في تنسيق الجهود المؤسسية وتحليل البيانات واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من هذه الجرائم. حول ذلك يقول الخبير الاقتصادي الدكتور وائل منذر لـ DW عربية : "المصارف الحكومية والأهلية ملزمة بموجب هذا القانون بتقديم بلاغ وإشعار لأي حالة نشاط غير اعتيادي لإيداع أو تحويل مصرفي". ورغم وجود هذا الإطار القانوني والمؤسساتي، تبقى فعالية التطبيق مرهونة بمدى الالتزام والرقابة الفعلية، في ظل تحديات معقدة يفرضها انتشار الفساد وتداخل المصالح داخل بعض مفاصل الدولة. فكيف يمكن لفساد مستشر منذ عقود، تسبب بخسارة 2 ترليون دولار منذ عام 2003 في البقاء طويلا دون الكشف عنه؟ يطرح مواطنون تساؤلات عن دور الجهات الرقابية في غض النظر أو التورط، خصوصا بعد اعتقال مسؤولين سابقين في هيئة النزاهة التي يفترض أنها تراقب نزاهة مؤسسات الدولة والأفراد! في ظل غياب الرقابة الفاعلة، يتحول نمط الفساد هذا إلى قاعدة غير مكتوبة، تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة ومواردها، وتفتح الباب أمام مزيد من التشوهات الاقتصادية. تحرير: عارف جابو عباس الخشالي صحفي ومراسل ومقدم برامج حوارية، متخصص بالشؤون السياسية والرياضية في أوروبا والشرق الأوسط.ملاحظاتك!ملاحظاتكم!إعلانالمصدر: DW عربية | Source: DW عربية
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة DW عربية. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by DW عربية. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.