«الفريق الملعون»: لماذا يكافح المنتخب الفرنسي ليحظى بالحب؟
•يسأل أحد مجهولي الهوية على منصة «ريديت» باللغة الفرنسية «هل أنا الوحيد الذي لا يحب المنتخب الفرنسي؟»، فتنهمر الأجوبة باللغة نفسها، «لست وحدك يا صديقي».
•يُعلل كل جواب بتفسيرات تكتيكية وموغلة في التفصيلات الكروية، لكنه مع ذلك يؤكد انطباعًا سائدًا في داخل فرنسا وخارجها بشأن تشجيع منتخب فرنسا.
•هناك «لعنة» تلاحق هذا الفريق.
هذا الخبر من حبر. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: حبر | Source: حبريسأل أحد مجهولي الهوية على منصة «ريديت» باللغة الفرنسية «هل أنا الوحيد الذي لا يحب المنتخب الفرنسي؟»، فتنهمر الأجوبة باللغة نفسها، «لست وحدك يا صديقي». يُعلل كل جواب بتفسيرات تكتيكية وموغلة في التفصيلات الكروية، لكنه مع ذلك يؤكد انطباعًا سائدًا في داخل فرنسا وخارجها بشأن تشجيع منتخب فرنسا. هناك «لعنة» تلاحق هذا الفريق. وهي لعنة لا تتعلق بما يقدمه على الملعب ولكن بكيفية النظر إليه. فازت فرنسا بكأس العالم مرتين، ووصلت إلى النهائي للمرة الثالثة عام 2022، وحصدت لقبين في بطولة أوروبا. وبأي مقياس تقريبًا، يُعدّ المنتخب الفرنسي أحد أنجح المنتخبات في تاريخ هذه الرياضة. ومع ذلك، ثمة مفارقة غريبة تكتنف مساره.
فالفريق الذي يستمر في تحقيق الانتصارات ليس بالضرورة الفريق الذي ترغب البلاد في احتضانه. إذ يتعرض لانتقادات من اليمين المتطرف بذريعة غياب «المظهر الفرنسي الكافي»، ويُعامل بفتور من قِبل بعض فئات الجمهور التي تُفضّل رياضة الرغبي أو ركوب الدراجات أو التنس. أما خارج فرنسا فقليل ما تجد من يشجعه، أو ربما يبدو ذلك مستحيلًا. لكن بعيدًا عن خيالات الانطباع والميل، توجد زوايا متعددة لمقاربة هذه «اللعنة»، ماديًا وثقافيًا وسياسيًا، بداية من طبيعة الثقافة الرياضية الفرنسية المتشرذمة، والأصول الديموغرافية والجغرافية لمواهبها الكروية، والهجمات السياسية ذات الطابع العنصري التي واجهها المنتخب منذ التسعينيات، والفضائح المؤسسية التي شوهت صورته بين الحين والآخر.
فقر «الروح الكروية»
ربما تبدو المسألة أبعد من كره المنتخب الفرنسي أو حبه. قبل أسابيع عندما كسب نادي باريس سان جيرمان بطولة دوري أبطال أوروبا كانت الحشود التي رأيتها تذرع الشوارع في الباريس أغلبها من أصول مهاجرة. ومن الشائع أن ترى أبناء المهاجرين والقادمين من الضواحي يرتدون قمصان المنتخب الفرنسي أو فرق كرة القدم، وهذا غير شائع بالمرة لدى السكان البيض. رغم أن كرة القدم هي الرياضة الشعبية الأولى في البلاد – شأنها في ذلك شأن أغلب دول العالم – إلا أن ما يغيب في فرنسا هو تلك «الروح الكروية» التي نعرفها في دول أخرى، سواء تعلق الأمر بأوروبا أو أمريكا اللاتينية مثلًا أو حتى في بلادنا العربية.
على عكس إنجلترا وإيطاليا والبرازيل، حيث تُعتبر كرة القدم بمثابة «دين وطني» متجذر في هوية مدن معينة، فإن الثقافة الرياضية في فرنسا متعددة الأوجه. من الناحية المؤسسية تمتلك فرنسا قاعدة كروية هائلة، إذ يبلغ عدد اللاعبين المسجلين ما بين 1.8 و2 مليون لاعب، بالإضافة إلى حوالي 18 ألف نادٍ تحت مظلة الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عند النظر إلى التشجيع الجماهيري، والهوية المدنية في علاقتها بالكرة.
تتمتع رياضة الرغبي، التي تتركز في الجنوب الغربي بثقافة جماهيرية في الملاعب تُضاهي، بل وتفوق أحيانًا، كرة القدم محليًا، إذ تُسجل بطولة الدوري الفرنسي الممتاز بعضًا من أعلى نسب الحضور في رياضة الرغبي الأوروبية، أما رياضة ركوب الدراجات، من خلال طواف فرنسا للدراجات، فتؤدي دورًا توحيديًا أريد لها من تأسيسها، فهي أشبه برحلة وطنية مقدسة وليست مجرد انتماءات نوادٍ. وتحظى رياضة التنس، التي تُعد بطولة رولان غاروس ركيزتها الأساسية، وكرة اليد، التي تُحرز فرق الرجال والسيدات ألقابًا عالمية متكررة، بشعبية جارفة. وفي المقابل، وفي إنجلترا مثلًا، يُعتبر تشجيع كرة القدم أمرًا ثقافيًا سائدًا. أما في فرنسا، فتعدّ كرة القدم خيارًا واحدًا من بين العديد من الرياضات السائدة، وبالنسبة لشريحة كبيرة من السكان، وخاصة كبار السن وسكان الريف وسكان الجنوب باستثناء مرسيليا، فإن كرة القدم ليست رياضتهم المفضلة.
ويبدو أوضح دليل تجريبي على ضعف هذه الروح الكروية هو الحضور الجماهيري. إذ يسجل الدوري الفرنسي باستمرار أدنى متوسط حضور بين الدوريات الخمسة الكبرى في أوروبا. ففي موسم 2024-2025، استقطب الدوري الفرنسي حوالي 8.55 مليون متفرج، بمتوسط إشغال يقارب 80%، متخلفًا بذلك عن الدوري الإنجليزي الممتاز، بنسبة إشغال تقارب 98%، والدوري الألماني (97%). بل إن بعض أندية الدوري، مثل موناكو، بالكاد ملأت نصف مدرجاتها طوال الموسم. ومع أن ذلك لا يُعدّ دليلًا على عدم شعبية المنتخب الفرنسي نفسه، فمبارياته تُباع تذاكرها بالكامل باستمرار، ولكنه يعكس حقيقةً جوهرية، وهي أن الأندية الفرنسية لا تمتلك تلك الثقافة الجماهيرية العميقة والمتوارثة عبر الأجيال، والتي تُميّز الطبقة العاملة، والموجودة في ملاعب نابولي وليفربول وريو دي جانيرو، حيث تندمج الرياضة مع الهوية المحلية لدرجة تتجاوز الأداء. ذلك أن قاعدة مشجعي كرة القدم الفرنسية أكثر تنقلًا وأكثر تنوعًا إقليميًا والأهم من ذلك أكثر تركيزًا في فئات ديموغرافية محددة.
متلازمة «الضواحي»
ربما تكون أكثر فئة ديموغرافية تتركز داخلها هذه الروح الكروية هي المهاجرين أو الفرنسيين المنحدرين من أصول مهاجرة. ولذلك نجد أن إنتاج اللاعبين يتركز بشكل مكثف في الضواحي، وتحديدًا ضواحي الطبقة العاملة المحيطة بباريس وليون ومرسيليا، والتي تقطنها في كثير من الأحيان أعداد كبيرة من المهاجرين من أصول شمال أفريقية ومن جنوب الصحراء الكبرى. فقد أرسلت ضواحي باريس وحدها لاعبين ومدربين إلى كأس العالم منذ عام 2002 أكثر من أي مدينة أخرى في العالم، وهو ما يظهر بوضوحٍ في تشكيلة منتخب فرنسا. كما أنها قدّمت ما يقارب ضعف عدد لاعبي دوري أبطال أوروبا في موسم 2023-2024 مقارنةً بكاتالونيا، موطن «أكاديمية لاماسيا» التابعة لنادي برشلونة.
ويفسر ذلك بشكل أساسي بالمستوى الطبقي لسكان الضواحي، حيث يبحث الشبان عن مسار للترقي الاجتماعي بعيدًا المسارات المشغولة بإعادة الإنتاج الاجتماعي في العمل والتعليم. وهذا السعي تدعمه وفرة الملاعب البلدية، فكرة القدم هي اللعبة الوحيدة تقريبًا المتاحة للشباب في هذه الأحياء. فضلًا عن عملية نقل الشغف التي جرت داخل العائلات، فأغلب هؤلاء الشبان ولدوا لآباء قادمين من مدن ومناطق مهووسة بكرة القدم في بلاد المغرب وأفريقيا، ونقلوا لأبنائهم ذلك الهوس. وقد نجحت الدولة الفرنسية، في توظيف هذا الواقع الاجتماعي لبناء نظام فعال لاستقطاب هذه المواهب. في عام 1988، تم تأسيس «مركز كليرفونتين»، كجزء من شبكة وطنية من المراكز الإقليمية التي أُنشئت بعد قانون صدر عام 1973 يُلزم الأندية المحترفة بإدارة أكاديميات للشباب، ما وفر مسارًا منظمًا من كرة القدم في شوارع الضواحي إلى الاحتراف واللعب الدولي.
وقد ظهرت ثمار ذلك المسار بداية من عام 1998، عندما أحرز المنتخب الفرنسي كأس العالم لأول مرةٍ في تاريخه. وهي الدورة التي ظهر فيها الفريق الفرنسي مكونًا بشكل غير متناسب من لاعبين هاجر آباؤهم أو أجدادهم من الجزائر والسنغال والكاميرون ومالي وغوادلوب ومارتينيك وغيرها من مستعمرات الإمبراطورية الفرنسية السابقة، وهو واقع ديموغرافي لا يتوافق مع الصورة النمطية لـ«الفرنسي العادي»، التي تُروج لها الخطابات السياسية اليمينية المتطرفة. رغم أن ذلك التنوع قد استُخدم حينذاك للاحتفاء بفرنسا متعددة الأعراق والمتناغمة، والتي تجسدت في المنتخب بقيادة زين الدين زيدان، المولود في مرسيليا لأبوين مهاجرين جزائريين. لكن في غضون أربع سنوات، انكشفت هشاشة ذلك التنوع، ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2002، تقدم جان ماري لوبان، زعيم الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، إلى جولة الإعادة في حدثٍ غير مسبوقٍ في تاريخ البلاد، كشف عن النزوع الاجتماعي الأوسع نحو أقصى اليمين ومعاداة المهاجرين.
فريق «مصطنع»
أدى فوز المنتخب الفرنسي بكأس العالم عام 1998 إلى صدمة في صفوف النخب الاجتماعية والسياسية في البلاد، والتي أدركت أن اندماج أبناء المهاجرين، الذين طالما اعتُبروا غير قابلين للاندماج لأنهم قدموا من شمال أفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، قد بدأ بالفعل. في ذلك الوقت، كان من المهم من الناحية الرمزية رؤية صورة زين الدين زيدان مُتوجةً على قمة قوس النصر، وسماع الرئيس جاك شيراك، زعيم يمين الوسط، يُشيد علنًا باندماج أبناء المهاجرين في المجتمع الفرنسي. وكان من المثير للدهشة أيضًا سماع موقف شارل باسكوا، الرجل الذي أراد، بصفته وزيرًا للداخلية أن يطهر البلاد من المهاجرين، يدعو مرة أخرى إلى تقنين أوضاع المهاجرين غير النظاميين.
لكن على الجانب الآخر من الطيف السياسي، بدا النصر برهانًا على فقدان البلد لـ«نقائه العرقي». فقد شرع جان ماري لوبان منذ عام 1996 في مهاجمة المنتخب الفرنسي، مشيرًا إلى أن «استقدام لاعبين من الخارج عمل مصطنع»، رغم أن اللاعبين ولدوا وعاشوا في فرنسا، وزعم أن معظم لاعبي الفريق لا «يعرفون النشيد الوطني». ورغم إدانة المؤسسة السياسية والإعلامية لتصريحات زعيم اليمين المتطرف، إلا أن موقف لوبان لم يكن نابعًا من فراغ، بل معبرًا عن مزاجٍ متصاعد في المجتمع الفرنسي معادٍ للمهاجرين، ظل يتطور منذ بداية التسعينيات وصار اليوم غالبًا، وتسرب حتى للمؤسسة الرياضية الرسمية. في عام 2011، نشر موقع «ميديا بار» الاستقصائي نصًا مسربًا لاجتماع عُقد في تشرين الثاني 2010 بين كبار مسؤولي الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، بمن فيهم مدرب المنتخب لوران بلان، الفائز بكأس العالم 1998، حيث ناقش المشاركون تحديد نسبة اللاعبين مزدوجي الجنسية، وغالبيتهم من ذوي البشرة السوداء والعرب، المقبولين في أكاديميات تدريب الشباب بنحو 30%، وذلك لمنعهم لاحقًا من اختيار تمثيل دول أخرى مثل الجزائر أو السنغال أو المغرب. ونُقل عن بلان قوله، إنه «يزعجني بشدة» عندما يُمثل لاعبون تلقوا تدريبهم في فرنسا منتخبات شمال أفريقيا أو أفريقيا جنوب الصحراء.
ويستمر هذا التوجه نفسه حاليًا، ويتمحور الآن حول قائد المنتخب كيليان مبابي، المولود في بوندي لأب كاميروني وأم جزائرية. في عام 2024، وقبل الانتخابات البرلمانية المبكرة، وقّع مبابي وأكثر من 200 رياضي فرنسي آخر رسالة مفتوحة تحث الشباب على عدم التصويت لأحزاب اليمين المتطرفة، في إشارة واضحة، وإن لم تكن صريحة، ضد حزب التجمع الوطني بزعامة مارين لوبان بنت جان ماري. ووصلت المطالبات حد الدعوة إلى استبعاد مبابي من الفريق نهائيًا. وقد تصاعد الصراع مجددًا في عام 2026. فقبل انطلاق كأس العالم، صرّح مبابي بأنه «يخشى على مستقبل فرنسا في حال وصول حزب لوبان إلى السلطة»، مما أثار موجة جديدة من الهجمات من شخصيات الحزب، بمن فيهم زعيمه جوردان بارديلا ومارين لوبان نفسها. ويكشف هذا الجدل المستمر أن الخط الفاصل من عام 1996 إلى عام 2026 مستقر بشكل لافت للنظر. فبالنسبة لجزء كبير من النخبة اليمينية المتطرفة الفرنسية، فإن اللاعبين غير البيض فرنسيون بما يكفي للفوز بألقاب للبلاد، لكنهم ليسوا فرنسيين بما يكفي ليتم الوثوق بهم في إبداء رأي سياسي.
أثرت ثقافة الضواحي بشكل جذري على التصور العام للاعبي المنتخب الفرنسي، حيث تحولت من مجرد منشأ جغرافي إلى رمز للصراعات الثقافية والاجتماعية حول الهوية والولاء. ويجري أحيانًا الربط المباشر بين سلوك اللاعبين وبين ما يوصف بـ«ثقافة الرعاع» المنبثقة من الضواحي. وأصبح يُنظر للاعبين المنحدرين من هذه الأحياء بوصفهم «فرنسيين سيئين» يُشتبه في عدم محبتهم للوطن، خاصة في حال تكبد المنتخب الهزائم. وعلى الصعيد الاجتماعي والثقافي، واجه لاعبو الضواحي نوعًا من «الوصم الاجتماعي» الذي يتجاوز النجاح المادي، فبالرغم من مكانتهم الاجتماعية التي تطورت، ظلت طريقتهم في الحديث أو الكتابة، مثل الأخطاء الإملائية في تغريداتهم، مادة للسخرية من قِبل «النخبة الباريسية»، مما أدى إلى تجريدهم من الأهلية الاجتماعية لتمثيل الأمة ثقافيًا. كما ساهمت التنشئة في الضواحي في تشكيل وعي اللاعبين بقضايا سياسية ودينية حساسة، ففي هذه الأحياء، نمت روابط قوية أدت ببعض اللاعبين إلى اعتناق الإسلام، مما زاد من حدة التوتر الثقافي في مجتمع فرنسي أصبح ينظر للفئات «المسلمة» بعين الريبة. ولذلك من السهل أن يتحول اللاعب المنحدر من الضواحي لـ«كبش فداء» سهل في أوقات الهزيمة، حيث تُستخدم خلفيته الاجتماعية لتفسير أي إخفاق باعتباره فشلًا في الاندماج الوطني.
ولعلّ التفسير الأنسب لهذه «اللعنة» هو أن المنتخب الفرنسي لا يُمثّل مصدرًا للانقسام الوطني بقدر ما يُمثّل مرآةً تعكس الانقسامات القائمة في المجتمع الفرنسي نفسه حول الهجرة والإرث الاستعماري والهوية. يفوز الفريق، ويُعتبر ذلك للحظة، دليلًا قاطعًا على نجاح الاندماج، ثم تُعيد أزمة سياسية أو اجتماعية فتح الجدل العالق حول من يحق له الانتماء إلى «فرنسا». لذلك فإن النجاح على أرض الملعب ليس كافيًا لحسم الجدل حول الهوية خارجه، وربما لم يكن ليُحسم أبدًا.
«لعنة» عالمية
أما في الخارج فاللعنة أكثر رسوخًا. يُحَبّ منتخبا البرازيل والأرجنتين في الخارج كما تُحبّ القصص، فقد حُوِّلت كرة قدمهما إلى أساطير، وأسلوبٍ يُضفي عليه الناس طابعًا رومانسيًا حتى عندما يخسر أحدهم النزال. لم يُمنح منتخب فرنسا هذا النوع من الحبّ. يُعجب الناس أحيانًا بالطابع المؤسسي للكرة الفرنسية، الأكاديميات وشبكة المواهب في الضواحي والكفاءة العالية في استغلال هذه المواهب، لكن الإعجاب بنظامٍ ما هو أبرد من حبّ طريقة اللعب. وهكذا تجد فرنسا نفسها في عزلة مزدوجة غريبة، فهي تتمتع بكفاءة عالية واختلاف كبير يمنعها من أن تحظى بالحب الهستيري الذي تحظى به البرازيل أو إيطاليا أو الأرجنتين.
لكن بالنسبة للمغرب العربي وأفريقيا جنوب الصحراء، لا يمكن فصل المشاعر الكروية تجاه فرنسا عن الذاكرة الاستعمارية. ويتجلى هذا بوضوح في علاقة فرنسا بالجزائر، التي اتسمت حرب استقلالها بوحشية استثنائية، ولا تزال جراحها غائرة. في عام 2001، رتب الرئيس الفرنسي جاك شيراك أول مباراة ودية لكرة القدم بين فرنسا والجزائر كبادرة رمزية للمصالحة. لكن هذه الخطوة أتت بنتائج عكسية كارثية. فقد استهجن المشجعون النشيد الوطني الفرنسي، وأُلغيت المباراة في الدقيقة 76 بعد اقتحام جماعي للملعب، وكانت هذه أول مباراة تجمع فرنسا بالجزائر منذ استقلال الجزائر، ولم تلعب فرنسا ضد الجزائر منذ ذلك الحين. كان التاريخ نفسه يحمل دلالات عميقة، فقد صادف السادس من تشرين الأول ذكرى حظر التجول الذي فرضته الشرطة الفرنسية على الجزائريين في باريس عام 1961، ولم يدرك المنظمون أن المباراة ستُقام في ظل خلفية تاريخية شديدة التوتر السياسي. لم تكن هذه حادثة معزولة. فقد تكررت صيحات الاستهجان أثناء عزف النشيد الوطني في مباراة ودية بين فرنسا والمغرب عام 2007، ومباراة أخرى بين فرنسا وتونس عام 2008، ما دفع الرئيس نيكولا ساركوزي إلى المطالبة بتفسيرات والتهديد بإلغاء أي مباراة يُستهجن فيها النشيد الوطني الفرنسي، مُصوِّرًا الأمر على أنه مسألة تتطلب استجابة سياسية عاجلة. وقد استغل زعيم اليمين المتطرف جان ماري لوبان حادثة اقتحام الملعب عام 2001 كأداة لحملته الانتخابية، مُصوّرًا إياها كدليل على أن الهجرة تُشكل تهديدًا للمجتمع الفرنسي وأن اندماج المهاجرين من شمال أفريقيا قد فشل، وهي رسالة ساعدته على الوصول إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية 2002.
كذلك لا يمكن فصل المشاعر الكروية تجاه فرنسا عن التوترات الجيوسياسية الأوسع، لا سيما مع العالم العربي والإسلامي. ففي تشرين الأول 2020، وبعد أن دافع الرئيس ماكرون عن حق وسائل الإعلام الفرنسية الساخرة في نشر رسوم كاريكاتورية للنبي، ووصف الإسلام بأنه «في أزمة»، انتشرت مقاطعة المنتجات الفرنسية بسرعة في جميع أنحاء العالم الإسلامي. وتصدرت وسوم المقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي. ورغم أن هذا الجدل لم يكن يتعلق بكرة القدم، إلا أنه يوضح الخلفية السياسية التي يتم من خلالها استقبال أي رمز وطني فرنسي، بما في ذلك فريق كرة القدم الذي يحمل علم فرنسا، في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، باعتباره امتدادًا لدولة يُنظر إلى «علمانيتها» في كثير من الأحيان على أنها تستهدف الإسلام على وجه التحديد.
ومع ذلك، تبدو المسألة أكثر تناقضًا. إذ يحظى المنتخب الفرنسي بدعم كبير من العديد من الأفارقة، لا سيما عند خروج منتخباتهم الوطنية من البطولة، كما حدث في عام 2018. لا يقتصر هذا التناقض على مجرد رفض، بل هو علاقة معقدة ومتشعبة، تجمع بين الفخر الحقيقي باللاعبين ذوي الأصول العربية والأفريقية والاستياء من سياسات الهوية الفرنسية الاستيعابية التي تنكر الانتماء المزدوج، والصدمة الاستعمارية التي لم تُحلّ والإساءة العنصرية المتكررة للاعبين السود من قبل المشجعين والشخصيات العامة، والتوترات الجيوسياسية بين الدولة الفرنسية ودول الجنوب. وتفسر هذه العوامل مجتمعة سبب معاناة منتخب يملك براعةً كرويةً ويحقق نتائج كبيرةٍ ويرتبط ديموغرافيًا بأفريقيا والعالم العربي، في تحويل هذا الارتباط إلى محبة جماهيرية عالمية.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة حبر. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by حبر. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.
