... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
173662 مقال 299 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8699 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ ثانيتين

"الدستور المالي" .. الحلقة المفقودة في تنزيل النموذج التنموي المغربي

اقتصاد
هسبريس
2026/04/14 - 06:00 501 مشاهدة

يوم 14 أبريل من كل سنة يجب أن يحتفل به كيوم وطني للمالية العامة في المغرب، لأنه يذكر المهتمين بالشأن المالي المغربي بحقيقة مالية مهمة، شرعنتها الحركة الوطنية المغربية إبان تحملها مسؤولية تدبير الشأن العام بالمغرب بعد الاستقلال، وهي الحقيقة المتمثلة في أن بناء المغرب المستقل مشروط بترسيخ الإصلاحات المالية الكبرى.

ويحسب لرموز الحركة الوطنية المغربية (عبد الله إبراهيم-عبد الرحيم بوعبيد) تأكيدها القطعي أن بناء المغرب المستقل لا يمكن أن ينجح دون التوفر أولا على هندسيات وتصورات مالية كبرى، ومن أجل ترسيخ ذلك لم ينتظر رموز الحركة الوطنية المغربية الاتفاق على أول دستور للبلاد (1962)، ولم ينتظروا كذلك صدور أول قانون تنظيمي للمالية للمغرب المستقل (1963)، بل انتقلوا مباشرة إلى صياغة مشاريع النصوص القانونية المرتبطة بتنزيل الحكامة المالية للمغرب المستقل، هذا الاستعجال يجد تفسيره في الاعتقاد الراسخ لدى الحركة الوطنية بأن استراتيجية بناء المغرب المستقل لا تستقيم دون حكامة مالية تسنده وتؤطره وتحمي المال العام من الاستعمال المنحرف أو الاستعمال الذي يرهن الأجيال القادمة من جهة، ومن جهة أخرى نظرا للقناعة الراسخة لدى اليسار العالمي آنذاك، المتمثلة في أن زمن حكم اليسار قصير، مما يفرض عليه القيام بالإصلاحات الكبرى بسرعة البرق، من أجل ترسيخ شعار “يذهب اليسار وتبقى بصمته راسخة من خلال إصلاحاته”.

مباشرة بعد تحمل الحركة الوطنية مسؤولية تدبير الشأن العام بالمغرب، عملت على بناء مشروع تصور مالي لحكامة الشأن المالي بالمغرب المستقل سنة 1959، من خلال أربعة نصوص أساسية: النص المتعلق بمراقبة الالتزام بالنفقات، النص المتعلق بالهيأة الوطنية للحسابات، النص المتعلق بالمفتشية العامة للمالية، والنص المتعلق بمراقبة المؤسسات العمومية، رغم أن العقل الاستراتيجي المغربي آنذاك ارتأى صدور النص المتعلق بالرقابة القبلية أولا سنة 1959، وصدور باقي النصوص في يوم واحد بتاريخ 14 أبريل 1960.

العقل الاستراتيجي المغربي من خلال المجلس الوزاري المنعقد بتاريخ 19 أكتوبر 2023 سيؤكد على الالتزام بإصلاح القانون التنظيمي للمالية، هذا الالتزام كان تأكيدا من العقل الاستراتيجي المغربي على أن بناء المغرب الصاعد في حاجة إلى هندسيات مالية كبرى تسنده. وبتاريخ 8 أبريل 2026، سيعمد العقل المالي الحكومي إلى تنزيل الإطار الاستراتيجي لإصلاح التدبير المالي العمومي بالنسبة للمدة الفاصلة بين (2026-2032).

حلول ذكرى اليوم الوطني للمالية العمومية بالمغرب، يذكر الطبقة السياسية المغربية من جديد بضرورة الإسراع من أجل المصادقة على دستور مالي جديد يعمد على تعميم تطبيق التدبير المعتمد على النتائج، وسياسة الأثر على الثنائي المكون من “الدولة -المؤسسات العمومية” ويأخذ بعين الاعتبار كذلك التنظيم اللامركزي والجهوية المتقدمة، ويعمل كذلك على تنزيل التدبير المالي السنوي والتدبير المالي الاستراتيجي، وعلى تنزيل الأهداف القطاعية والأهداف الجهوية ويربط بين ثنائية “البرنامج الحكومي -التنزيل المالي للبرنامج الحكومي”.

1) نجاح إصلاح الدستور المالي مرتبط ارتباطا وثيقا بخروج العقل المالي المغربي من جلباب العقل المالي التدبيري الفرنسي

يحسب للعقل السياسي المغربي (عقل الحركة الوطنية المغربية) الذي اعتمد إصلاح 14 أبريل 1960 أنه عقل عمل على الاستفادة من التجربة المالية الفرنسية، التي كانت في مرحلة الستينات تصنف ضمن التجارب التدبيرية المالية الناجحة على المستوى العالمي، نظرا لاعتمادها على النمو الاقتصادي المرتفع، الذي كان كافيا لتمويل السياسات العمومية الطموحة لبناء فرنسا القوية، خصوصا وأن هذه الإبداعات كانت تمول الصعود الفرنسي وعصر القوة الفرنسية (القوة الصناعية-معدلات النمو المرتفعة -السلاح النووي-حق الفيتو)، مما جعل العقل المالي الحكومي المغربي آنذاك يعمل على الاستفادة من الحكامة المالية الفرنسية التي كانت تمول بنجاح سفر فرنسا في قطار الدرجة الأولى كما قال السياسي الفرنسي ريجيس دوبري.

منذ 1980، تراجعت معدلات نمو الاقتصاد الفرنسي، واستسلمت فرنسا لتمويل الاقتصاد الفرنسي من خلال المديونية والرفع من الاقتطاعات الإجبارية، وبالتالي لم تعد الحكامة المالية الفرنسية نموذجا للابتكار والإبداع والنجاح، بل صارت مثالا لحكامة مالية ترسخ العجز والمديونية والرفع من الاقتطاعات الإجبارية.

أفول نجم الحكامة المالية الفرنسية جعلها تنتقل من تمويل بلد صاعد إلى تمويل بلد يستقل المصعد النازل، وبالتالي لم تعد الحكامة المالية الفرنسية تمثل نموذجا للدول التي تبحث عن ركوب قطار الدرجة الأولى.

عجز الهندسة المالية الفرنسية عن إسناد الوقوف الفرنسي سيدفع كاتب الافتتاحيات في مجلة “لوبوان” الفرنسية، ايتيان غرنيل، إلى مطالبة فقهاء المالية الإسبان بالقدوم إلى البرلمان الفرنسي من أجل تدريس أبجديات التدبير المالي الحديث للطبقة السياسية الفرنسية (عكس العقل المالي الحكومي المغربي الذي ما زال يعتبر الحكامة المالية الفرنسية نموذجا يحتذى به). لهذا، فان الدرس الأول الذي على العقل المالي الحكومي بالمغرب الاقتناع به من أجل شرعنة دستور مالي جديد يسند المغرب الصاعد، يتمثل في أن الثقافة المالية الفرنسية التي عجزت عن إسناد الوقوف الفرنسي لا يمكن أن تشكل نموذجا لتمويل وإسناد المغرب الصاعد. وبالتالي، عليه أن يعلم أن المغرب تأخر كثيرا في إغلاق صفحة الحكامة المالية التدبيرية الفرنسية، وأن بناء المغرب الصاعد يفرض عليه اليوم الاستعجال في الاستفادة من تجارب الحكامة المالية الناجحة والمبدعة (السويد-استراليا-كندا…).

2) اصلاح القانون التنظيمي للمالية من المفروض أن يعمل على شرعنة السياسات القطاعية (الأهداف القطاعية)

تنص الفقرة الأولى من الفصل 93 من الدستور على أن “الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية كل في القطاع المكلف به، وفي إطار التضامن الحكومي (…)”، وبالتالي من المفروض على العقل المالي المسؤول عن مشروع تعديل الدستور المالي أن يعمل على تنزيل مستوى المهام الحكومية المرتبطة بتنفيذ السياسة الحكومية في القطاعات المعنية، وذلك من خلال الفقرة الثانية من المادة 38 من القانون التنظيمي للمالية، وأن يتم التنصيص على مستوى أعلى مرتبط بتنزيل السياسات القطاعية والأهداف القطاعية.

الدستور المالي الذي من المفروض أن يسند المغرب الصاعد من المفروض أن يعمل على تنزيل الحكامة القطاعية في المستوى الأعلى داخل القطاعات الوزارية، ويعمل بالتالي على نقلها من مستوى البرنامج وأهداف ومؤشرات البرنامج إلى مستوى السياسات القطاعية ومستوى الأهداف والمؤشرات القطاعية.

الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد فيليب اغيون سيؤكد أن الحكامة المالية الجيدة تفرض تنزيل الحكامة المالية المرتبطة بالأهداف الكبرى للوزارات في المستوى الأعلى وأن نجاح الإصلاح السويدي اعتمد في سنة 1990 على ترسيخ مستوى للحكامة في المستوى القريب مباشرة من الوزراء القطاعيين، أطلق عليهم وزراء المالية (مسؤولون عن الحكامة المالية الاستراتيجية داخل القطاعات الوزارية) لدى القطاعات الوزارية.

تنزيل الدستور المالي القادم لمستوى الحكامة المالية القطاعية سيعمل على تنزيل ليس فقط المقتضيات الدستورية الواردة في الفصل الثاني والتسعين والثالث والتسعين من الدستور، بل سيعمل كذلك على إفساح المجال من أجل تنزيل ما ورد في الفصل الأول من الدستور من أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة.

3) اصلاح الدستور المالي عليه أن يرسخ فعليا ما ورد في الدستور السياسي (التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة)، مما يفرض تنزيل الحكامة الجهوية والأهداف الجهوية

دستور 2011 في فصله الأول عمل على التنصيص على أن التنظيم الترابي للمملكة تنظيم لا مركزي، يقوم على الجهوية المتقدمة، مما كان يفرض على العقل المالي المغربي الذي أشرف على صياغة مشروع القانون التنظيمي للمالية لسنة 2015 أن يعمل على تنزيل المقتضيات الدستورية المرتبطة بالتنظيم اللامركزي القائم على الجهوية المتقدمة، من خلال تنزيل مستوى القرار الجهوي عبر شرعنة الأهداف الجهوية، والعمل كذلك على شرعنة الآمر بالصرف الجهوي.

القانون التنظيمي للمالية لسنة 2015، من خلال المادتين 38 و39، عمل على شرعنة (الأبواب-الفصول-البرنامج-الجهة-المشاريع أو عمليات)، وعمل كذلك على جعل الأهداف والمؤشرات المرقمة لقياس النتائج مرتبطة بمستوى البرنامج، مما يعني أن الجهة هي مستوى تنفيذي فقط، وأن العقل الذي صاغ القانون التنظيمي للمالية هو عقل يملك ثقافة الدولة المركزية، وبالتالي عقل وفي لدساتير ما قبل 2011.

البقاء تحت المضلة الدستورية لدستور سنة 2011 يفرض على الدستور المالي الجديد الذي يسند المغرب الصاعد أن يشرعن مستوى الأهداف والمؤشرات الجهوية باعتبارها مستوى القرب من المواطنين ومستوى القرب من مراقبة الأثر الذي تحدثه السياسات العمومية.

4) الدستور المالي القادم عليه أن يعمل على ربط البرنامج الحكومي (الزمن السياسي) بالزمن المالي (زمن قوانين المالية المرتبطة بتنفيذ البرنامج الحكومي)

عمل دستور 2011 على الاستمرار في تبني الديمقراطية المعقلنة، من خلال ربط الفعل الحكومي بعد التنصيب بالبرنامج الحكومي، وعمل كذلك على تبني الديمقراطية الإيجابية من خلال ثنائية تعيين الحكومة من طرف الملك والتنصيب البرلماني، هذه الثنائية عملت على ربط الزمن السياسي (البرنامج الحكومي) بالزمن المالي (قوانين المالية).

الاقتناع بأن قوانين المالية هي تنزيل للبرنامج الحكومي كان يعني عمليا أن قوانين المالية توجد بين “البرنامج الحكومي الحالي-البرنامج الحكومي المقبل”، احتراما للقواعد الدستورية، وترسيخا كذلك لكون المقروئية السياسية للبرنامج الحكومي لا تستقيم دون مقروئية مالية، مما يطرح السؤال المتعلق بالقانون المالي الذي يوجد في الزمنين، زمن البرنامج الحكومة السابق وزمن البرنامج الحكومي الجديد، مما يعني التفكير في شرعنة إطار قانوني يغلق الزمن السياسي الحكومي والمالي السابق من جهة، ويفرض كذلك العمل على تنزيل الزمن المالي الجديد للبرنامج الحكومي المنبثق عن الانتخابات الأخيرة من جهة أخرى.

التنصيب عمليا هو ترخيص البرلمان للحكومة من أجل تطبيق برنامجها الحكومي الممتد على طول زمن الولاية التشريعية. الترخيص السياسي لتنفيذ البرنامج الحكومي الحائز على الأغلبية البرلمانية هو ما يمنح للجهاز التنفيذي سلطة تهيئة مشروع القانون المالي (قوانين المالية تبقى مؤطره بالبرنامج الحكومي وتحت سقفه).

تأطير الزمن السياسي للزمن المالي يعني أن الانتخابات باعتبارها تعبيرا عما يريده المواطنون من خلال نقل المطالب الشعبية إلى المستوى الأعلى من خلال اختيار الحاكمين، هذا الاختيار يتم من خلال تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر وتعيين الحكومة في مرحلة ثانية، بعد الزمن الدستوري المرتبط بالتعيين، يأتي زمن نقل مطالب المجتمع إلى المستوى المؤسساتي الأعلى من خلال المصادقة على البرنامج الحكومي من طرف الأغلبية البرلمانية.

مما يعني أن البرنامج الحكومي هو في حقيقة الأمر ترسيخ لما تستطيع الأغلبية فعله من خلال الحكومة المنصبة، أما القانون المالي فهو تعبير عما تستطيع القدرة المالية للدولة (الحكومة) تمويله. وفي هذا السياق يعتبر الزمن الدستوري المرتبط بالتنصيب الحكومي إغلاقا للزمن السياسي للحكومة السابقة وبرنامجها الحكومي، وإغلاقا كذلك للزمن المالي المرتبط بالقانون المالي السابق باعتباره تنزيلا للبرنامج الحكومي السابق.

إذا كانت الانتخابات تفتح المجال لتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر وبعد ذلك الحكومة، وبعد ذلك تأتي مرحلة التنصيب والبرنامج الحكومي، فان نهاية الزمن البرلماني تفرض إغلاق الزمن السياسي والمالي الحكومي من خلال جعل الدستور المالي القادم يشرعن نوعا جديدا من قانون المالية يدعى “قانون مالية نهاية التدبير”. شرعنة قانون مالية نهاية التدبير ستجعل مدلول قانون مالية السنة يضم “قانون المالية للسنة”، “قوانين المالية المعدلة”، “قانون مالية نهاية التدبير”، “قانون التصفية المتعلق بتنفيذ قانون المالية”.

5) تعديل الدستور المالي يفرض على السياسي الحسم في تعايش الهيكلة المالية (التدبير المعتمد على النتائج) والهيكلة الإدارية (التدبير المعتمد على الوسائل)

عمل القانون التنظيمي للمالية على إحداث هيكلة مالية (البرنامج-الجهة-مشاريع أو عمليات) بينما عملت المادة الثانية من المرسوم المتعلق بتحديد قواعد تنظيم القطاعات الوزارية واللا تركيز الإداري على تنظيم مركزي (كتابات عامة-مديريات مركزية-أقسام-مصالح) وعلى المستوى الجهوي (مديريات جهوية-مديريات إقليمية-مصالح).

هذه الازدواجية الهيكلية (مالية-إدارية) تطرح مشاكل كبيرة داخل الإدارة، من جهة تستمد الهيكلة الإدارية شرعيتها من ثقافة الدولة المركزية، ومن جهة أخرى من التدبير المعتمد على الوسائل (الوسائل-السلطة الرئاسية -الفعل المقيد)، بينما تستمد الهيكلة المالية شرعيتها من الدولة ذات التنظيم الترابي لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، وبالتالي يرسخ التدبير المعتمد على الفعالية والتدبير المعتمد على النتائج (الأهداف-الحرية-الفعل المبرر بالنتائج والمؤشرات)، وبالتالي ينتظر المتتبعون من خلال تعديل الدستور المالي الحالي العمل على الحسم في مآل هذه الازدواجية على أرض الواقع وتعبيد الطريق نحو هيكلة الأهداف والفعالية والقياس.

تعديل القانون التنظيمي للمالية من المفروض أن يعمل على الحسم في تعايش الهيكلتين، عبر الحسم في الاختيار من خلال الانتصار للمستقبل عبر سلك طريق الأهداف والفعالية والأثر، وبالتالي الانتصار للهيكلة المالية المعتمدة على التدبير من خلال الأهداف.

6) القانون التنظيمي الجديد من المفروض أن يشرعن قوانين البرمجة الميزاناتية

الدستور المالي لسنة 2015، هو دستور مالي ينهل من ثقافة العقل المالي الفرنسي، والمعروف عن هذه الثقافة أنها متشبعة بثقافة منظري الثورة الفرنسية، خصوصا ميرابو والعقل الدستوري للثورة الفرنسية سييز، هذا الثنائي كان يرى أن ممثلي الأمة أسياد في تمرير قوانين المالية التي يشاؤون دون شروط ودون قيود، من خلال ترسيخ قوة التمثيلية الشعبية وقوة الإرادة الشعبية، ولكن ومنذ 1990 بدأت التجارب الدولية تشرع تقييدا لقوانين المالية السنوية، نتيجة لإدخال معادلة جديدة مرتبطة بحقوق الأجيال القادمة، والتي لا يجب مسها ورهنها من خلال القوانين المالية التي يصادق عليها ممثلو الجيل الحاضر، مما دفع مجموعة من الدول إلى شرعنة قانون أقوى من القانون العادي (القانون المالي) ويلزمه، هذا النوع من القانون يعتبر بمثابة ميثاق يحدد الاختيارات الميزانياتية المسؤولة تجاه الأجيال القادمة.

يقول الباحث فرنسوا لانغليت إن القدرة المالية المرتبطة بالتدبير الظرفي والمرتبطة بالحاضر (قانون المالية السنوي مثلا) لا يمكن أن تأكل القدرة المالية المرتبطة بالتدبير الاستراتيجي والمرتبطة بالمستقبل. وبالتالي، فإن إصلاح القانون التنظيمي للمالية لا يمكن أن يغفل التنصيص على قوانين البرمجة المالية الاستراتيجية (وليس منشور البرمجة الميزانياتية الذي لا يمتلك أية قوة قانونية ملزمة، الذي شرعنه القانون التنظيمي للمالية الحالي)، ولم لا التفكير في إصلاح دستوري يدمج التدبير المالي الاستراتيجي ويفرض على التدبير المالي السنوي الظرفي احترام شروط التدبير المالي الاستراتيجي.

7) إصلاح القانون التنظيمي للمالية من المفروض أن يعمل كذلك على تنزيل نخب المغرب الصاعد

العقد المالي الذي يسند العقد التنموي الجديد، والعقد التنموي الذي يسند بناء المغرب الصاعد، لا يمكن تنزيله دون صناعة نخب جديدة من المدبرين العموميين، نخب تشتغل من خلال تحديد الأهداف في إطار وضعية مالية معينة حتى وإن كانت ضاغطة، نخب تصنع المشاريع واستراتيجيات جديدة، ونخب تطور وتحسن وتنوع الخدمات المقدمة للمواطنين الذين يعتبرون كزبائن.

الانتقاد الكبير الذي وجه للعقل الحكومي المسؤول عن تنزيل القانون التنظيمي للمالية الحالي أنه لم يستوعب أن إصلاح الدستور المالي هو إصلاح ثقيل والإصلاحات الثقيلة تفرض القيام بمجهودات جبارة ومستمرة من أجل تنزيلها، مجهودات كبيرة ومستمرة في الزمن، حتى تكون قادرة على إنجاح الإصلاحات الثقيلة.

الباحث المهتم بتنزيل الدستور المالي الحالي سيلاحظ أنه رغم مرور عشر سنوات على دخوله حيز التنفيذ، إلا أن العقل الحكومي المغربي عجز عن نقل القانون التنظيمي للمالية من مربع القانون التنظيمي للمالية على الورق إلى قانون تنظيمي للمالية على الواقع فعليا (فكرة السوسيولوجي بيير بورديو المتعلقة بضرورة نقل الدساتير من دساتير على الورق إلى دساتير على الواقع)، من خلال النجاح في تحويل النخب الإدارية المرتبطة بالقانون والقاعدة القانونية ونخب الدولة المركزية ونخب البعد ونخب الوسائل المرتبطة بالتدبير التقليدي الكلاسيكي إلى مربع نخب النتائج ونخب القرب ونخب الجهوية ونخب الفعالية ونخب الأرقام ونخب التدبير الحديث.

الخلاصة

المغرب الصاعد في حاجة ماسة إلى عقد مالي جديد، عقد مالي يمول ويسند استراتيجية الاستيقاظ الجيو-سياسي والجيو-اقتصادي. يقول أستاذ المالية العامة بالجامعات الفرنسية، ميشيل بوفيي، إن الدساتير المالية من المفروض أن تجعل من المالية العمومية أحداثا ووقائع مجتمعية، ومن أجل ذلك على الدستور المالي الجديد أن يكون دستور القرب ودستور الفعالية ودستور النتائج ودستور الأثر، وعليه أن يكون كذلك الدستور الذي يعزز أسس العيش المشترك والدستور الذي يبدع ويبتكر في خلق الموارد التي تسند بناء المغرب الصاعد.

*باحث في العلوم السياسية والمالية العامة

The post "الدستور المالي" .. الحلقة المفقودة في تنزيل النموذج التنموي المغربي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤