يفضل المؤلف-الفرد في معظم الأحيان أن يتجنب نظرته إلى نفسه، وأن يغلب عليها نظرة الآخرين إليه، أو بالأحرى ما يحبه عن نفسه في نظر الآخرين حياله. وقد يضطره ذلك إلى تحسين الصورة وتنقيتها لكي تكون متلائمة مع ما يظنه إرضاء للآخرين. هكذا تبتعد السيرة إلى حد بعيد عن كونها سيرة "ذاتية". فالسيرة الذاتية من حيث المبدأ ينبغي أن تكون صورة الفرد عن ذاته، ينبغي أن تكون كما عاشها صاحبها ورآها، ينبغي أن تكون صادقة إن لم نقل حرفية. ومن الطبيعي أن تنطوي على مفارقات أو تناقضات، على إيجابيات وسلبيات. بكلمة أخرى، ينبغي أن تكون أقرب ما يمكن إلى "الاعترافات".
ها هو الكلام يقودنا إلى جان جاك روسو و"اعترافاته"، حيث نجد السيرة الذاتية تجربة غير ملفقة، يتقدم فيها الفرد عاريا، ينشأ ويكبر ويغامر، يخوض الحياة على نحو فريد، يعبر عنه المؤلف بصيغة من الواقعية والصدق. هذه الصيغة من شأنها أن تبدو أمينة لنظرة المؤلف إلى نفسه، إن لم نقل مطابقة لها. هكذا يقنعنا المؤلف-الفرد بأنه قد حقق "فرديته" في الحياة وفي الكتابة عنها على السواء. يقنعنا بأنه، عندما عمد إلى كتابة سيرته الذاتية، قد اختلى بذاته لكي يراها على حقيقتها، مستبعدا نظرة الآخرين إليه أو غير آبه بـــها.
هل يقودنا الكلام، بعد هذا، إلى القول إن القضية في جوهرها تتعلق بـحضور الفرد ومكانته في المجتمع؟ هل يقودنا إلى القول إن الفرق بين السير الذاتية العربية والسير الذاتية الغربية إنـما هو في الأساس فرق بين الفرد العربي والفرد الغربي، فرق بين علاقتيهما بمجتمعين مختلفين: مجتمع عربـي يدعو أفراده إلى الذوبان في الجماعة، ومجتمع غربـي يتيح لكل فرد من أفراده إمكانيات كبيرة لتحقيق ذاته وتأكيد حضوره الشخصي.
كأن الفرد عندنا، إذ يعمد إلى تأليف سيرته، إنما يخشى من إظهار الحقيقة في تفرده أو فرديته أو فردانيته. ربما لأن إظهار الحقيقة يلقي به بعيدا عن جماعته التي يمنحه الانتماء إليها قدرا من الدفء أو الحماية، بينما يورثه الابتعاد أو الانفصال عنها شعورا بالانعزال، بل شعورا بأنه منبوذ من جماعته أو مطرود أو هامشي. فهو يعرف أن الذهاب إلى الحدود القصوى في تأكيد فرديته له أثمان يصعب عليه دفعها، وإن كان في طويته يرغب في هذا الذهاب. ولكنه غالبا ما يجد نفسه مرغما على تفاديه أو الحد من جموحه.


