الفوضى التي يعزف عليها فراغ المعلومة
ما إن هدأت موجة الشائعات التي ضربت المجتمع السوري نتيجة ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وتعرفة الكهرباء، حتى وجد السوريون أنفسهم أمام موجة جديدة من الأخبار المثيرة للقلق.فخلال ساعات قليلة، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بروايات تتحدث عن احتمال دخول سوريا في مواجهة داخل لبنان ضد حزب الله مقابل مساعدات أمريكية، وربطت تلك الروايات بأخبار عن زيارة للرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لهذا الغرض.في مجموعات «واتساب»، وعلى صفحات «فيسبوك»، وفي أحاديث المقاهي والعائلات، كان الخبر يتنقل بسرعة لافتة، وتعامل البعض معه على أنه حقيقة مؤكدة، فيما يبحث الغالبية عن إجابة تطمئنهم.قد يكون من السهل اتهام الناس بأنهم يصدقون الشائعات، لكن هذا التفسير يبدو قاصرًا في بلد عاش أكثر من أربعة عشر عامًا من الحرب والخوف والتقلبات. فأي خبر سياسي أو أمني لا يُستقبل باعتباره مادة للنقاش فقط، بل باعتباره احتمالًا قد يغير حياة الناس. هل هناك حرب جديدة؟ هل ستتبدل الأولويات؟ هل نحن أمام مرحلة مختلفة؟ بالنسبة لكثيرين، هذه ليست أسئلة نظرية.لاحقًا، خرج المتحدث باسم وزارة الداخلية لينفي ما تم تداوله، كما أصدرت رئاسة الجمهورية بيانًا أكدت فيه أن زيارات الرئيس أحمد الشرع يُعلن عنها حصرًا عبر القنوات والمنصات الرسمية، في إشارة إلى الأنباء المتعلقة بالزيارة وما تبعها من روايات.لكن السؤال الذي بقي عالقًا في أذهان كثيرين لم يكن متعلقًا بمضمون النفي، بل بتوقيته: لماذا احتاج السوريون إلى كل هذا الوقت حتى يحصلوا على إجابة؟المشكلة ليست في غياب النفي، بل في أن الشائعة كانت قد قطعت شوطًا بعيدًا قبل وصوله، ففي زمن الهواتف الذكية، لا تنتظر الأخبار ساعات كي تنتشر، بل دقائق. وكل دقيقة صمت تتحول إلى مساحة مفتوحة للتكهنات والتسريبات والتحليلات المتناقضة، حتى يصبح من الصعب لاحقًا إعادة الأمور إلى نصابها.في سوريا اليوم، لا يخاف الناس من الشائعة لأنها قد تكون كاذبة فقط بل لأنهم لا يعرفون أين يجدون الحقيقة بسرعة كافية.وباعتقادي، فإن الأمر لا يتعلق بالأمن والسياسة وحدهما، فالشائعات التي تتحدث عن قرارات مرتقبة، أو تغييرات كبيرة، أو تأثيرات غير واضحة في آليات اتخاذ القرار تترك آثارًا تتجاوز لحظة تداولها، وفيما قد تكون صحيحة أو خاطئة فإن استمرارها من دون إجابات واضحة يوسع دائرة الشك ويجعل الناس أكثر استعدادًا لتصديق أي رواية جديدة.وهنا تكمن المشكلة الأكبر، فالشائعة لا تؤجل الطمأنينة فقط، بل تؤجل القرار أيضًا، والشاب السوري الذي يفكر في افتتاح مشروع صغير قد يتراجع خطوة إلى الوراء، والمغترب الذي جمع مدخراته على أمل العودة قد يقرر الانتظار أشهرًا إضافية. وحتى المستثمر العربي أو الغربي، الذي لا يعيش تفاصيل المشهد السوري اليومية، يبني جزءًا من قراراته على الصورة التي تصله. وحين تصبح الروايات المتضاربة أعلى صوتًا من المعلومات الموثوقة، ترتفع المخاطر في نظره وتتراجع الثقة، في وقت تحتاج فيه سوريا إلى كل فرصة عمل واستثمار وكل خبرة يمكن أن تسهم في تعافيها.ربما لا يحتاج السوريون إلى معجزات في هذا الملف، فأحيانًا، تكفي منصة رسمية واحدة يعرف الناس أنها ستجيبهم خلال ساعات، لا أيام. ويكفي أن يظهر المسؤولون عندما تشتد الأسئلة لا بعد أن تهدأ العاصفة، وبالتالي تكون تلك المنصة جسرًا للتواصل وملاذًا للباحثين عن المعلومة الصحيحة وسط بحر من المعلومات التي لا نهاية لها.كما أن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، فوسائل الإعلام مطالبة بالتدقيق قبل اللهاث وراء السبق، والمواطن أيضًا مدعو إلى التريث قبل إعادة إرسال أي خبر، خصوصًا في القضايا التي تمس أمن الناس واستقرارهم. لكن كل ذلك يبقى ناقصًا إذا لم تكن المعلومة الرسمية حاضرة بالسرعة المطلوبة.بعد كل ما عاشه السوريون، لم تعد المعلومة الدقيقة ترفًا إعلاميًا، بل جزء من شعور الناس بالأمان، والثقة التي يحتاجها المجتمع ليست أقل أهمية من الطرق والمباني التي يُعاد إعمارها، فإعادة بناء الدول لا تقوم على الإسمنت وحده، بل على شعور مواطنيها بأن الحقيقة متاحة، وأن الأسئلة المشروعة تجد من يجيب عنها في الوقت المناسب، لأن الفراغ لا يبقى فراغًا طويلًا، وإذا لم تملأه الحقيقة ستملؤه الشائعة..المصدر: صحيفة الوطن السعودية | Source: صحيفة الوطن السعودية
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة صحيفة الوطن السعودية. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by صحيفة الوطن السعودية. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.





